النفط ولُعاب «الإمبريالية العارية»
السبت / 1 / شوال / 1447 هـ - 21:49 - السبت 21 مارس 2026 21:49
كل حروب الولايات المتحدة لم تجعل منها دولة مكروهة كما ينبغي حتى الآن. ويبدو كما لو أن هذه الإمبراطورية الاستثنائية قد فرضت نفسها على العصر إلى حد انفصال العاطفة تماما عن التأثير في مجريات الأمر الواقع، إذ يمكن القول: إن تاريخ العصر الأمريكي هو تاريخ بلا عاطفة، أو تاريخ ما بعد العاطفة (كطريقة أخرى للاعتراف بموت الإيديولوجيا، أو للقول بـ«نهاية التاريخ») حيث لم يعد من جدوى للتشدد في كراهية النموذج الأمريكي، بصورته المهيمنة منذ نهايات الحرب الباردة على الأقل. بل إن المبالغة في الكراهية العاجزة لأمريكا قد تضرُّ بأصحابها أنفسهم؛ وتلك إحدى معضلات العرب معها على رأي محمد حسنين هيكل. فالكراهية التي يمكنها أن تغذي جذوة المقاومة، قد تعكر في الوقت نفسه مناخ الحرية والتفكير الحر، وربما تقود إلى العطب السياسي الشامل.
كما أن الكراهية العاجزة لأمريكا لن تنتج سوى «الإرهاب»، والذي سيتفشى بين الكارهين أنفسهم أولًا مرتدًا عليهم، وذلك وفقًا لتصور الأمريكيين لعلاقتهم بالعالم وعلاقة العالم بهم، وهو ما يمكن تفسيره بمعنى أكثر صراحةً: إن كراهية أمريكا ضربٌ من الإرهاب! وبذلك لا تعود الولايات المتحدة في حاجة إلى أن تكون محبوبة ما دام بوسعها تجريم كراهيتها ومعاقبة الكارهين.
في هذه الأيام التي نتذكر فيها غزو العراق قبل ثلاثة وعشرين عاما، تستدير الولايات المتحدة ومعها إسرائيل إلى إيران، الدولة التي لم يشفع لها عداؤها الدامي لنظام البعث العراقي السابق من أن تُصنف أمريكيا في معسكر واحد معه، «محور الشر» كما أطلق عليه الرئيس الأمريكي الأسبق في مطلع الألفية. هذه الحرب الهجينة، حرب ترمب الإسرائيلية إن صح التعبير، تعيد إلى الأذهان المقولات التي شاعت عن أمريكا بعد عام 2003؛ من قبيل أنها تصبح بلدًا مكروهًا أكثر فأكثر، أو معزولًا أكثر فأكثر، والتي بقيت على مدى العقدين الماضيين ادعاءات مستهلكة وحالمة، بل ومشكوك فيها. ولكن ربما تكون وقاحة ترمب اختبارًا جديدًا لفعالية هذه المقولات وصدقها.
قبل الحملة العسكرية على إيران، أجمع الكثير من المؤرخين الأمريكيين بأن قرار غزو العراق عام 2003 كان أخطر قرارات السياسة الخارجية التي اتخذها رئيس أمريكي في القرن الواحد والعشرين. فإن لم يدرس ذلك الحدث كما يستحق فسيظل قابلا للتكرار تحت عناوين مغايرة وفي مناطق جديدة من العالم.
في مقاله الذي كتبه على مجلة «ذا أتلانتيك» تعليقًا على حدث اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، كتب الصحفي الأمريكي جورج باكر بأن ريتشارد هاس، أحد كبار مسؤولي السياسة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، كان قد اعترف له قبل عشرين عامًا بأنه «سيذهب إلى قبره دون أن يعرف لماذا غزت الولايات المتحدة العراق»! ولكن رغم صفاقة الادعاءات الكاذبة لغزو العراق، لم تذهب الإدارة الأمريكية حينها إلى الحرب إلا بعد أن حشدت لها دبلوماسيًا في مجلس الأمن وساقت من أجلها التبريرات الأخلاقية عبر خطاب مدجج بالقيم الليبرالية. صحيح أن بوش «كان متعجرفًا ومتهورًا وساذجًا، لكنه كان يؤمن برسالة أمريكية إلى حد دفعه لشن حرب حمقاء باسمها» كما وصفه جورج باكر.
وصحيح أن القوات الغازية حين دخلت إلى بغداد هرعت فورًا إلى مبنى وزارة النفط العراقية لحراسته، تاركةً سائر الوزارات والدوائر المدنية والمتحف الوطني ومكتبة المخطوطات عرضةً للنهب والفوضى، إلا أن الأمريكان تمتعوا آنذاك بالحد الأدنى من اللباقة للقول بأنهم جاؤوا إلى أرض الكتابة كي يخرجوا الناس من ظلمات البربرية إلى نور الحضارة، لا لسرقة النفط طبعًا. وهذا ما لا يتقنه ترمب، والذي كلما ذُكر العراق على مسمعيه ذكَّر العراقيين بأنهم ينامون فوق بحار من النفط لا يعرفون ماذا يصنعون بها. واقع الأمر أن الرجل ومنذ حملته الانتخابية الأولى كان ينادي بأن نفط العراق «غنيمة حرب يستحقها المنتصر» بدلًا من أن يستفيد منه «داعش» أو إيران، وأن الاستيلاء على النفط العراقي يعد بمثابة تعويض عن الخدمات التي قدمتها الولايات المتحدة للشرق الأوسط على مدى السنوات الماضية.
في كتابه «حرب الخليج.. أو الاستعارات التي تقتل» درس جورج لايكوف، عالم اللسانيات الأمريكي، الترسانة الاستعارية التي خاضت بها الولايات المتحدة حربها على العراق في حقول اللغة قبل أن تخوضها بالنار. وأتساءل انطلاقًا من كتاب لايكوف: ما الذي يمكن قوله عن أمريكا الجديدة في عهد ترمب، صاحب مدرسة الإمبريالية العارية، والذي لا يمثل صعوده موتًا لاستعارة فحسب، بما هي نوع من الكذب المُقنَّع، وإنما موتًا للغة بأسرها على مذبح الصراحة الوقحة: «إنها صراحة تجعلني أحنّ إلى النفاق الأمريكي القديم» كما كتب جورج باكر.
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني