"الجهل بالقانون لايعفي من المسؤولية ".. ركيزة تحفظ النظام وتحقق العدالة
الثلاثاء / 4 / شوال / 1447 هـ - 15:21 - الثلاثاء 24 مارس 2026 15:21
تكمن أهمية الوعي القانوني في حماية المجتمع وصون الحقوق وتنظيم العلاقات بين أفراده، فبين توقيع عقد مهم دون العلم بتفاصيله، أو مشاركة محتوى دون وعي بعواقبه، تتجلى حقيقة 'الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية' كمبدأ وركيزة تحفظ النظام وتحقق العدالة وفي هذا السياق، حاورت 'عمان' فضيلة القاضي سيف بن عبدالله الحوسني، الأمين العام المساعد لشؤون المحاكم والكاتب بالعدل، وفيما يلي نص الحوار:ماذا يعني مبدأ “الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية'؟
يعني هذا المبدأ أن الشخص لا يستطيع أن يتخلص من المسؤولية القانونية بمجرد قوله إنه لم يكن يعلم بوجود النص القانوني أو لم يكن يعرف أن فعله مجرَّم أو مخالف.
فمتى صدر القانون ونُشر بالطريقة الرسمية المقررة، أصبح ملزما للكل، وافترض المشرّع علم الجميع به.
وفي سلطنة عُمان يتأكد هذا المعنى من خلال قاعدة النشر في الجريدة الرسمية، إذ قرر قانون الجريدة الرسمية أن النشر 'قرينة على علم الكافة بها ولا يقبل دليل على خلاف ذلك' وفق نص المادة (٥) من القانون والتي جرى نصها على أنه 'يعمل بالقوانين والمراسيم السلطانية ذات الطبيعة التشريعية واللوائح من تاريخ نشرها في الجريدة الرسمية أو ملاحقها ما لم ينص فيها على تاريخ آخر، ويُعدُّ النشر قرينة على علم الكافة بها ولا يقبل دليل على خلاف ذلك. '، كما قرر النظام الأساسي للدولة أن القوانين تنشر في الجريدة الرسمية ويعمل بها من تاريخ نشرها ما لم ينص فيها على تاريخ آخر. وفقا لنص المادة (٩١) من النظام الأساسي للدولة .
ما الأساس القانوني الذي يقوم عليه هذا المبدأ؟
الأساس القانوني لهذا المبدأ في سلطنة عُمان يقوم على ركيزتين واضحتين هما النشر الرسمي، فالمادة [5] من قانون الجريدة الرسمية تقرر أن القوانين والمراسيم السلطانية ذات الطبيعة التشريعية واللوائح يعمل بها من تاريخ نشرها، وأن هذا النشر يعدّ قرينة على علم الكافة بها، إضافة إلى النفاذ بعد النشر، فالمادة [91] من النظام الأساسي للدولة نصت على أن القوانين تنشر في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويعمل بها من تاريخ نشرها ما لم ينص فيها على تاريخ آخر. ومن ثم، فإن المشرّع لم يربط الإلزام بالعلم الفعلي لكل فرد، وإنما ربطه بالنشر الرسمي الذي يحقق العلم الحكمي.
كيف يساهم هذا المبدأ في حفظ النظام والعدالة؟
هذا المبدأ يحفظ النظام والعدالة؛ لأنه يمنع الفوضى في تطبيق القانون. فلو تُرك لكل شخص أن يحتج بجهله بالنصوص لأصبح تنفيذ القوانين معطلا، ولأمكن لكل مخالف أن يتذرع بعدم العلم هربا من المساءلة. كما أن هذا المبدأ يحقق المساواة أمام القانون؛ إذ لا يميّز بين شخص وآخر بحسب مستوى ثقافته أو اطلاعه، ويعزز الاستقرار القانوني لأن الناس يعلمون أن القواعد المنشورة نافذة وملزمة للجميع من وقت سريانها.
وهذا الفهم منسجم مع فلسفة النشر الرسمي التي اعتمدها المشرّع العماني باعتبارها أساسا للإلزام العام.
