هالة فؤاد والغواية «التوحيدية»
السبت / 1 / شوال / 1447 هـ - 21:46 - السبت 21 مارس 2026 21:46
إيهاب الملاح -
(1)
عشرون عامًا أو يزيد أنفقتها الراحلة الكريمة الدكتورة هالة أحمد فؤاد أستاذة الفلسفة والتصوف بكلية الآداب جامعة القاهرة (رحلت عنا الأسبوع الماضي) في إنجازها كتابيها الكبيرين المهمين حول أبي حيان التوحيدي وحيد عصره ومثقف زمنه المتألم الشاكي الباكي الحارق كتبه المناجي ربه في «إشاراته»..
رحلت الأستاذة الدكتورة هالة فؤاد (أرملة الناقد والأكاديمي الراحل الدكتور جابر عصفور) بعد صراع مرير مع المرض العضال، وهي التي كرست حياتها وعمرها لدراسة التراث وقراءته وفهمه؛ وتحديدا أو في القلب منه التراث الفلسفي والصوفي، وخصت أبا حيان التوحيدي بما يزيد على ربع القرن في قراءته ودراسته وتحليل نصوصه حتى خرجت على جمهور الفلسفة والتصوف وتحليل الخطاب والدراسات الثقافية بما يمكن اعتباره أكبر جهد معرفي تم إنجازه في نصف القرن الأخير حول مشروع أبي حيان التوحيدي وفكره ونصوصه؛ اغترابه وأزماته الوجودية وقلقه المعرفي، وحداثته المهمشة.. إلخ.
وكأن الدكتورة هالة فؤاد استسلمت لأمثولة «الغواية التوحيدية» ووقعت في حبائلها لكن بيقظة تامة ووعي منتبه وقارئة مسلحة بأدوات إجرائية تؤطرها رؤية منهجية نظرية عميقة رسختها وصاغتها طوال ما يقرب من عشرين عاما كاملة قبل أن تتفرغ لقراءة النص التوحيدي وتأويله في عمليها المرجعيين الكبيرين اللذين لا نظير لهما في الثقافة العربية (فيما أعلم)..
الكتاب الأول الذي أدارته الراحلة الدكتورة هالة فؤاد حول التوحيدي كان بعنوان: «المثقف بين سندان السلطة ومطرقة العامة - نموذج أبي حيان التوحيدي» (صدر عام 2015 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، فيما يقرب من 600 صفحة من القطع الكبير).
أما الثاني؛ فكان بعنوان «التوحيدي - الغفلة والانتباه» (صدر عن دار المدى ببيروت في 1068 صفحة من القطع الكبير).
وهما بمثابة جزأين متصلين منفصلين يقعان معًا فيما يزيد على الـ1600 صفحة، ويقدمان معا قراءة تأويلية منتجة وطموحا لنصوص التوحيدي الدنيوية والروحية (إن جاز الوصف)، وتنطلق من طرح سؤال افتراضي: كيف يمكن أن نؤسس «سيرة فلسفية» لوعي التوحيدي، وكيف نعثر على أو نستخلص بنية عميقة لهذا المثقف المغترب، وما علاقة الذات والمطلقة وما علاقة الشبه؟
وخلال هذه الرحلة تحاول أن تستخلص رؤيته للعالم وفلسفته الصوفية من التحليل العميق لنصوصه الباذخة خاصة في الإشارات الإلهية والبصائر والمصائر والمقابسات ومثالب الوزيرين.. إلخ.
(2)
أعود بذاكرتي إلى واحد وثلاثين عاما مضت، عام 1995؛ حيث أقيمت بالقاهرة فعاليات ثقافية ضخمة احتفالا بألفية أبي حيان التوحيدي، وقتها كان الراحل الكريم الدكتور جابر عصفور أمينا للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، وكان في كامل لياقته الذهنية والفكرية، قمة النشاط والجهد والتنظيم، وكان أيضا رئيس تحرير مجلة (فصول) النقدية.
بفضل النشاط الواسع الذي نظمه عصفور، وأشرف عليه طيلة هذا العام، أتيح لعدد كبير من الناشئة والشباب (كنتُ منهم آنذاك) التعرف على اسم أبي حيان التوحيدي، مثقف القرن الرابع الهجري، ومطالعة كتبه وأعماله، وخلال العام بكامله وعبر العديد من اللقاءات والندوات تم إلقاء أضواء كاشفة على «التوحيدي»؛ التعريف به، سيرته ومؤلفاته، موقعه من تاريخ الثقافة العربية، الإشكاليات التي أثارتها كتبه.. إلخ. بالجملة يمكن القول إن أعمال هذا المؤتمر قد أعادت موضعة، بل تأسيس مكانة جديدة للتوحيدي وحضوره في الثقافة العربية؛ ما زال أثرها وفعاليتها ساريا وباقيا حتى لحظة كتابة هذه السطور.
أذكر أن الأبحاث والدراسات التي دارت حول التوحيدي في المؤتمر الذي انعقد باسمه في المجلس الأعلى للثقافة، جمعت في ثلاثة أعداد ممتازة من مجلة (فصول) الرصينة التي كان يترأس تحريرها جابر عصفور، كما خصصت مجلة (الهلال) الشهرية العريقة عددا مهما عن هذا الحدث الكبير، وتابعت الصحف المصرية والعربية وكتبت عشرات المقالات عن التوحيدي، الذي تم إحياؤه وبعثه من جديد بعد ألف عام من وفاته..
