العرب والعالم

أرتورو ساروخان: استخدام أمريكا للقوة ضد عصابات المخدرات في المكسيك يتزايد بشدة

 

واشنطن 'د. ب. أ': على مدى عقود مضت سعت المكسيك عبر مختلف القنوات الرسمية وغير الرسمية لإقناع الولايات المتحدة بأنها تبذل أقصى ما يمكن لمواجهة عصابات تهريب المخدرات إلى الأراضي الأمريكية. وخلال تلك الفترة، تفهم صانعو السياسة الأمريكيون مستويات عالية من عنف عصابات المخدرات المكسيكية لاعتقادهم أن نظراءهم المكسيكيين يخوضون المعركة نفسها.


وكان تركيز الجانب الأمريكي في ذلك الوقت ينصب بصورة أكبر على الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية للمكسيك على حل المشكلات الهيكلية التي تؤدي إلى تزايد أعمال العنف، أكثر من تركيزهم على عدد كبار زعماء العصابات الذين تم القبض عليهم أو كميات المخدرات التي تمت مصادرتها.


وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال أرتورو ساروخان سفير المكسيك سابقا لدى الولايات المتحدة واستشاري العلاقات الدولية حاليا، إنه وزملاءه في الخارجية المكسيكية كانوا يدركون في تلك الفترة أن أخطر لحظة في العلاقات الأمنية الأمريكية المكسيكية لن تأتي بسبب تصاعد العنف، بل عندما تستنتج واشنطن أن المكسيك لا تستطيع أو لا ترغب في حل مشكلة تهريب المخدرات وعصابات الجريمة المنظمة بشروطها الخاصة، إذا ما رأت أن مكسيكو سيتي قد أبرمت اتفاقا منفردا مع عصابات المخدرات، سواء بالتسامح معها ضمنيا أو بالتفاوض معها مباشرة. في هذه اللحظة سيتحول منطق العلاقة الثنائية من التعاون إلى الإكراه.


ويقول ساروخان إن هذه اللحظة حانت الآن، بشكل درامي وبعد فترة طويلة من الترقب. فعلى مدى ست سنوات، تعامل الرئيس المكسيكي السابق أندريس مانويل لوبيز أوبرادور مع عصابات الجريمة المنظمة بشعار 'السلام لا الرصاص'، والذي وصفه الدبلوماسي المكسيكي بشكل أدق بأنه 'سلام مع المجرمين'. وأدت هذه السياسة إلى حالة من التسامح الفعلي مع المخدرات، والتي باتت اليوم تثقل كاهل خليفته، الرئيسة كلوديا شينباوم، لتدخل العلاقات الأمريكية المكسيكية في مرحلة شديدة الخطورة خاصة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير من العام الماضي.


وفي نوفمبر الماضي قال ترامب: 'هل سأشن ضربات في المكسيك لوقف المخدرات؟ لا مانع لدي، سنفعل كل ما يلزم لوقف المخدرات'. وكرر ، في مناسبات عديدة، القول إن عصابات المخدرات، وليس شينباوم، هي التي 'تدير' المكسيك، وقام بإجراءات أحادية الجانب للتعامل مع المشكلة مثل فرض العقوبات وتصنيف عصابات المخدرات المكسيكية كمنظمات إرهابية أجنبية.
وتفسر هذه الأحداث قرار شينباوم بملاحقة قيادة أقوى وأعنف منظمة إجرامية عابرة للحدود في المكسيك، وربما في نصف الكرة الأرضية بأكمله. ففي أواخر فبراير نفذت الحكومة المكسيكية عملية أسفرت عن مقتل تاجر المخدرات نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس، المعروف باسم 'إل مينشو'.


وشكل هذا الإنجاز دليلا قاطعا على قدرة المكسيك على التحرك بحزم ضد جماعات الجريمة المنظمة القوية. لكن تداعيات العملية أظهرت أيضا الطريق الطويل الذي لا يزال أمام البلاد للتخلص من خطر عصابات المخدرات، حيث ردت عصابة خاليسكو للجيل الجديد على مقتل زعيمها، بتفجير موجة عنف في نحو 12 ولاية مكسيكية، تضمنت إحراق سيارات، وإغلاق طرق سريعة، وحوادث إطلاق نار في مطار جوادالاخارا الدولي.


