وسط تصعيد إقليمي.. غزة تعيش اياما " صعبة " تحت الحصار والنار
الاثنين / 3 / شوال / 1447 هـ - 21:22 - الاثنين 23 مارس 2026 21:22
في أيام يفترض أن تتعالى فيها تكبيرات عيد الفطر، استقظت غزة على إيقاعٍ آخر؛ خيامٌ تتمايل تحت رياحٍ مغبرة، وأصوات بعيدة لانفجارات لم تنقطع تمامًا، ووجوهٌ فقدت القدرة على التمييز بين يومٍ عادي ويومٍ يفترض أنه عيد. هنا، لا يبدأ النهار بالتهاني، بل بمحاولة جديدة للنجاة. والم يعد العيد في غزة حدثًا ينتظره الناس، بل تاريخًا يمرّ عليهم وهم غارقون في تفاصيل البقاء. اختفت ملامح الفرح تدريجيًا، حتى باتت فكرة الاحتفال نفسها تبدو بعيدة عن الواقع.
في الأزقة الضيقة المحيطة بمخيمات النزوح، يسير الأطفال بملابس قديمة، بعضها أكبر من مقاسهم أو أصغر، ورغم ذلك يحاولون تقليد طقوس العيد كما يتذكرونها.
يركضون، يضحكون للحظات، ثم يعودون سريعًا إلى خيامٍ تختزن القلق أكثر مما تختزن الدفء.
الكبار، في المقابل، يعيشون حالة صامتة من الانكسار؛ فهم يدركون أن العيد لم يعد قادرًا على ترميم ما تهدّم، لا في البيوت ولا في النفوس.
داخل الخيام يوميات من حافة الاحتمال
في إحدى خيام النزوح وسط القطاع، يقضي أبٌ معظم يومه في البحث عن أي مصدر دخل مؤقت. يعود في نهاية اليوم محمّلًا بإرهاقٍ ثقيل، ويجد أطفاله ينتظرون منه إجابة عن أسئلة بسيطة: هل سنأكل جيدًا غدًا؟ هل سنحصل على شيء يشبه العيد؟ لم يعد يملك إجابات واضحة، فيكتفي بالصمت أو بتغيير الموضوع، محاولًا تأجيل مواجهة واقعٍ يعرف أنه أقسى من أن يُقال.
في خيمة قريبة، تحاول أمّ أن تحافظ على تماسك أسرتها. توزّع الطعام القليل بعناية، وتحرص على أن يبدو المشهد طبيعيًا قدر الإمكان. تخفي قلقها، وتبتسم لأطفالها، لكنها في لحظات الانفراد تعترف بأنها لم تعد تعرف كيف تشرح لهم معنى العيد في هذا الواقع.
أما امرأة مسنّة نزحت أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، فتعيش حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي. لم تعد تقوى على الحركة كثيرًا، لكنها تراقب ما يحدث حولها بصمتٍ عميق. بالنسبة لها، العيد لم يعد سوى ذكرى بعيدة، تقارنها باستمرار بما تراه الآن من تشتت العائلات وضياع البيوت.
وفي زاوية أخرى من المخيم، يجلس شاب فقد عمله ومنزله معًا. يقضي ساعات طويلة في متابعة الأخبار، محاولًا فهم ما يجري في المنطقة. يشعر أن حياته أصبحت معلّقة بقرارات لا تُتخذ في غزة، بل خارجها، في عواصم بعيدة، حيث تُرسم خرائط الصراع دون أن يُؤخذ صوته في الحسبان.
الأطفال ذاكرة مشوّهة للعيد
الأطفال في غزة يعيشون نسخة مختلفة تمامًا من العيد. بالنسبة لكثير منهم، لم يعد العيد مرتبطًا بالملابس الجديدة أو الألعاب، بل بالهدوء النسبي أو غياب القصف.
في أحد المخيمات، يحاول طفل أن يصنع لعبة من بقايا البلاستيك، بينما يراقب أطفالًا آخرين وهم يتشاجرون على قطعة حلوى صغيرة. لا أحد يتحدث عن العيدية كما في السابق، بل عن الطعام، والماء، ومكانٍ آمن للنوم.