ما سبب عدم اعتبار الجهل بالقانون مبررًا لارتكاب المخالفات؟
لأن القانون لا يمكن أن يؤدي وظيفته إذا عُلّق الالتزام به على العلم الشخصي لكل فرد. فالعلم مسألة داخلية يصعب التحقق منها، ولو قُبل هذا العذر لتحوّل إلى باب واسع للإفلات من المسؤولية. لذلك اعتبر المشرّع العماني أن النشر في الجريدة الرسمية يكفي قانونًا لافتراض العلم.
ومعنى ذلك أن المسؤولية لا تقوم على ما إذا كان الشخص قد قرأ النص فعلا، بل على أن النص أصبح نافذا ومتاحا ومعلنا وفق الطريق الذي رسمه القانون.
ما أبرز القضايا أو المخالفات التي يرتكبها الناس لجهلهم بالقانون؟
لا يوجد حصر لهذه الجريمة حقيقة، إلا أن الواقع العملي أبرزَ عددًا من القضايا قد يكون العلم بالقانون فيها لو كان حاضرا لتغير عددها في المحاكم، فمن أبرز القضايا أو المخالفات الشائعة التي يقع فيها بعض الناس في سلطنة عُمان منها السب والقذف، سواء في الواقع المباشر أو عبر وسائل التقنية، مع أن قانون الجزاء يعاقب على السبّ علنًا في المادة [327]، كما يعاقب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة أو التعدي على الغير بالسب أو القذف باستخدام الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات في المادة [16]. من القانون، إضافة إلى التصوير أو النشر الذي يمس الخصوصية؛ إذ يعاقب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على التقاط الصور أو نشر الأخبار أو التسجيلات المتصلة بالحياة الخاصة أو العائلية ولو كانت صحيحة متى تم ذلك بوسائل التقنية على نحو غير مشروع.
واستخدام الهاتف باليد أثناء القيادة، وهو فعل محظور وفقًا لقانون المرور، وجمع المال من الجمهور دون ترخيص في الحالات التي يتطلب فيها القانون أو اللوائح موافقات رسمية، إلى جانب مخالفات البيانات الشخصية، إذ أوجب قانون حماية البيانات الشخصية ضمان سريتها وعدم نشرها إلا بموافقة مسبقة من صاحبها.
هل يشهد المجتمع ممارسات شائعة تدل على ضعف الوعي القانوني؟ وما هي؟
نعم، وثمة صور متكررة تعكس ذلك، من أبرزها: تداول صور أو مقاطع لأشخاص أو حوادث دون إذن، نشر عبارات في مجموعات التواصل يظن البعض أنها 'فضفضة' بينما قد تنطوي على سب أو قذف، مثل استعمال الهاتف أثناء السياقة باعتباره أمرًا بسيطًا رغم تجريمه، أو مشاركة بيانات شخصية أو إعلانات تجارية دون استيفاء الضوابط القانونية.
والإساءة لجهات حكومية وموظفين حكوميين بحجة حرية التعبير، وإفشاء وثائق رسمية مصنفة عبر منصات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وإعادة نشر محتوى مخالف في منصات التواصل الاجتماعي، وتداول مقاطع صوتية ومرئية لشائعات قد تم إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي بدعوى أنه لم يقم هو بإنتاجها، وهذه السلوكيات تكشف أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في القصد الإجرامي ابتداءً، بل في ضعف الثقافة القانونية اليومية. ويعزز هذا الطرح ما تنبه إليه الجهات الرسمية والإعلامية في سلطنة عُمان من أن الوعي المجتمعي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، خصوصا مع التسارع الكبير لتداول المحتوى عبر المنصات الرقمية.
ما دور الجهات الحكومية في توعية المجتمع بالقوانين؟
دور الجهات الحكومية أساسي ومحوري، ويتمثّل ذلك في نشر القوانين واللوائح والقرارات عبر القنوات الرسمية، وتبسيط النصوص القانونية بلغة واضحة يفهمها غير المختصين، إلى جانب إطلاق الحملات التوعوية المرتبطة بالمخاطر القانونية الواقعية مثل الشائعات، والاتجار بالبشر، وحماية البيانات، والمخالفات الرقمية ، وجرائم المنصات الرقمية، إلى جانب تقديم خدمات رقمية ومعلومات قانونية تسهّل وصول الناس إلى النصوص والضوابط.
