عمان اليوم

النزل التراثية بولاية الحمراء .. عوائد اقتصادية تعيد إحياء البيوت القديمة والمهن التقليدية

استطلاع ـ يوسف بن سالم الحبسي _ "تصوير: محمد بن ناصر العوفي"

 


لم تعد البيوت الطينية والحارات القديمة في ولاية الحمراء مجرد شواهد صامتة على الماضي، بل تحولت بفضل رؤية أبنائها إلى منصات سياحية نابضة بالحياة. فمن خلال قيامهم بإعادة ترميم بيوت الطين، استطاعت الولاية أن تقدم نموذجاً فريداً يمزج بين حماية العمارة التقليدية وبين العوائد الاقتصادية الحديثة، ولم يقتصر هذا التحول على توفير نُزل للإقامة، بل امتد ليصبح شرياناً يغذي الأسواق المحلية، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، معززاً مكانة الولاية باعتباره وجهةً تستقطب السياح من قلب أوروبا وآسيا بحثاً عن الأصالة في أنقى صورها، ففي ممرات مسفاة العبريين وعلى قمم جبل شمس الشاهقة، يجد السائح نفسه ضيفاً في بيت عُماني أصيل وليس مجرد نزيل في فندق عابر، ويؤكد أصحاب المشاريع السياحية في الولاية أن ما يقدمونه هو 'تجربة معيشية متكاملة' تتيح للزائر الانخراط في تفاصيل الحياة اليومية، مما خلق حراكاً تجارياً واجتماعياً أعاد صياغة المشهد السياحي في محافظة الداخلية.
روح المكان
وقال سالم بن سعود الهطالي، صاحب استراحة جبل هاط':
إن تحويل البيوت القديمة إلى نُزُل تراثية كان خطوة واعية لحماية العمارة التقليدية من الاندثار، إذ تمت عملية الترميم وفق أسس تحافظ على روح المكان، باستخدام المواد المحلية نفسها وأساليب البناء القديمة، وبمشاركة حرفيين من أبناء الولاية، وبهذا الشكل، لم تُحفظ المباني فقط، بل أُعيد إحياؤها لتؤدي دورًا معاصرًا دون أن تفقد أصالتها.
وأضاف: نحن لا نقدم تجربة إقامة فندقية تقليدية، بل تجربة معيشية متكاملة، فالسائح يعيش تفاصيل الحياة العُمانية اليومية؛ من القهوة والتمر عند الاستقبال، إلى الطعام المحلي، والجلسات الشعبية، والتفاعل المباشر مع أهل الحارة أو القرية، وغالباً ما يبدي السائح الأجنبي إعجابًا كبيرًا بكرم الضيافة العُمانية، ويشعر بأنه ضيف في بيت لا نزيل في فندق، وهو ما يترك أثرًا إنسانيًا عميقًا لديه.
وأوضح أن النُزُل التراثية أسهمت بشكل مباشر في تنشيط الحركة التجارية داخل الولاية، إذ يتوجه الزوار والسياح إلى الأسواق المحلية لشراء المنتجات التقليدية، والتمور، والعسل، والتحف اليدوية، مما يدعم دخل العديد من الأسر والتجار المحليين .. مؤكداً أن المنتجعات والنزل التراثية وفّرت فرص عمل مباشرة في إدارة النُزُل والخدمات السياحية، إلى جانب فرص غير مباشرة للحرفيين، والمرشدين السياحيين، والأسر المنتجة، وهذا الأمر شجّع الشباب على البقاء في الولاية والعمل فيها بدل الهجرة إلى المدن.
وأشار إلى أن النُزُل أصبحت منصات حية لعرض وممارسة الحرف التقليدية، والزائر لا يشتري المنتج فحسب، بل يشاهد طريقة صناعته ويتعرف على قصته، وهذا التفاعل عزز قيمة الحرفة، وشجّع الحرفيين على نقل مهاراتهم إلى الأجيال الجديدة والزوار .. مشيراً إلى أن فصل الشتاء يظل الموسم الأكثر إقبالًا بالنسبة للنزل التراثية، إلا أن الصيف الأكثر إقبالا في استراحة جبل هاط، وكذلك الأمر بالنسبة لمركز الولاية خاصة مع اعتدال الأجواء في جبل شمس والمناطق المرتفعة، وكثير من السياح باتوا يقصدون الولاية صيفًا بحثًا عن الطبيعة، والمغامرات، والهدوء بعيدًا عن صخب المدن.
