أعمدة

ألف ليلة وليلة: من المتخيّل إلى النسق

المرجعية في الأدب العُماني «13»

يُعد موضوع الحرب مادة مهمة وردت في أشعار العرب، لاريب في ذلك، فالشعر يرافق الشعراء في حربهم وسلمهم موثقا لأخبارهم وأسمارهم وأسفارهم وحياتهم اليومية.

تُشكّل الحرب مرجعيةً مهمةً في بناء الشعر، والتأكيد على ملاحم العرب وأخبارهم، فيتبارى الشعراء في وصف الحرب وأخبارها ومعاركها مازجين بين الواقع والشعر في نصوصهم، وإذ تشكل الحرب مرجعية في النصوص الشعرية، فإنها تؤكد على قيمة الصراع الداخلي للشاعر المتمثل في الشجاعة والفروسية والانتصار، فلكل شاعر ملحمة يستمد منها دلالات شعره. إنّ الحرب في ذاتها موضوعٌ واسعٌ يمكن قراءة خطابه في النص الشعري، فما بين الواقع والمتخيّل الشعري هو اشتغالٌ يُحيلنا على مرجعية تاريخية واجتماعية وقبلية؛ لذا فإن مهمة الشاعر في تصوير الحرب قائمة على اعتبارات عدة لعل أهمها العنصر التصويري للحدث، وإضفاء التشويق والتخيل في النص، ولذلك وصف الشاعر الإسلامي أبو قيس بن الأسلت الحرب بأنها (غول، ذات أوجاع)، إذ شبّهها بكائن أسطوري عند العرب، كانوا يحكون عنه كثيرا في أحاديث السمر، متخيلين منظره البشع وقوته وسطوته. هي هكذا الحرب إذن في نظر الشاعر كائن مخيف، بشع، يُحيل على «الوجع والمرارة». يُقدّم التماثل الحاصل بين الحرب والغول صورة عميقة للأثر الواقع في النفوس، والمرارة والفقد والوجع المترتب على البشرية من جرّاء قرار يقوم على إشعال فتيل حرب قد تطول.

تتمثل صورة الحرب في عملية السلطة/ الأنا المتضخمة في أغلبها، وعملية الإغواء والتزيين والذي بموجبه تتسع دائرة الحرب فيما بين أطراف قد لا تكون لهم علاقة فيها، فكم من حروب ابتدأت ثم أحرقت أصابع موقديها، وقديما قديما: (الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى).

تتشكل المرجعية في القصيدة المنسوبة إلى مالك بن فهم (وهي من أولى القصائد التي وردت في أدب عُمان) والتي سطرت ملامح من حياته، بداية من خروجه من أرض اليمن وصولا إلى أرض عُمان هو وقبيلته، ناظما فيها تلك الرحلة الطويلة واستقراره في عُمان. تقوم القصيدة على مرجعيات عدة: منها مرجعيات المكان والأحداث الواقعية التي نظمها في قصيدته، وحربه مع الفرس، وزواجه ثم مقتله على يد ابنه.

ترد الحرب في القصيدة مشكّلة مرجعية يصوّر فيها الواقع التاريخي لحظة وصوله إلى عُمان، ورغبته في الاستقرار بها مع ممانعة الفرس له. وهنا تنقل لنا القصيدة صورة من المعركة الحاصلة بين الطرفين:

جَلَبتُ الخَيلَ من بَرهوتَ شُعثا

إِلى قَلهاتَ من أَرضي عُمانِ

قَتَلتُ بها سراةَ بني قيادٍ

وَحامَيتُ المَعالي غَير وانِ

وَفي الهَيجاء كُنّا أَهل بأَس

قَتَلنا بَهمَناً وَبَني كرانِ

لقينا خَيلهم عندَ التعادي

بأَبطالِ المرازبَةِ الدِعانِ

يؤُمُّون الذُرى وَالخَيلُ تَترى

بفرسانِ اللقاءِ كجنِّ عانِ

فَصالَت منهُم الأَملاكُ فيهم

بمُرهَقَةٍ تَحُلُّ عُرى المِتانِ

نَصَفناهم فنصفُ الخَيلِ قَتلى

وَنصفُ في الوثاقِ وفي القرانِ

ثأرنا المُلكَ يومَ بَني قيادٍ

وَبهمنَ وَالمَنايا في العيانِ

فأَضحَت بهَمنُ وَبنو قيادٍ

موالينا حيارى في الرهانِ

فأَمتعناهُمُ بالمَنِّ عَفوا 

 وَجُدنا بالمَكارِمِ والأَوانِ

وَجُزتُ مُمَلَّكا قَطري عُمانٍ

وَقُدتُ الهَيزري مع كلِّ عانِ

تتشكّل المرجعية في قصيدة مالك بن فهم ليس في تصوير النصر فقط، وإنما في تخليد الواقعة، والاعتداد بالنفس والقبيلة مظهرا شجاعة جيش مالك في قتال الفرس وطردهم من أرض عُمان. يظهر هذا الاعتداد بالقوة في كون مالك قد نوع في استخدام ضمائر الأفعال، فنجده مرة يُلحق ضمير المتكلم المفرد: (جلبتُ، وقتلتُ، جُزتُ، وقدتُ) في موقف السيادة الذي يُظهر فيه قيادته وحكمته للقوم. ويستخدم في مواضع أخرى ضمائر الجمع: (كنا، وقتلنا، ولقينا، ونصفنا، وثأرنا، وأمتعنا، وجُدْنا) عند الحديث عن القوة والشجاعة في القتال، واصفا نفسه وجيشه بالبأس والانتصار الكبير الذي جعله ملكا على أرض عُمان.

