العيد هدية من ربنا الخلاق
الجمعة / 30 / رمضان / 1447 هـ - 20:24 - الجمعة 20 مارس 2026 20:24
العيد مناسبة دينية عظيمة فيها الكثير من منابع الخير وإصلاح ذات البين. والسعادة الحقيقية هي عندما تتصافح القلوب وتصفى من كل ما فيها من شوائب وخلافات، وتقبل على الله بقلوب صالحة نقية لا يخالطها شيء سوى تقواه ومخافة عذابه وغضبه.
العيد يأتي ليفتح الناس أبواب قلوبهم ليعم الفرح والبهجة والراحة والسكينة. فما أجمله من إحساس إنساني! والعيد يقربنا من بعضنا البعض، فيه نحس بمن حولنا من المحرومين سواء كانوا أطفالًا أو نساءً أو رجالًا، يجمعهم الحاجة والعوز، لكنهم متعففون عن مد أيديهم للناس، فيجاهدهم صبرهم على أقدارهم محتسبين الأجر والثواب من عنده سبحانه، سالين الله أن يفرج عنهم كرباتهم وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون.
هناك أطفال يستقبلون العيد وليس بمقدور ذويهم توفير كسوة العيد لهم، أو بعض من الألعاب المسلية التي يلهو بها الأطفال. وبالمقابل، هناك نساء يطرزن من ثوب النصب رداءً لهن حتى لا يسألن الناس فيمنعوا عنهن العطاء. وأب يكافح ليل نهار حتى لا تقتله دمعة أو كلمة أو تخنقه العبرة عندما ينظر إلى عيون أطفاله المحرومين فلا يستطيع إسعادهم.
هناك في هذا العالم مشاهد لا تُشترى بثمن، لكنها والله تحتاج إلى وقفات مجتمعية صادقة ومخلصة لوجه الكريم.
يقول الروائي والقاص الأردني قاسم توفيق: 'لا زلت إلى اليوم، أرى العيد محاولة للتخيّل والحلم بأن يأتي علينا زمان، يكون أجمل'.
لهذا، يُعتبر العيد بمثابة فرصة عظيمة لتخفيف معاناة الفقراء والمحتاجين، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: 'أغنوهم في هذا اليوم'. ففي هذا اليوم العظيم، تتحقق حكمة ربانية عبر إخراج زكاة الفطر في شهر رمضان، وفي نحر الأضاحي في عيد الأضحى. تلك التشريعات تهدف إلى أن تشمل الفرحة بالعيد كافة شرائح المجتمع، فتصل حتى أولئك الذين يعانون من الفقر والحاجة. ويُضاف إلى ذلك أن لهذه الشعائر معنى روحيًا عميقًا، حيث تطهر الصائم من الذنوب، وتكمل نقصه، كما أنها تساهم في معالجة مشكلات الفقر، وتسهم في سد حاجة المحتاجين.
إن تكافلنا الاجتماعي هو ضرورة لا غنى عنها لمساعدة الآخرين، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الحاجة. هذا ليس تفضُّلًا منا عليهم، بل هو الواجب الديني والإنساني الذي أمرنا الله به. الله عز وجل يأمرنا بأن نمد أيدينا، وأن ننفق من فضله ونعمه التي لا تُعدّ ولا تحصى. قال ابن رجب رحمه الله: 'ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد... ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب'. هذه الكلمات تذكير لنا بأن العيد ليس مجرد مناسبة لشراء الملابس والتفاخر، بل هو فرصة لتجديد التوبة ورفع العمل الصالح.
السعادة الحقيقية تجدها عندما نرسم الفرح على وجوه الآخرين، ونعيد لهم ابتسامتهم المفقودة التي كانت غائبة تحت وطأة الهموم. السعادة هي تلك الطاقة الخفية التي تمنحنا القدرة على مواجهة الصعاب عندما نواجه التحديات الحياتية. نشتري أنفسنا من خلال العطاء، وعندما نقدم الخير للآخرين، نحن في الحقيقة نبحث عن رضا الله، وهو ما ينير لنا الطريق نحو السعادة الحقيقية.
الروائية مريم الغفلي قالت في هذا السياق قولًا صادقًا وعميقًا: 'العيد ليس اسمًا أو مناسبة سنوية وحسب، بل هو جذور راسخة في المخيلة للفرح والسعادة'. إنها دعوة لتجديد الفرح في القلوب، وجعل العيد أكثر من مجرد تقليد، بل تجربة إيمانية تشبع الروح بالأمل والحب.
إذا أردت أن تختبر السعادة الحقيقية في ذاتك، فكل باحث عن معنى السعادة سيخبرك أن اللذة الحقيقية تأتي حين تنزل أول دمعة من خشية الله، وأنت قائم تصلي أو تتلو آيات الله، أو وأنت صائم، ترجو رحمته سبحانه، وتبحث عن القبول من عنده. تلك هي السعادة التي لا يُقاس لها مقياس في هذه الدنيا، لأنها سعادة القلوب الطاهرة التي تشعر بعلاقة خاصة مع خالقها.
إن الخوف من الله هو الذي يهذب نفوسنا ويصلح شؤون دنيانا، ويخلصنا من بؤر الأنانية وحب الذات وفعل المنكرات. إنه يدفعنا نحو العمل الصالح، رغبة في نيل رضا رب العالمين ورحمته يوم يقوم الناس للحساب. هذا الخوف لا يكون رعبًا، بل هو خوفٌ يحفزنا للعمل بكل صدق وإخلاص في سبيل الله، ويجعلنا نعيش حياة مليئة بالسلام الداخلي والطهارة الروحية.