الاقتصادية

ما المؤمل من ارتفاع أسعار النفط رفد الميزانية العامة أم خفض الدين العام ؟

 


أكد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع أسعار النفط يمثل فرصة مهمة للاقتصاد العُماني، موضحين أن تجاوز الأسعار للمستويات المعتمدة في الموازنة العامة يفتح المجال لتحقيق فوائض مالية ملموسة، إلا أن الاعتماد عليها بشكل دائم يظل محفوفًا بالمخاطر في ظل التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، وذلك وفق استطلاع صحفي أجرته 'عُمان' مع عدد من الخبراء الاقتصاديين.
وأشاروا إلى أن الخيار الأمثل في توجيه هذه الفوائض يكمن في تبني نهج متوازن يجمع بين خفض الدين العام وتعزيز الاحتياطيات المالية، إلى جانب توجيه جزء منها للاستثمار في القطاعات الإنتاجية المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، مشيرين إلى أن هذه المرحلة تمثل 'نافذة زمنية' مهمة لتسريع تنفيذ مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'، من خلال دعم المشاريع التنموية القادرة على تحقيق النمو وخلق فرص العمل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وقالوا لـ'عُمان' إن إدارة الفوائض النفطية تتطلب سياسات مالية منضبطة ورؤية طويلة الأجل، توازن بين تحقيق الاستقرار المالي في المدى القريب وضمان الاستدامة في المستقبل، مؤكدين أن النجاح الحقيقي يكمن في تحويل الطفرات النفطية المؤقتة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة.


وقال سعادة أحمد بن سعيد الشرقي، رئيس اللجنة الاقتصادية والمالية بمجلس الشورى: إذا استقرت أسعار النفط عند مستويات تقارب 130 دولارًا للبرميل لفترة معتبرة، فإن الأثر على المالية العامة العُمانية سيكون كبيرًا جدًا، لأن موازنة 2026 بُنيت على سعر افتراضي 60 دولارًا للبرميل، مع إيرادات إجمالية مقدرة بنحو 11.447 مليار ريال عُماني، منها 5.75 مليار ريال إيرادات نفطية، مقابل إنفاق بنحو 11.977 مليار ريال وعجز مقدر بحوالي 530 مليون ريال.
الفجوة الإيجابية
واستطرد قائلاً : يعني أن الارتفاع ليس مجرد تحسن عابر في الإيرادات، وإنما اتساع كبير في الفجوة الإيجابية بين السعر الفعلي والسعر المعتمد في الموازنة وبحساب تقريبي بحت، إذا افترضنا ثبات الإنتاج وعدم تغير العوامل الأخرى، فإن القفز من 60 إلى 130 دولارًا يعني زيادة سعرية بأكثر من 116% فوق الفرضية المعتمدة، قد يرفع الإيرادات النفطية من 5.75 مليار ريال إلى ما يقارب 12.5 مليار ريال، أي بزيادة إضافية تقارب 6.7 مليار ريال، وهو تقدير استرشادي لا محاسبي، لأن المحصلة الفعلية تتأثر بالإنتاج، وكلفة الاستخراج، وآليات التسعير، وأي التزامات أو تحويلات مرتبطة بالقطاع.
ورجح سعادته أنه يمكن تحقيق فائض مالي واضح بدل العجز المقدر، إذا استمرت الأسعار المرتفعة ولم يقابلها تراجع حاد في الكميات أو اضطراب ممتد في التصدير، لكن من المهم التنبيه إلى أن الفوائض الناتجة عن الحروب لا ينبغي التعامل معها كفوائض مريحة أو مستدامة؛ لأنها تأتي من بيئة شديدة التقلب، وترافقها مخاطر على التجارة، والنقل، والتضخم، وسلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين، مشيرا بقوله : ' ولهذا أرى أن العبارة الأصح سياسيًا واقتصاديًا هي: لا يوجد رابح حقيقي في الحروب، وحتى من ترتفع إيراداته مؤقتًا قد يدفع كلفة أعلى لاحقًا عبر تباطؤ النمو وارتفاع كلفة المخاطر وعدم اليقين'.
تعزيز الاحتياطات
وأما بشأن توجيه الفائض، فيرى الشرقي أن الأولوية يجب أن تكون مزدوجة ولكن منضبطة : الأولى، تعزيز الاحتياطيات وتقليل المخاطر المالية، لأن الدولة قطعت شوطًا مهمًا في تحسين مركزها المالي؛ فقد انخفض الدين العام إلى نحو 14.5 مليار ريال في منتصف 2024، وذكرت وزارة المالية أن الدين بلغ 14.1 مليار ريال بنهاية الربع الثاني 2025 قبل أن يرتفع إلى 14.7 مليار ريال بنهاية الربع الثالث 2025 لأسباب تتعلق بإعادة التمويل وإدارة الاستحقاقات، فيما أشارت تقديرات حديثة إلى تحسن كبير في نسبة الدين إلى الناتج مقارنة بعام 2020. والأولوية الثانية، عدم توجيه الفائض في توسع جارٍ غير منتج، بل توجيه جزء منه إلى الإنفاق التنموي عالي العائد مثل مشاريع لوجستية، وصناعية، وطاقة، وسياحة، ومشاريع مرتبطة بالتنويع الاقتصادي ورفع القيمة المضافة.
تقسيم الفائض
وفي سؤاله حول توجيه ارتفاع الأسعار في خفض الدين أم تمويل المشاريع الاستراتيجية، فأجاب بقوله:' إن خفض الدين يجب أن يبقى أولوية أولى جزئيًا، لا أولوية وحيدة لأن خفض الدين يخفف خدمة الدين، ويقوي التصنيف الائتماني، ويوسع قدرة الدولة على تمويل مشاريع المستقبل بشروط أفضل، وفي المقابل، لو وُجّه كامل الفائض إلى سداد الدين فقط، فقد تضيع الفرصة لتسريع مشاريع التنويع التي تخفف أصلًا من اعتماد المالية العامة على النفط. الأفضل هو تقسيم الفائض إلى ثلاثة مسارات: جزء لسداد الدين المكلف، وجزء لبناء احتياطيات مالية، وجزء لمشاريع استراتيجية ذات أثر مباشر على النمو والتوظيف والصادرات غير النفطية، حيث يعد هذا النهج أكثر توازنًا من الإفراط في الصرف أو الإفراط في التحفظ.