وقد أظهرت التقارير الرسمية وجود حملات وطنية توعوية في مجالات متعددة، مثل حملات اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، كما أُبرزت مبادرات قضائية تستهدف ترسيخ الوعي القانوني وثقافة الصلح، من بينها جهود المجلس الأعلى للقضاء على سبيل المثال ومبادرة بـ #بالوعي_نحلها
كيف يمكن للمدارس والجامعات ووسائل الإعلام تعزيز الوعي القانوني؟
يمكنها ذلك عبر تحويل الوعي القانوني من مادة نخبوية إلى معرفة حياتية يومية، فالمدارس تستطيع غرس مفاهيم الحقوق والواجبات واحترام النظام منذ المراحل المبكرة، والجامعات يمكنها إدخال مقررات أو أنشطة تعرّف الطلبة بالتشريعات المرتبطة بحياتهم، خاصة في البيئة الرقمية.
أما وسائل الإعلام فدورها أن تشرح القانون بلغة مبسطة، وأن تربط النصوص القانونية بالوقائع اليومية حتى يفهم الناس أثرها العملي. وقد أشارت مواد صحفية ومجتمعية في سلطنة عُمان إلى أهمية دمج مفاهيم الحقوق والواجبات في الأنشطة الصفية، وإلى أن الثقافة القانونية ضرورة لإعداد جيل واعٍ بالصالح العام، فضلا عن دور المسجد من خلال الاستفادة من الدروس القصيرة بعد الصلوات، واستغلال منصات التواصل الاجتماعي ودعم المبادرات الفردية التي تهدف الى زرع الثقافة القانونية في المجتمع كما هو الحال مبادرة شبكة عمان القانونية.
ما دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعرفة بالقوانين؟
وسائل التواصل الاجتماعي اليوم سلاح ذو حدين؛ فهي قد تكون بابًا لانتشار المخالفة إذا استُخدمت في السب أو التشهير أو نشر الشائعات أو الاعتداء على الخصوصية، أو المساس بالنظام العام، لكنها في المقابل تعد من أقوى الوسائل لنشر الوعي القانوني إذا استُخدمت بصورة مهنية.
وتمتاز هذه الوسائل بسرعة الوصول، وقدرتها على تبسيط الرسائل القانونية في صورة مقاطع قصيرة، وتصاميم، وأمثلة واقعية. كما أنها تمكّن الجهات الرسمية والقانونيين من الوصول إلى شرائح واسعة، لاسيما الشباب. إلا أن نجاحها يتوقف على دقة المحتوى وارتباطه بالمصادر الرسمية؛ لأن البيئة الرقمية نفسها إن لم يتم التعامل معها بمهنية فان ذلك مدعاة للانجرار في مخالفات مؤثمة بحسب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات متى انقلب استخدامها إلى إساءة.
هل هناك مبادرات أو حملات توعوية ناجحة في هذا المجال؟
نعم، توجد في سلطنة عُمان نماذج واضحة يمكن الاستدلال بها، منها الحملات الوطنية التي أطلقتها اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر، مثل حملة 'إنسان'، والتي استهدفت نشر الوعي بمفاهيم الجريمة وسبل الوقاية منها.
إلى جانب مبادرة “بروة' القضائية التي وُصفت بأنها مبادرة لترسيخ الوعي القانوني وثقافة الصلح، إلى جانب حملات توعوية حكومية قطاعية تعرّف الجمهور بالقوانين المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والبيئة التنظيمية. فضلا عن مبادرة شبكة عمان القانونية والتي تسهم بشكل كبير في التعريف بالقانون بلغة مبسطة وسهلة باستخدام مواد تصويرية وأفلام، وهذه المبادرات تؤكد أن الوعي القانوني في سلطنة عُمان لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح جزءا من العمل المؤسسي والتوعوي المنظم.
