بريد القراء

أنوار العيد المضيئة.. أبهجي قلوبنا بالسعادة

 

تحتفل الأمة العربية والإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها اليوم بعيد الفطر المبارك، هذا الحدث الذي يأتي مباشرة بعد انقضاء شهر الصوم والعبادة والطاعة، والذي نسأل الله عز وجل أن يتقبل منا جميعًا صالحات أعمالنا فيه، وأن يعيد شهر رمضان ونحن بخير، ووطننا الغالي يرفل بثوب العزة والكرامة والازدهار.
قال الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبة عيد الفطر: 'أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبّل منكم'.


تعد الأعياد باختلاف مناسباتها إحدى أهم مكونات السعادة النفسية، فهي المرآة التي تعكس حبور النفس وإحساس الفرح والبهجة في أجساد وعيون وقلوب أبناء المجتمعات المسلمة على اختلاف أجناسها، وتباعدها الجغرافي، وتنوع فنونها وآدابها وعاداتها وتقاليدها الراسخة منذ القدم.


ولعل طقوس الأعياد الدينية على اختلاف زمانها ومكانها شكّلت جزءًا مهمًا من تاريخ الأمة الإسلامية على مر العصور والأزمان، فهي التي أعطتها طابعها وهويتها وأهميتها في النفوس، حتى أصبح العيد ليس يومًا عاديًا يحتفل بقدومه المسلمون، بل حدثًا ينتظره الناس بشغف قبل حلوله، حتى مع تطور الحياة الحديثة ودخولها عصر الانفتاح التكنولوجي، وانشغال الناس بأمور أخرى بعيدًا عن ماضيهم.


وعيد الفطر له معنى في كتب التاريخ، فقد قال ابن الأعرابي: 'سُمّي العيد عيدًا لأنه يعود كل سنة بفرحٍ مجدد، وعيد الفطر سُمّي كذلك لأن المسلمين يفطرون فيه بعد صيام شهر رمضان'.
أما ابن عابدين الدمشقي فله رأي آخر، فيقول: 'سُمّي العيد بهذا الاسم لأن لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغير ذلك، ولأن العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالبًا بسبب ذلك'.


وشكّل عيد الفطر عبر التاريخ إحدى المحطات التي تبرز فيها ثقافة الوطن والمواطن، وبقاء بعض العادات راسخة في أذهان الناس، سواء من حرصهم المسبق على الاستعداد لاستقباله وتحضيرهم لمستلزماته الضرورية، وأيضًا مقدار الفرحة الغامرة التي تملأ قلوب الصغار والكبار بقدوم أيامه ولياليه المضيئة. إضافة إلى قيمته الاجتماعية باعتباره جسرًا من جسور التواصل الاجتماعي مثل صلة الرحم والتواصل مع الآخرين وزيارة الأقارب، وتعزيز مفاهيم التراث القديم وإحياء جمالياته في مثل هذه المناسبات الدينية، والالتزام بالتقاليد المتعارف عليها منذ عقود بحسب الحدود الجغرافية للمناطق المختلفة، وما تتميز به منطقة دون أخرى في طريقة احتفائها بهذه المناسبة العظيمة.


أقتبس قولًا جميلًا استوقفني من كلام الكاتبة السعودية هناء حجازي التي استرشدت بقول غادة السمان عندما تقول في روايتها 'ليل الغرباء':
'العيد مستمر، العيد يبقى، والأطفال فقط يتبدلون، فحالة العيد، البهجة، الفرح الذي يشع من عيون الأطفال، حالة خاصة بالأطفال. نتذكر نحن العيد بحنين، نتذكر الفرح ونقول: ليت تلك الأيام تعود، وهي لا تعود. نحن كبرنا، العيد لم يتغير، نحن تغيرنا. العيد للأطفال، سيتذكرونه يومًا حين يكبرون، بنفس الحنين، ويعيدون نفس العبارة، والعيد هو العيد'.


وفي مثل هذا اليوم الأغر يستقبل الناس عيد الفطر السعيد بالثياب الجديدة، وينطلق الرجال نحو المصلى لأداء صلاة العيد، بينما تنشغل النساء بإعداد الأطعمة المفضلة والمتعارف عليها في هذه المناسبة السعيدة. ومن ثم يحرص الناس على زيارة الأقرباء والأرحام خلال فترة العيد، كما تحرص بعض العائلات على الخروج إلى الحدائق العامة والمتنزهات وارتياد الأماكن العامة لتلبية رغبات أطفالهم والاحتفال بأجواء العيد بعيدًا عن زحام الحياة وانشغالاتها التي لا تنتهي.


وما أن يأتي العيد حتى يستحضرنا قول الشاعر أبو الطيب المتنبي:
عيدٌ بأيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديدُ
أما الأحبةُ فالبيداءُ دونهمُ
فليت دونكَ بيدًا دونها بيدُ
يرى العلماء والفقهاء أن في العيد تتجلى الكثير من معاني الإسلام الاجتماعية، ففي العيد تتقارب القلوب على الود، ويجتمع الناس بعد الفرقة، ويتصافحون بعد الكدر.
والعيد تذكير صريح بحق الضعفاء في المجتمع الإسلامي حتى تشملهم الفرحة بهذه المناسبة في كل بيت، وتعم النعمة كل أسرة، وهذا هو الهدف الأسمى من تشريع صدقة الفطر في هذا العيد المبارك.