وذكر الهطالي بقوله: نستقبل زوارًا من دول أوروبية عدة خاصة من الجنسية الهولندية في استراحة جبل هاط، إلى جانب سياح من آسيا وأمريكا الشمالية، بالإضافة إلى زوار من دول الخليج، وهذا التنوع يعكس المكانة المتنامية لولاية الحمراء كوجهة سياحية .. مضيفاً: هناك زيادة واضحة في الإقبال على سياحة المغامرات، وسياحة الاستجمام، والابتعاد عن التكنولوجيا، والكثير من الزوار يبحثون اليوم عن الهدوء، والطبيعة، والتجربة الأصيلة بعيدًا عن نمط السياحة السريعة.
وأضاف: من أبرز التحديات التي تواجهنا كلفة الصيانة المستمرة للمباني التراثية وصعوبة التزود بالاحتياجات الأساسية في الجبال، والحاجة إلى ترويج أوسع على المستوى الدولي، إضافة إلى بعض التحديات المرتبطة بالبنية الأساسية والتدريب المتخصص في السياحة التراثية .. مضيفاً: إدراج 'مسفاة العبريين' ضمن قائمة أفضل القرى السياحية عالميًا شكّل نقطة تحول مهمة، ووضع الولاية في دائرة الاهتمام العالمي، ونعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد نموًا أكبر في عدد الزوار، وفرصًا أوسع للاستثمار السياحي، شريطة الاستمرار في الحفاظ على الهوية والتراث.
الهوية المعمارية
قال خلفان بن حليط العبري، صاحب نزل الحمراء ماونتن ڤيو الضيافة: 'لقد ساهم تحويل البيوت القديمة إلى نزل تراثية بشكل كبير في تعزيز الهوية المعمارية العمانية، مع الحفاظ على تفاصيل البناء ونمط العمارة التقليدي الذي يعكس الحضارة العمانية الأصيلة. في نزلنا، يجد الزائر كل عناصر الحياة العمانية كما كانت، من تصاميم المباني إلى أسلوب الحياة اليومية، دون أي تغيير على الأصالة، ما يجعل تجربة الإقامة تجربة ثقافية غنية ومتكاملة. كما يقدم النزل للزوار تجربة حية تعكس بساطة الحياة العمانية وتماسك المجتمع وكرم الضيافة، حيث يتم استقبال الزائر بالقهوة والتمر والابتسامة، ليشعر منذ اللحظة الأولى بالدفء والتراث العماني، وتكون إقامته فرصة للتعرف على أصالة الضيافة العمانية وروح التراث الأصيل.'
وأكد العبري أن النزل التراثية في ولاية الحمراء تلعب دورًا محوريًا في تنشيط الأسواق المحلية والاقتصاد المجتمعي، إذ تعتمد على المنتجات العمانية من المواد الغذائية، والحرف التقليدية مثل الفضة، والسعفيات، والأعمال الخشبية، التي يمكن للسائح اقتناؤها كهدايا رمزية تحمل قيمة ثقافية ومعنوية. وأضاف: 'لقد وفرت النزل التراثية فرص عمل متنوعة لأبناء الولاية، سواء بدوام كامل أو جزئي، كما ساهمت في خلق فرص للأسر العمانية المنتجة، من خلال توفير المواد الغذائية والحرف اليدوية للزوار، ما أدى إلى نمو الإبداع وتطوير الحرف التقليدية بين الشباب، وتعزيز الاقتصاد المحلي بشكل مستدام، وجعل المجتمع شريكًا رئيسيًا في صناعة التجربة السياحية.'
وأوضح العبري أن الموسم السياحي في ولاية الحمراء يمتد من شهر أكتوبر وحتى أبريل، ويعود النشاط السياحي بشكل أكبر مع عيد الأضحى المبارك، فيما تقل أعداد الزوار في فصل الصيف. وأضاف أن السياح القادمين غالبًا من ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وسويسرا، وبلجيكا، وهولندا، إضافة إلى الهند، والصين، وروسيا، ما يعكس الاهتمام الدولي الكبير بالولاية كمقصد سياحي يجمع بين الطبيعة الخلابة، والتراث الأصيل، والأنشطة الترفيهية المتنوعة.
وأشار إلى أن سياحة المغامرات والرياضة، مثل المشي الجبلي، والتسلق، والقفز المظلي الحر، ورياضات المغامرة الأخرى، تشهد نموًا مستمرًا، كما ازدادت الرحلات العائلية بشكل ملحوظ، مما يعكس تنوع المنتج السياحي الذي تقدمه الولاية ويجعلها وجهة شاملة لجميع الفئات العمرية والاهتمامات. وأضاف: 'إن الجمع بين المغامرة والتراث والطبيعة يمنح الزائر تجربة متكاملة، حيث يمكنه الاستمتاع بالممرات الجبلية، والتقاط الصور الطبيعية، والتعرف على الثقافة العمانية الأصيلة في آن واحد.'