تعد هذه القصيدة مرجعا مهما في قراءة التاريخ العُماني، والاستدلال على الحوادث التي مرّت بعُمان في حقبة تاريخية تشكّلت فيها السيادة، ورغم أن هناك شكاً في نسبة القصيدة إلى مالك بن فهم نفسه كما يُشير بعض الباحثين، فإن القصيدة في مضمونها ناقشت مرجعيات تاريخية تشكّلت بالهجرة إلى عُمان، وقدّمت وصفا للحوادث وبعض الأخبار التي رافقت هجرة الأزد حينها.

لقد استفاد غير واحدٍ من المؤرخين من هذه القصيدة في كتابة التاريخ، والاستشهاد بها في مواضع معينة، بل ومبالغة البعض عند الحديث عن مالك بن فهم، إذ إنه لقلة المصادر القديمة حول الموضوع جعل من النص مرجعية تاريخية أدبية يستند إليها كثير من المؤرخين، فمن العوتبي في الأنساب إلى المتأخرين منهم كنور الدين السالمي في تحفة الأعيان وغيرهم ممن استندوا على القصيدة في سرد أحداث التاريخ، إضافة إلى عدد من الدارسين في التاريخ والأدب والشعر الذين انبروا لدراسة القصيدة وتحليل دلالاتها وألفاظها ولغتها.

لم تكن قصيدة مالك السابقة المرجع الوحيد في تناول الحروب في أرض عُمان، كذلك نقرأ الخطبة التي ألقاها مالك بن فهم أمام جيشه يوم سلوت، قبل التقاء جيشه بجيش الفرس، هي نص آخر يحيل على مرجعيات الحروب، نص تشكّلت ألفاظه من واقعة الحرب التي نشبت بين الطرفين، جاء في كتاب الأنساب للعوتبي: (فلما توافقوا للحرب جعل مالك بن فهم يدور على أصحابه راية راية، وكتيبة كتيبة، ويقول يا معشر الأزد، أهل النجدة والحفاظ، حاموا عن أحسابكم، وذبوا على مآثر آبائكم، وقاتلوا، وناصحوا ملككم وسلطانكم، فإنكم إن انكسرتم وهزمتم، اتبعكم العجم في كافة جنودهم، فاختطفوكم، واصطادوكم بين كل حجر ومدر، وباد عنكم ملككم، وزال عنكم عزمكم وسلطانكم، فوطنوا أنفسكم على الحرب، وعليكم بالصبر والحفاظ فهذا اليوم له ما بعده. فجعل يحرضهم ويأمرهم بالصبر والجلد، ويدور عليهم راية راية وكتيبة كتيبة، حتى استفرغ جميع كتائبه وعساكره.

ثم إن المرزبان زحف بعسكره، وجميع قواده، وجعل الفيلة أمامه. وأقبل نحو مالك بن فهم، وأصحابه. ونادى، ونادى مالك بن فهم أصحابه بالحملة عليهم. فقال: يا معشر فرسان الأزد احملوا معي، فداكم أبي وأمي على هذه الفيلة فاكتنفوها بأسنتكم وسيوفكم. ثم حمل وحملوا معه على الفيلة، بالرماح والسيوف وزرقوها بالسهام فولت الفيلة راجعة بحميتها على عسكر المرزبان، فوطئت منهم خلقا كثيرا...). تقدم لنا هذه الخطبة نموذجا مهما في التحفيز والدفاع عن الأحساب والأموال والأنفس، ورغم قصر الخطبة فإنّ مالكا استطاع شحذ همة جيشه وإيقاد نار الهمة لديهم، والصبر على مواجهة العدو رغم كثرته في العدة والعتاد، فنجد الخطبة قائمة على الإكثار من استخدام أفعال الأمر التي تحث على الدفاع والقتال، ورد في الخطبة الأفعال الآتية: (حاموا، وذبّوا، وقاتلوا، وناصحوا، ووطنوا)، إضافة إلى استخدامه عبارات تثير الحمية في النفس مثل: (فإنكم إن انكسرتم وهزمتم، اتبعكم العجم في كافة جنودهم، فاختطفوكم، واصطادوكم بين كل حجر ومدر، وباد عنكم ملككم، وزال عنكم عزمكم وسلطانكم).

يقوم الخطاب في الخطبة على تمجيد واضح لقبيلة الأزد وهو ما حاول مالك بن فهم زرعه في نفوس مقاتليه، وإثارة حميتهم، مثل: (يا معشر الأزد، أهل النجدة والحفاظ، حاموا عن أحسابكم، وذبوا على مآثر آبائكم، وقاتلوا، وناصحوا ملككم وسلطانكم).

وبذلك يكون النصان وهما من أوائل النصوص التي تناولت إقليم عُمان في أدبياتها قد تناولا الحرب موضوعا مهما لها، كون الحروب -لا سيما في تاريخها القديم- سجلا مهما للشعراء والخطباء، إذ شكّلت الحرب موضوعا رئيسا ضمن أغراض الشعر القديم في عصوره المختلفة -لا سيما في وصف تفاصيل المعارك والانتصارات- وشواهده كثيرة في الأدب العُماني في عصوره المختلفة، عندما واجهت عُمان جيوش المعتدين وطردتهم من أرضها.

خالد المعمري كاتب عُماني