العرب والعالم

فلسطين.. العيد يحل مجللاً بالدموع في منازل الشهداء

 

رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
يقبض الفلسطينيون على شيء من الفرح، وهم يستقبلون العيد، علهم يجدون فيه ملاذات آمنة، للتخفيف من وطأة العدوان الإسرائيلي عليهم، والممتد من رفح إلى جنين.
ضنك الحياة، يظهر على استعدادات الفلسطينيين للعيد، بعد أن مرّ عليهم شهر رمضان هذا العام في ظروف قاسية، بسبب إعادة احتلال مدن الضفة الغربية، واستمرار المواجهات وسقوط الشهداء والجرحى في الأرياف الفلسطينية، والعدوان الذي لم يتوقف على قطاع غزة.


كل لوازم العيد تبدو متوفرة في أسواق مدن الضفة الغربية، لكن الإمكانيات لشرائها تكاد تكون معدومة في جيب المواطن، وحتى تبادل التهاني بـ'كل عام وأنتم بخير' يرددها الفلسطينيون بنبرة يكتمون بها ألماً وحسرةً ومعاناة.
في قطاع غزة، سيل من رجال ونساء وأطفال، يتدفقون على الأسواق، ويجوبون بين البسطات بأيد خالية وجيوب خاوية، وربما يعود بعضهم بما قلّ سعره وخفّ حمله لإدخال الفرحة على أطفالهم، فـ'العين بصيرة واليد قصيرة' كما يقولون، أما في الضفة الغربية، فارتفاع نسبة الفقر والبطالة، والظروف الاقتصادية الصعبة، وتأخر رواتب الموظفين، ألقت بظلالها على استعدادات العيد.


وفي اليوم الأخير من شهر رمضان، يرتفع صوت الآذان عند الإفطار، لترتفع معه تنهيدات الأمهات والأبناء تحسراً على فقدان عزيز، اعتاد على مشاركتهم في هذه المناسبة، ولا تبدو فرصة العيد أقل قسوة من شهر رمضان، الذي قضاه الفلسطينيون على وقع غارات جوية، وأصوات قذائف نابت عن المسحراتي في غزة، ومداهمات واعتقالات وتشييع شهداء في الضفة الغربية.


طمّون تتوجّع


وجه آخر للعيد، يعيشه أهالي بلدة طمون جنوب مدينة طوباس شمال الضفة الغربية، التي ما زالت تعيش الحزن والألم على شهداء المجزرة الرهيبة التي ارتبكتها جيش الاحتلال بحق عائلة بني عودة، بينما كانت تتجهز للعيد.
إذ بينما قفلت العائلة عائدة إلى منزلها في طمون، بعد شراء ملابس العيد، فاجأتها قوة من جيش الاحتلال، وأمطرتها بالرصاص القاتل دون سابق إنذار، فاستشهد ألأب علي بني عودة، والأم وعد بني عودة، والطفلان محمـد وعثمان، بينما كتبت الحياة لمصطفى وخالد، رغم ما أصابهما من جراح.


ما حدث مع عائلة بني عودة، لا يمكن وصفه، فاللحظات السعيدة القصيرة، التي استرقتها العائلة، تحولت إلى حزن وألم، بينما تحولت ملابس العيد إلى أكفان، وصمتت ضحكات الفرح والابتهاج بالعيد إلى الأبد.
ومن المؤكد أن قناص الاحتلال، الذي اتخذ من مدخل بلدة طمون موقعاً للقتل، لا يعرف ماذا تعني تلك الرصاصات التي أطلقها من بندقيته، من عودة مفجعة لعائلة بني عودة إلى بلدتهم، وكم هو كبير الألم الذي خلّفته رصاصات الحقد تلك، وفاضت به بلدة طمون، وقلوب الفلسطينيين عشية العيد.


ولا يرى القناص المفتوحة شهيته للقتل، وعاش في تلك الليلة الحزينة ربيع مهنته، في ضحاياه الأربعة من عائلة بني عودة سوى أرقاماً حسابية باردة، تزداد كلما كان أكثر 'إخلاصاً' لوظيفته التي لم يتلق في تعلمها أي درس إنساني، حول ما تفضي إليه تلك الأسطوانة الفولاذية الصغيرة، حين تقذفها بندقيته، صوب عائلة آمنة فرحة، وقعت في مرمى سلاحه.


حلوى العيد للشهداء
وقد يقاس الحزن الذي يخلفه جيش الكيان المدجج بالإجرام، بكل شيء بشري عدا الأرقام، التي لا يمكن أن تعني شيئاً لأهالي بلدة طمون، الذين لفهم حزن نبيل وألم عميق، عندما لم يجدوا أحداً للثياب الجميلة، التي اشتراها محمـد وعثمان بني عودة، لتنغرس غصة ووجعاً في قلوبهم.


وربما حاول مصطفى وخالد الالتصاق بحضن الوالدة، للنجاة من رصاص قناص الاحتلال، لكن 'وعد' لم تحمهما من الموت، كما يصف مصطفى المشهد: 'تفاجأنا بجنود الاحتلال يطلقون النار علينا بكثافة، وحاولت أمي إنقاذنا، وكانت تصرخ على الجنود (كفى.. كفى) لكنها سكتت فجأة'.. ربما لأن الرصاص لم يكن يميّز بين الأم أو الأب أو الأطفال، وكان ينال من كل من في المركبة، وربما كان الرصاص الغادر أسرع من كلماتها، فما أن أكملت عبارات الاستغاثة حتى لفظت أنفاسها، لتتزين الجدران والشوارع في بلدة طمون بصور لشهداء عائلة بني عودة، التصقت بصور من سبقوهم من أبناء البلدة، وتعانقت مع صور شهداء آخرين، وأسرى يحلمون بالحرية.


ما بين رصاصة وأختها، وجنازة شهيد وأخرى، تتوارى مظاهر العيد في عموم الأراضي الفلسطينية، تحل خائفة ومرتبكة، إذ لوعة فقد الشهداء تتسيد الموقف، والعيد يحل مجللاً بالحزن والألم، ويأتي مغمساً بمرارة وحشية الاحتلال وإجرامه.
ولن تفلح بالونات العيد في إعادة الحياة إلى مسارها في بلدة طمون، وغيرها من القرى والبلدات الفلسطينية، فالمشهد يتكرر في منازل الشهداء في قرى أبو فلاح وسنجل وقريوت وقصرة وعينابوس ويطا والظاهرية، والمشهد ذاته في جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون في قطاع غزة.


وربما كان سامي فقهاء من بلدة سنجل، وهو صاحب محل للحلويات في مدينة رام الله، يعد الحلوى لبيعها للزبائن، قبل أن يسقط ابنه سليم شهيداً، لكن من المؤكد أنه سيقدمها لأصدقاء سليم، الذي رحل عشية العيد، لأنه أراد أن لا تفوته مواقف الرجولة والشرف، وهو يدافع عن بلدته، التي غزاها غربان العصر من المستوطنين المنفلتين.