نافذة مالية
من ناحيتها قالت الدكتورة حبيبة المغيري خبيرة اقتصادية وأكاديمية: إن رفع مساهمة الأنشطة الاقتصادية وتحقيق الاستدامة المالية هو ما بنيت عليه 'رؤية عُمان 2040' وتحديد أولوياتها لتحقيق اقتصاد متنوع ومستدام. لذلك ارتفاع أسعار النفط في الفترة الحالية يعتبر نافذة مالية مهمة جدا وإدارة الفائض لابد أن يكون وفق نهج متعدد المستويات من خلال وضع نموذج اقتصادي خاص وللتعامل مع الفوائض النفطية. من أهم هذه السياسات والآليات المثلى لإدارة هذه الفوائض تعزيز الاستثمار في الصناديق السياسية، سداد الديون المسبقة، خصوصا ذات الفائدة المرتفعة لتقليل أعباء الفائدة المستقبلة. هناك بعض السياسات المالية المهمة التي لابد من العمل بها مثل التحكم في التضخم والذي ينتج من ارتفاع العائدات النفطية وأيضا التحكم في الإنفاق الحكومي ووضع سقف معين متوافق مع سعر النفط.
وأوضحت المغيري أنه من المهم التنوع في إدارة الفوائض النفطية وذلك بتعزيز الاستثمار في الصناديق السيادية وتنويع هذا الاستثمار في عدة أصول دولية والمساهمة في تمويل الشركات الوطنية التي توجه استثمارها الإستراتيجي نحو القطاعات الغير نفطية مثل السياحة والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية وبناء البنية التحتية واسعة النطاق المتعلقة بهذه القطاعات. والهدف من ذلك هو تحقيق العدالة بين الأجيال عوضا عن تسخير هذه الفوائض للاستهلاك الفوري.
وتابعت بقولها : ' تمثل أيضا الفوائض المالية فرصة قيمة لسداد الديون ذات الفوائد المرتفعة لتحسين الميزانية العمومية ورفع التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، وقد يستغل هذا الفائض المالي الناتج عن الارتفاع الهائل في أسعار النفط بسبب الأوضاع الراهنة إلى إنشاء صندوق احتياطي لتكوين احتياطات مالية تستغل مستقبلا للحفاظ على الإنفاق العام للخدمات الأساسية في حال انخفضت أسعار النفط بسبب التقلبات وعدم استقرار الأسواق العالمية.
رأس المال البشري
وبينت المغيري أنه من أهم مستهدفات 'رؤية عُمان 2040 ' هو الانتقال من الاقتصاد القائم على الموارد إلى اقتصاد مبني على المعرفة وخاصة الاستثمار في رأس المال البشري ولا يتحقق ذلك إلا باستغلال جزء من هذه الإيرادات الفائضة لدعم البحث والتطوير ومواءمة التعليم مع احتياجات القطاع الخاص لشغل الوظائف الجديدة بكفاءات عُمانية مدربة وجاهزة.
وأضافت : أيضا قد يستغل جزء من هذه الفوائض كمحفز لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الاستثمارات المشتركة مع الشركات العالمية الكبرى في الصناعات التحويلية وأيضا قطاعات الهيدروجين الأخضر والتعدين وأشباه الموصلات والموارد البحرية والاقتصاد الرقمي والدائري وزيادة تمويل مشاريع البنية التحتية لهذه القطاعات الواعدة. توجيه الفوائض في تنمية القطاع الخاص وفتح أسواق وممرات عالمية جديدة للصناعات العمانية. يمكن استثمار هذه الإيرادات الإضافية لدعم مستهدفات تنمية قطاعات ذات الأولوية في الخطة الخمسية الحادية عشرة وتحقيقها بشكل فعّال وللتقليل من أي معوقات اقتصادية لإنجاز هذه الأهداف.