كيف يمكن للفرد الوصول إلى القوانين التي تهمه ومعرفة حقوقه وواجباته؟
يمكن للفرد الاطلاع على القوانين من خلال عدة مسارات عملية، أهمها الجريدة الرسمية، وهي الأصل في النشر والمرجع الرسمي لنفاذ القوانين وهي متاحة من خلال موقع وزارة العدل والشؤون القانونية، إلى جانب البوابات الحكومية مثل عمان الرقمية التي تتيح الوصول إلى السياسات والقوانين والأنظمة. فضلا عن المواقع القانونية التي تجمع النصوص وعليه، فالأفضل دائما أن يبدأ الشخص بالمصدر الرسمي، ثم يستعين بالمواقع التجميعية أو الشروح القانونية للفهم والتفسير.
ما النصائح التي يمكن تقديمها لتجنب الوقوع في مخالفات قانونية؟
يمكن القول إن الوقاية القانونية تبدأ بالوعي، فالكثير من المخالفات التي تقع في المجتمع لا تنشأ بالضرورة عن قصد إجرامي، بقدر ما تكون نتيجة ضعف المعرفة والوعي بالنصوص القانونية والضوابط التي تنظّم السلوك العام.
ومن أبرز النصائح التي يمكن الاسترشاد بها لتجنب الوقوع في مخالفة قانونية هي ضرورة التحلي بالمسؤولية عند التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعدم نشر أو إعادة نشر أي صورة أو تسجيل أو معلومة تتعلق بالآخرين قبل التأكد من مشروعية تداولها، لما قد ينطوي عليه ذلك من مساس بالحياة الخاصة أو انتهاك لحرمة الخصوصية التي كفلها القانون، إضافة إلى الانتباه إلى أن السب والقذف لا يشترط فيهما أن يكونا بصيغة صريحة أو مباشرة، بل قد يتحققان أيضا من خلال العبارات الموحية أو التلميحات التي تفهم منها الإساءة، وهو ما يُعرف في الفقه القانوني بالمعاريض. كما لا يشترط أن يذكر اسم الشخص المقصود صراحة، إذ يكفي أن تُفهم شخصيته من ظروف الواقعة أو السياق الذي وردت فيه العبارات. ويظن بعض الأشخاص أنهم بمنأى عن المساءلة لمجرد عدم ذكر الاسم صراحة، وهو اعتقاد غير صحيح من الناحية القانونية.
كما يجب التمييز بين حرية التعبير التي يكفلها القانون، وبين التجريح أو الإساءة أو المساس بالنظام العام، فالنقد الموضوعي الهادف الذي يقصد به الإصلاح يختلف عن الطعن أو التشهير أو نشر الاتهامات بغير دليل. كما أن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تحولات سياسية واقتصادية متسارعة، قد يُستغل في تمرير أجندات أو إثارة البلبلة في المجتمع، وهو ما يقتضي التحلي بالوعي والمسؤولية، إلى جانب الرجوع إلى النصوص القانونية أو الجهات المختصة قبل ممارسة أي نشاط يتطلب ترخيصا أو تصريحا، سواء كان نشاطا تجاريا أو إعلاميا أو جمع التبرعات أو غير ذلك من الأنشطة التي نظمها القانون بضوابط محددة، واحترام خصوصية البيانات الشخصية وعدم تداولها أو استخدامها أو نشرها إلا وفق الضوابط التي قررها القانون، لما تمثله حماية البيانات من أهمية في صون الحقوق الفردية والحفاظ على الخصوصية، والحرص على استقاء المعلومات من المصادر الرسمية، لا سيما في أوقات الأزمات أو الأحداث الاستثنائية، وتجنب تداول الأخبار أو الصور أو المقاطع غير الموثوقة التي قد تسهم في نشر الشائعات أو تضليل الرأي العام.
وعند وجود لبس أو شك في مسألة قانونية، فإن من الحكمة الرجوع إلى مختص قانوني أو جهة رسمية مختصة بدلا من الاجتهاد الشخصي؛ إذ قد تترتب على بعض التصرفات مسؤولية جزائية أو مدنية أو إدارية دون أن يدرك الشخص ذلك ابتداءً.