رأي عُمان

حتى لا يكتسب المطر دلالة الفقد

 

يتجاوز حضور المطر في وجدان العمانيين لحظة هطوله أو تفاصيل ما تأتي به النشرة الجوية، الأمر أكثر تجذرا في النفس وفي الوعي، فهو بشارة خير، واستعادة لشعور قديم بالطمأنينة والخصب والحياة. لهذا يخرج الناس لاستقباله بفرح صادق، وتفيض القلوب بالشكر لله حين تبتل الأرض وتفوح منها رائحتها الحقيقية وحين تسيل الوديان فتسيل معها الحياة في أبهى صورها. هذه الصورة التي تربط المطر بالحياة في الوجدان هي التي تضاعف الشعور بالحزن والأسى حينما تتحول الفرحة نفسها، مع كل حالة جوية ماطرة، إلى مأساة جديدة بسبب استسهال بعض الناس للخطر، واستخفافهم بالتحذيرات التي تثبت في كل مرة أهميتها وخطر الاستخفاف بها.

المؤلم أن المشهد يتكرر على نحو يبعث على الحزن. فهناك من يعبر الوديان الجارفة وكأن الماء لن يغلبه، وهناك من يخرج في أوقات الخطر كأن التحذيرات موجهة إلى غيره، ومن يظن أن تقدير اللحظة يكفي لمواجهة طبيعة لا ترحم من يستخف بها. وفي كل مرة تكون النتيجة واحدة، فرحة منقوصة، وبيوت يتحول فرحها بالمطر وبالحياة إلى حزن بالموت والفقد.

المشكلة ليست في غياب الوعي كله، إنما في ذلك الشعور الخادع بأن الخطر بعيد، أو أنه لن يقع هذه المرة أو أن كل شخص يرى نفسه أقوى وأكبر من الخطر نفسه. وهذه واحدة من أكثر الأوهام قسوة، لأن الإنسان لا يزج بنفسه في الخطر وحده، بل قد يجر معه من يحب، ويدفع فرق الإنقاذ إلى مجازفات إضافية، ويترك المجتمع كله أمام حزن كان يمكن تجنبه بقرار أكثر تعقلا. بعض التصرفات لا يمكن وصفها بأنها شجاعة، لأنها في حقيقتها افتقار إلى المسؤولية، وتهاون في حق النفس وحق الآخرين.

والتزام الناس بالتحذيرات لا يعني أنهم لا يملكون القدرة على تقدير الخطر، لكنه يعني أنهم بلغوا قدرا من النضج وهو دليل على فهم أن الحياة أغلى من نزوة عابرة، وأن الطريق الذي يقطعه الوادي لم يعد طريقا، إنما مجرى لمياه جارفة لا قوة لأحد على الوقوف في وجهها.

نحتاج أن نتعلم من كل الدروس التي مرت علينا طوال السنوات الماضية. المطر نعمة، وسيبقى كذلك، لكن النعمة تحتاج إلى وعي يحفظها من أن تنقلب إلى فاجعة. وحين نصون أرواحنا، وننصت إلى التحذيرات، ونتعامل مع الطبيعة بما تستحقه من احترام، فإننا نحمي فرحة المطر نفسها من أن تتحول إلى موسم دائم للفقد أو أن تتحول دلالة المطر من دلالة الخير والخصب إلى دلالة الألم والحزن والفقد.