المشاريع التنموية
من جهته قال عبدالله بن محمد العبري باحث في الاقتصاد السلوكي وتحليل السياسات الاقتصادية: إن سوق النفط العالمية لا تتحرك دائماً وفق قوانين الاقتصاد التقليدي فقط وإنما تتأثر أيضاً بقرارات الدول الكبرى والتحولات الجيوسياسية والتوقعات النفسية للأسواق، ويؤدي ارتفاع أسعار النفط عادة إلى تحسن الإيرادات الحكومية في الدول المنتجة للطاقة، وهو ما يتيح للحكومات زيادة الإنفاق على المشاريع التنموية والبنية الأساسية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاستثمار في البنية الأساسية يمثل إحدى أهم القنوات التي تنتقل من خلالها عائدات الموارد الطبيعية إلى النمو الاقتصادي.
وأفاد العبري أنه بالنسبة لـسلطنة عُمان ينعكس ارتفاع أسعار النفط في زيادة القدرة على تمويل المشاريع التنموية الكبرى مثل تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية والمشاريع اللوجستية وشبكات النقل والبنية الأساسية، حيث يساهم هذا النوع من الإنفاق في تحفيز النشاط الاقتصادي في قطاعات متعددة مثل البناء والخدمات والنقل، غير أن التجربة الدولية تشير إلى أن طريقة إدارة الطفرات النفطية لا تقل أهمية عن حجم الإيرادات نفسها، حيث نجحت بعض الدول في تحويل الطفرات النفطية إلى فرص لتعزيز التنويع الاقتصادي، بينما واجهت دول أخرى أزمات اقتصادية نتيجة الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية.
وتابع العبري بقوله : 'من أبرز الأمثلة الناجحة تجربة النرويج التي أنشأت أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم لاستثمار عائدات النفط، وتشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن هذه السياسات ساعدت الاقتصاد النرويجي على تقليل تأثير تقلبات أسعار النفط وتعزيز الاستقرار المالي طويل الأجل.
وأضاف: من منظور الاقتصاد السلوكي، فإن تصميم السياسات الاقتصادية بطريقة تقلل من التحيزات قصيرة الأجل في القرارات المالية يمثل عاملاً مهماً في إدارة عائدات الموارد الطبيعية، حيث يؤثر السلوك الجماعي والتوقعات المستقبلية في كيفية توظيف هذه العائدات.
اقتصاد متنوع
وأشار العبري إلى أن ارتفاع أسعار النفط بالنسبة إلى سلطنة عُمان يمثل فرصة مهمة لدعم عملية التحول الاقتصادي التي تقودها 'رؤية عُمان 2040'، ومن منظور السياسات العامة، فإن الفترات التي ترتفع فيها أسعار النفط تمثل نافذة زمنية مهمة لتسريع برامج التنويع الاقتصادي وتعزيز الاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل، بدلاً من توجيه معظم العائدات نحو الإنفاق الجاري قصير الأجل، حيث تعمل سلطنة عُمان على تطوير اقتصاد متنوع يعتمد على قطاعات متعددة مثل السياحة واللوجستيات والصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والاقتصاد المعرفي.
وأضاف العبري : 'من خلال توجيه العائدات النفطية نحو الاستثمار في هذه القطاعات يمكن لسلطنة عُمان تقليل تأثير تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل'.
ويرى العبري أن إدارة الموارد النفطية في المرحلة القادمة لا ينبغي أن تركز فقط على تحقيق الاستقرار المالي، وإنما يجب أن تشمل أيضاً تصميم سياسات اقتصادية تأخذ في الاعتبار السلوك الاقتصادي للأفراد والمؤسسات، مشيرا إلى أن أدوات الاقتصاد السلوكي يمكن أن تسهم في تحسين تصميم السياسات العامة وتعزيز كفاءة القرارات الاقتصادية، وهو ما قد يدعم مسار التحول الاقتصادي في سلطنة عُمان، وبذلك يصبح النفط رافعة استراتيجية يمكن استخدامها لتمويل التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة في سلطنة عُمان.
ويرى العبري أن تحليل أسواق النفط يحتاج إلى تجاوز التفسير الاقتصادي الكلاسيكي الذي يركز فقط على التوازن بين العرض والطلب، والانتقال إلى مقاربة أوسع تجمع بين اقتصاد الطاقة والاقتصاد السياسي والاقتصاد السلوكي، وبالنسبة إلى سلطنة عُمان، فإن إدراك هذا البعد الجيوسياسي والسلوكي لسوق النفط يمكن أن يساعد في تطوير سياسات اقتصادية أكثر مرونة، تقوم على استثمار فترات ارتفاع الأسعار في تسريع مسار التنويع الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي على المدى الطويل، لافتا إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في التعامل مع تقلبات أسعار النفط، وإنما في تحويل هذه التقلبات إلى فرصة استراتيجية لدعم التحول الاقتصادي الذي تسعى إليه 'رؤية عُمان 2040'.