وأكد العبري أن إدراج مسفاة العبريين ضمن قائمة أفضل القرى السياحية العالمية عزز من مكانة ولاية الحمراء دوليًا، ويؤكد جودة التجربة السياحية التي تقدمها الولاية. وأضاف: 'نتوقع أن يشهد القطاع السياحي في الحمراء ازدهارًا مستمرًا خلال السنوات القادمة، نظرًا لما تمتلكه من مقومات طبيعية متنوعة وفريدة، من جبال شاهقة، ووديان خلابة، ومسارات للمغامرات، إضافة إلى ثراء تراثها العمراني والحرفي، مما يجعلها وجهة سياحية عالمية متكاملة تجمع بين المغامرة، الثقافة، والهدوء الطبيعي.'
وأشار إلى أن ولاية الحمراء تركز على السياحة المستدامة وحماية البيئة الطبيعية، حيث يتم توجيه الزوار لممارسة الرحلات والسياحة بطريقة صديقة للبيئة، مع الحفاظ على المسارات الطبيعية والنباتات المحلية، ما يعزز استدامة القطاع السياحي ويجعل تجربة الزائر فريدة وآمنة ومتكاملة بين التراث والطبيعة والمغامرة.
نموذج للعمارة
قال سعيد بن خميس الخاطري، صاحب منتجع جبل شمس: إن توفر الخدمات المتكاملة في أماكن الجذب السياحي، مثل أماكن الإقامة، والمطاعم، والكافيهات، والحدائق، ووسائل الترفيه الأخرى، يُسهم بشكل كبير في جذب السياح وتعزيز الحركة السياحية بالمنطقة. وأضاف أن منتجع جبل شمس، كأول مؤسسة سياحية على قمة الجبل، ساهم بشكل ملحوظ في إثراء القطاع السياحي في الولاية، ويتميز المنتجع بطابع معماري عماني تقليدي يعكس روح الحياة الجبلية، حيث أن معظم المباني مبنية من الصخور الجبلية، ما يمنح الزائر تجربة فريدة وإقامة تحاكي نمط العيش الطبيعي لسكان الجبال.
وأوضح الخاطري أن النمو في القطاع السياحي ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المحلي، من خلال حركة السياح على محطات الوقود، والمطاعم، والمحلات التجارية، والكافيهات، وغيرها من المنشآت، ما يعزز النشاط التجاري في الولاية بشكل عام. وأضاف أن توفر الخدمات السياحية يخلق فرص عمل حقيقية للشباب العماني، سواء بشكل مباشر في المنتجع والخدمات السياحية، أو بشكل غير مباشر في قطاعات مثل بيع التراثيات، والمنسوجات التقليدية، وخدمات النقل بين الولاية والمنتجع، وغيرها من المجالات المرتبطة بالسياحة.
وأشار إلى أن جبل شمس يُعد أعلى قمة في منطقة الخليج، ويتميز بطبيعة جيولوجية فريدة، وتنوع صخوره، ووجود الفالق العظيم، ثاني أكبر فالق في العالم، ما يجعل المنطقة وجهة سياحية مميزة لمحبي الطبيعة والمغامرات. وأضاف أن سياحة المغامرات، مثل التسلق والمشي الجبلي (هاكينج)، اكتسبت شعبية كبيرة في السنوات الأخيرة، بفضل وجود ممرات جبلية مميزة، مثل ممر ساب بني خميس وممر القمة، والتي توفر للزائرين تجارب استكشافية استثنائية.
ولفت الخاطري إلى أن المنتجعات في جبل شمس تعمل على مدار السنة، وليست مقصورة على فصل معين، على الرغم من أن فصل الشتاء يشهد أكبر عدد من الزوار، بينما تقل الحركة السياحية صيفًا. وأوضح أن غالبية السياح المترددين على المنطقة هم من دول وسط أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والنمسا وهولندا.
وأشار إلى أن إقامة المنتجعات في مواقع نائية مثل جبل شمس يشكل تحديًا لوجستيًا بحد ذاته، من حيث نقل المواد، وتوفير مياه الشرب، وإجراء الصيانة الدورية. ومع ذلك، استطاعت ولاية الحمراء خلال العقدين الماضيين أن تخلق حركة سياحية فريدة بفضل تنوع مواقع الجذب، مثل الفالق العظيم، وحارة الحمراء القديمة، ومسقاة العبريين، وكهف الهوته. وأكد الخاطري أنه من المتوقع أن تشهد السياحة في الولاية نموًا أكبر مع المشاريع الحكومية الجديدة المزمع تنفيذها، ما يعزز مكانة الولاية كوجهة سياحية رائدة تجمع بين الطبيعة الخلابة، والتراث العماني الأصيل، والتجارب الفريدة.