بعض الأمهات يحاولن خلق طقوس بديلة، كتحضير شيء بسيط يشبه كعك العيد أو ترديد التكبيرات داخل الخيمة، لكن الأطفال، رغم صغر سنهم، باتوا أكثر وعيًا بالواقع من أن تنطلي عليهم هذه المحاولات بالكامل.
شحّ المساعدات وأزمة تتعمّق
مع استمرار الحرب والتصعيد الإقليمي، تراجعت كميات المساعدات التي تدخل إلى القطاع بشكل ملحوظ. القيود المفروضة على المعابر، إلى جانب تعقيدات المشهد السياسي، جعلت وصول الغذاء والدواء أكثر صعوبة.
العائلات لم تعد تتحدث عن تنوّع في الطعام، بل عن توفره من الأساس. كثيرون اضطروا لتقليص وجباتهم اليومية، فيما يعتمد آخرون بشكل شبه كامل على ما يصلهم من مساعدات متقطعة.
في بعض المخيمات، يتحول وصول شاحنة مساعدات إلى حدث استثنائي، تتجمهر حوله العشرات من العائلات، في مشهد يعكس حجم الاحتياج، وحدّة التنافس على الموارد المحدودة.
الأسعار ترتفع والقدرة تتلاشى
حتى في حال توفر بعض السلع، تبقى الأسعار عائقًا كبيرًا أمام معظم السكان. فقد أدى تراجع الإمدادات وغياب الاستقرار إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار، في وقتٍ فقد فيه كثيرون مصادر دخلهم.
في الأسواق القليلة التي ما تزال قائمة، يبدو المشهد كأن البضائع معروضة بلا مشترين. الباعة يدركون أن المشكلة لم تعد في العرض فقط، بل في غياب القدرة الشرائية. وهكذا، يتحول السوق من مساحة للحياة إلى شاهدٍ آخر على الانهيار.
حرب إقليمية وتأثير مباشر على غزة
التصعيد بين إسرائيل وإيران لم يبقَ في إطار التحليلات السياسية، بل أصبح واقعًا ينعكس على حياة سكان غزة. انشغال القوى الدولية بهذه المواجهة أدى إلى تراجع الاهتمام بالوضع الإنساني في القطاع، في وقتٍ هو الأكثر حساسية.
كما أثّر هذا التصعيد على سلاسل الإمداد، ورفع من كلفة النقل، وأدى إلى تعقيد دخول المساعدات، ما زاد من حدة الأزمة داخل غزة.
السكان هنا يدركون أنهم جزء من معادلة أكبر، لكنهم في الوقت ذاته يشعرون أنهم الحلقة الأضعف فيها.
إلى جانب الحرب والحصار، يواجه القطاع حالة من الغياب شبه الكامل لسلطة قادرة على إدارة الحياة اليومية بشكل مستقر. هذا الفراغ ينعكس في كل شيء: في الأمن، في توزيع المساعدات، في تنظيم الأسواق، وحتى في إدارة المخيمات.
بالنسبة للسكان، لم يعد هناك شعور بوجود نظام يمكن الاعتماد عليه، بل واقع متغير تحكمه الظروف الطارئة.
المستقبل صورة ضبابية
أكثر ما يثقل كاهل سكان غزة ليس فقط الحاضر القاسي، بل غياب أي تصور واضح للمستقبل الشباب لا يرون فرصًا للعمل أو الاستقرار، والعائلات لا تعرف إن كانت ستعود إلى بيوتها يومًا، والأطفال يكبرون في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الأمان.
في هذا السياق، يصبح العيد مجرد محطة عابرة في مسار طويل من عدم اليقين.
العيد في غزة اختبار الصبر الأخير في نهاية المطاف، لا يبدو العيد في غزة كما يجب أن يكون. هو ليس مناسبة للفرح، بل اختبار جديد للصبر. الناس هنا لا يطلبون الكثير؛ يريدون يومًا بلا قصف، وجبة تكفي أطفالهم، وشعورًا مؤقتًا بأن الحياة يمكن أن تعود إلى طبيعتها.
لكن حتى هذه الأمنيات البسيطة تبدو، في ظل الحصار والنار والتصعيد الإقليمي، بعيدة المنال. وهكذا، يمرّ عيد الفطر في غزة لا كعيد، بل كفصلٍ آخر من حكاية صمودٍ لم تنتهِ بعد.