ويقول الدبلوماسي المكسيكي ساروخان إن هذه اللحظة بالغة الخطورة، لأنه بمجرد أن تنظر الولايات المتحدة إلى المكسيك ليس كشريك مكافح، بل كشريك مكره على التحرك، فلا يمكن ضمان نجاح أي تحرك يستند إلى الافتراض السابق بحسن النية. لكن أفضل حجة للمكسيك ضد الأحادية الأمريكية هي أن التعاون يحقق نتائج أفضل من الإكراه. وتقديم هذه الحجة هو الجزء الأسهل، أما المهمة الأصعب فهي إثبات صحتها، من خلال انخفاضات ملموسة في عنف العصابات وتحسن سيادة القانون والعدالة والديمقراطية. لكن كل إخفاق على هذه الجبهات لن يحرج المكسيك ويضعف موقفها الدبلوماسي تجاه الولايات المتحدة فحسب، بل يعطي واشنطن أيضا مبررا لتجاوز المؤسسات المكسيكية في حربها ضد المنظمات الإجرامية العابرة للحدود. بعبارة أخرى، فإن الحجة لا تكون قوية إلا بقدر النتائج التي تدعمها.


ويجب على المكسيك أن تثبت، من خلال إظهار قدرتها على توفير الأمن وبناء تحالفات إقليمية ودولية، أن سيادتها ليست عائقا أمام حل مشكلة العصابات، بل هي شرط أساسي لحلها بشكل مستدام. وعلى الرغم من أن استخدام الولايات المتحدة للقوة من جانب واحد ضد عصابات المخدرات في المكسيك ليس أمرا حتميا، إلا أنه يجب على المكسيك أن تستعد لاحتمال حدوث ذلك، حتى مع إبقاء الباب مفتوحا أمام استمرار التعاون الأمني.


قد يكون تصوير الضغط الأمريكي على المكسيك على أنه استعمار أو انتهاك للسيادة مرضيا من الناحية القومية للمكسيكيين، وخاصة قاعدة شينباوم اليسارية، ولكنه ليس بديلا عن الاستراتيجية المطلوبة للتعامل مع هذه القضية. ولا شك أن إدارة ترامب قد قلبت رأسا على عقب أحد المبادئ الأساسية للعلاقة الأمريكية المكسيكية، وهو أن المسؤولية المشتركة هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات العابرة للحدود مثل أمن الحدود، والجريمة المنظمة، والهجرة، وندرة موارد المياه.


لكن ما تتجاهله أو تقلل من شأنه الأصوات المتشددة في واشنطن بشأن العمل العسكري الأمريكي الأحادي الجانب، هو أن مثل هذا التدخل على الأراضي المكسيكية ستكون له نتائج عكسية كارثية على الأمن القومي الأمريكي نفسه. إذ سيؤدي إلى انهيار اتفاقيات تبادل المعلومات الاستخباراتية الثنائية التي تعرقل عمليات عصابات المخدرات، ويزيد معارضة الرأي العام المكسيكي للتعاون مع واشنطن، ويزعزع بنية التكامل في أمريكا الشمالية، ويعزز المشاعر المعادية للولايات المتحدة في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية، ويوفر للصين وروسيا مكاسب دعائية سهلة، ومن المرجح أن يدفع عصابات المخدرات إلى إعادة هيكلة نفسها بطرق تجعلها أكثر انتشارا ومرونة.


أخيرا يقول السفير المكسيكي أرتورو ساروخان في تحليله إن خطر استخدام الولايات المتحدة للقوة من جانب الواحد ضد عصابات المخدرات على أرض المكسيك حقيقي وجاد. وهذا الأمر يستحق ردا يليق بخطورته، ردا قانونيا معدا بعناية، ودبلوماسيا متقنا، ومستندا إلى حقيقة راسخة مفادها أن التعاون الثنائي الذي يحترم سيادة المكسيك أكثر فاعلية من استخدام القوة من جانب واحد، مع قيام المكسيك الآن وليس فيما بعد، بما عليها لإثبات هذه الحقيقة بشكل قاطع.