القيمة المضافة
قال سعيد بن خميس الشقصي، مشرف مشروع العربات الكلاسيكية الكهربائية في شركة الحمراء للتنمية السياحية والعقارية بولاية الحمراء: 'مما لا شك فيه أن الحارات القديمة كانت على وشك التحول إلى أطلال، إلا أن النشاط السياحي المكثف حفّز شريحة واسعة من ملاك البيوت القديمة على ترميمها وإعادة إحيائها لتصبح مصدر دخل مستدام لهم. إن الإقامة في البيوت الطينية تقدم تجربة أصيلة وفريدة، حيث يتيح للزوار التعرف على العادات والتقاليد الأصيلة، وتذوق القهوة العمانية، والاستمتاع بكرم الضيافة العميق الذي يترك انطباعًا لا يُنسى، ما يجعل تجربة السياحة في الولاية تجربة غنية ومتكاملة بين الثقافة والتراث والطبيعة.'
وأضاف الشقصي: 'مع تفعيل النزل التراثية، لوحظ رواج كبير في المحلات التقليدية مثل محلات الأثاث والمنظفات ومغاسل الملابس، مما أعطى دفعة قوية للنشاط التجاري بالولاية. وقد ساهم هذا التطور في تنشيط الاقتصاد المحلي بشكل عام، حيث أصبح القطاع السياحي مصدرًا مباشرًا وغير مباشر لتوليد الدخل، مع خلق فرص عمل للشباب العماني، سواء في تنظيم الرحلات السياحية ونقل الزوار، أو في تقديم الخدمات المرتبطة بالطعام والضيافة، كما استفادت النساء عبر إعداد الوجبات التقليدية التي حظيت بطلب كبير من المنشآت السياحية.'
وأشار الشقصي إلى أن النزل التراثية لم تقتصر فوائدها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل أسهمت أيضًا في إحياء التراث المعماري العماني من خلال استخدام مواد البناء التقليدية كالطين وجذوع النخيل، وتشجيع الشباب على الاستثمار في منتجات النخيل المستصلحة من السعف والجذوع. كما أعادت هذه المشاريع الحياة إلى الحرف اليدوية التقليدية، بما في ذلك صناعة المنسوجات المحلية القديمة والزخارف العمانية التي تُستخدم في تزيين البيوت التراثية، ما يعزز من هوية الولاية الثقافية ويجعلها وجهة سياحية جذابة وفريدة.
وأكد الشقصي أن الحركة السياحية الخارجية للولاية تتزايد بشكل ملحوظ خلال فصل الشتاء، فيما تشهد السياحة الداخلية نشاطًا كبيرًا في فصل الصيف، لا سيما في المناطق الجبلية مثل جبل شمس والجبل الشرقي، حيث توفر الطبيعة الجبلية ممرات تسلق ومواقع مناسبة لرياضات المغامرة. وأضاف أن ولاية الحمراء تستقطب أعدادًا متزايدة من السياح الأجانب من جنسيات متنوعة، مثل الألمان والفرنسيين والإيطاليين، الذين يأتون لممارسة أنشطة متعددة، من ركوب الدراجات الهوائية، والقفز المظلي الحر، والتسلق الجبلي، ما يجعل الولاية نموذجًا للوجهة السياحية متعددة التجارب، الغنية بالإثارة والمغامرة، والمزج بين الثقافة والطبيعة والتراث.
كما أشار إلى أن مشاريع السياحة المستدامة في الولاية تعمل على حماية البيئة والحفاظ على المناظر الطبيعية، إذ يتم توجيه الزوار لممارسات صديقة للطبيعة، مثل الحفاظ على المسارات الجبلية وعدم إلحاق الضرر بالنباتات المحلية، ما يعزز من استدامة القطاع السياحي على المدى الطويل ويجعل تجربة الزائر متكاملة بين المغامرة والتراث والحفاظ على البيئة. وأضاف أن الاستثمار في السياحة الجبلية والنزل التراثية ساهم في رفع مستوى الخدمات والبنية التحتية للولاية، من طرقات ومرافق عامة، مما جعل ولاية الحمراء نموذجًا ناجحًا للتنمية السياحية المتوازنة بين الاقتصاد والثقافة والطبيعة.