في واحد من حواراتها تحدثت الدكتورة هالة عن أن فكرة تخصيص كتاب كامل للتوحيدي (صار كتابين) تولدت لديها بعد أن كان مقالا قصيرا أُلقي في القاهرة خلال الاحتفال بألفية التوحيدي (1995)، وعلى إثرها طلب منها الناشر فخري كريم أن تقوم بتطوير هذه «المقالة» الموجزة إلى كتاب ينشره بالدار، وكان يسألها كلما رآها عن الكتاب، وكانت تقول له ردا على سؤاله بعد شهر سيكون جاهزًا!
ظلت هالة فؤاد تعكف على كتابها هذا، وتغنيه وتخصبه بمزيد من القراءات والمراجعات حتى انقسم على ذاته وصار كتابين كبيرين ضخمين؛ صدر أولهما في 2015، والثاني في 2016 كما بينا أعلاه؛ أي بعد عشرين عاما كاملة من كتابتها لتلك المقالة/ النواة. تقول الدكتورة هالة فؤاد عن تلك الحالة العجيبة من المعايشة والاغتراب، والاستغراق والانقطاع، والاندماج «المعرفي» والانفصال، إن جاز الوصف:
«كنت أكتب بشكل متقطع واستمرت فترة الكتابة لمدة 20 عاما وأحيانًا أشعر بأنني وصلت للورطة كما أشعر أني غريبة عن هذا العمل لكن لديّ مشاعر تجاهه بسبب طول المدة التي استغرقتها في الكتابة، مضيفة: ركزت على نص «الإشارات الإلهية»، كما واستفزني البعض في الحديث أن عددا من النصوص التي استشهدت بها هي ليست لهذا العالم».
(3)
أما لماذا أبو حيان التوحيدي؟ وكيف وقعت في حبائل الغواية التوحيدية وصرف الجهد إلى قراءة ما كتب ودراسة ما كتب حوله منذ اللحظة التي تأسس فيها حضوره وحتى الآن؟ تجيب هالة فؤاد:
تقول هالة فؤاد في تقديمها للكتاب:
«أصابتني نصوص التوحيدي بفتنتها المغوية ونزقها العميق، واستدرجني زخم التناصات الثقافية المتباينة والثرية.. نصوص التوحيدي متعددة المستويات شديدة التعقيد والعمق رغم ما قد يتبدى أحيانا من ظاهرها السهل السلس. بل يمكننا القول إنها نصوص إشكالية ومركبة، بل مرهقة للقارئ لأنها تستدعي إلمامًا معرفيا وثقافيا واسعًا عميقًا بشبكة العلاقات النصية بكافة مستوياتها، وتاريخيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وعقيديا.. إلخ».
تضيف أيضا أن نصوص «التوحيدي» تفتحنا على العديد من النصوص الأخرى المهمة في الحقول المعرفية المختلفة المهيمنة في زمن التوحيدي أو الهامشية على حد سواء، ناهيك عن تحاور نصوص التوحيدي جدليا لا مع نصوص معاصريها فحسب، بل مع التراث الثقافي السابق عليها أيضًا في مجالات متنوعة.
بل يمكننا القول: إن هذه النصوص انطوت في أعماقها على إرهاصات مبدئية وبذور جنينية لما تبلور فيما بعد من إشكاليات، تطورت ونضجت تدريجيًا فيما تلا من نصوص، خصوصًا في مجال التصوف والفلسفة ذات الطابع الصوفي إذا صح التعبير، ناهيك عن المساهمة الإبداعية الخلاقة في مجالات اللغة والبلاغة والأدب والتأليف الإبداعي، وغيرها من المجالات كالآداب السلطانية، على سبيل المثال لا الحصر.
(4)
لقد بنت الدكتورة هالة فؤاد مشروعها القرائي التأويلي الطموح لنصوص التوحيدي؛ على اقتناص مأزق التوحيدي المعرفي والوجودي؛ ذلك المثقف «المهمش» المغترب القلق المتمرد في القرن الرابع الهجري.
إن مأزق التوحيدي، كما رأته هالة فؤاد في كتابها، يكمن في أنه كان «حداثيا»، ربما أكثر مما يحتمل بعض الباحثين المعاصرين.. إن أبا حيان كان نمطا فريدا من المبدعين والمثقفين من أبناء الحضارة العربية الإسلامية في القرن الرابع الهجري، لا يخضع للتصنيف الجامد الذي يختزل الثراء في صفة واحدة البعد؛ كالموسوعية أو التصوف أو الاغتراب.. إلخ.
ذلك أنه، أي التوحيدي، كان تجسيدًا لافتا للوعي المديني الذي من لوازمه الشك في التقاليد الجامدة والأوضاع الثابتة والقوالب المتحجرة، وإثارة السؤال الدائم؛ حيث الأفق المعرفي النسبي المفتوح دومًا للتعددية والاختلاف الثريين، والتسامح، كفضاء المدينة متعددة الأعراق والأجناس، واللغات والديانات والمذاهب والعلاقات.. إلخ، تفصيل ذلك وتحليله نراه تفصيلا عبر صفحات الكتابين معا.