سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
الأربعاء / 28 / رمضان / 1447 هـ - 20:45 - الأربعاء 18 مارس 2026 20:45
*** في قوله تعالى: ' رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ'، لماذا اختار الميت الصدقة عن سائر الأعمال؟
لأن السياق يتحدث عن الصدقة: 'وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ' فيقول: 'رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ'، فالآية الكريمة تتحدث عن الإنفاق، صدرها يتحدث عن الأمر بالإنفاق، واختلفوا في هذا الإنفاق على ما أذكر: هل هو الإنفاق الواجب أو هو إنفاق التبرعات أو هو ما يؤمرون به جميعًا من إنفاق واجب أو من إنفاق يتعين عليهم أو من إنفاق وجوه البر والإحسان وعموم الصدقات.
والظاهر أن كل ذلك يدخل، فربنا تبارك وتعالى يقول: 'وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ'، هل من هذه للتبعيض أو للبيان، خلاف، والمعنى يتسع، فحتى عند من يقول إنها للبيان فإنه لا يقصد أن ينفق كل ما في يده هذا المخاطب، وإنما يقصد الأمر بالإنفاق، أي: أنفقوا، فإن كان واجبًا فالقدر الواجب، وإن كان متعينًا فكذلك، وإن كان من صدقات النفل، فما تيسر، وهذا المعنى عند من يقول إن 'من' للتبعيض ظاهر لا يحتاج إلى تأويل،'مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ'، إذ صدر الآية يأمر بالإنفاق، 'مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ'، فهنا حث على المبادرة إلى الإنفاق، وإلى اغتنام هذه النعم: نعمة الحياة ونعمة الرزق، التي أعطاها العباد أن ينفقوا، أن يؤدوا ما يستطيعون من أموالهم، مما خولهم إياه ربهم تبارك وتعالى، 'مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ' فيقول: 'رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ'، الآن سيهجم عليه هادم اللذات، فتنكشف له الحقيقة.
ولذلك 'لولا' هنا اتبعت بفعل ماضٍ وليس بفعل مضارع، لأن الأمر كأنه متحقق، 'لَوْلَا أَخَّرْتَنِي'، لماذا قال: إلى أجل قريب، لأن العادة أن المطلوب إن كان يسيرًا فإنه يستجاب له، ولذلك فإن مطمع هؤلاء أن يستجاب لهم، هذا هو مطمعهم، 'لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ'، الآن هو يندم أنه لم يتصدق، لأنه قد أمر بالصدقة، وحث عليها، وأتيح له الوقت والمال الذي ينفق منه، ولكنه أهمل وأعرض ولم يستجب، فإذا به يندم ولات ساعة مندم.
الآن هو يندم على تفريطه فيما أمر به على جهة الخصوص: 'وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ'، ويندم على أنه لم يكن من الصالحين، فلما قال: 'فأصدق وأكن من الصالحين'، دل ذلك على أن ندمه لا يقف عند تفريطه في الصدقة، وإنما يشمل أيضًا تفريطه في دواعي الصلاح والاستقامة والإحسان، ولا حاجة مرة أخرى إلى تأويل 'فأصدق': هل فقط الصدقة الواجبة أو تشمل صدقات النفل؟ لأن كل ذلك مقصود مشمول بهذه الآية الكريمة.
فهو يأسف ويتندم، وفي هذا السياق القرآني خُصَّت الصدقة بالذكر لأنه تقدم الأمر بها في نفس الآية الكريمة، ولكنه لا يتحسر على فوات الصدقة فقط، بدليل ما ختمت به الآية الكريمة حين قال ربنا تبارك وتعالى: 'فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ'، فهو الآن يتحسر على أنه فَوَّت أن يكون من الصالحين مع تفويته للصدقة، والصلاح يشمل كل وجوه التدين والاستقامة والالتزام وطاعة الله تبارك وتعالى، هذا والله تعالى أعلم.
*** بعض المتبرعين للمساجد والمدارس يشترطون أن تكون هذه الأموال في أمر ثابت أو في شيء ثابت حتى تستمر الحسنات كما يعتقدون، فهو الآن يسأل: هل لهم أن يشترطوا؟ وإذا اشترطوا، هل الوكلاء أو القائمون على هذه المدارس ملزمون بهذا الشرط؟ وإذا لم يلتزموا وصرفوها في أشياء غير ثابتة، هل يصح ذلك؟
أما من حيث أن يقيدوا تبرعاتهم بوجه من الوجوه فذلك إليهم، لأنهم متبرعون، وأرادوا أن تكون تبرعاتهم، أن تكون صدقاتهم هذه في شيء من الوجوه المعينة المحددة التي أرادوها لسبب ما عندهم، فما دام هذا القيد أو الشرط أو هذا التوصيف لتبرعاتهم في حدود المباحات المقبولة شرعًا، فأخذ هذا التبرع منهم يعني قبول هذا الشرط، فالجهة الطالبة الممنوحة، الطالبة للتبرع الممنوحة للتبرعات التي تفيد إليها، إما أن تقبل هذا التبرع بصفته وقيده الذي قيد به المتبرع وجه صرف ماله، أو أن تعتذر إن كان ذلك يعسر عليها ويتعذر، مع سعيها إلى إقناعه في جعلها في أمر آخر إن كان أشد احتياجًا، أو سؤاله عن السبب لأجل إقناعه إن كان يشق عليهم أن يجعلوا تبرعه في الوجه الذي اشترطه وبينه.
لكن الحاصل: إن كان له تقييد واشتراط في وجه صرف أمواله، فيحترم شرطه ذلك ويؤخذ به، إذا كانت التبرعات نقدية، فإن النقود لا تتعين، فيمكن أن يجعلوا مثل الأموال التي تبرع بها من التبرعات العامة، أن يجعلوها في الغرض، في الوجه الذي اشترطه ذلك المتبرع، وأن يقصدوا بها أن تكون عنه، لأن النقود لا تتعين.
أما إن كان الأمر قد وقع واكتمل المشروع الذي جمعت التبرعات من أجله ولم يلتفتوا إلى شرطه وقيده، فالأولى لهم أن يبلغوه لينظر في أمره، وهذا التنبيه ورد في شيء من الأسئلة التي تداولناها حول التبرعات، لأن كثيرًا من الناس للأسف الشديد لا يلتفت إلى اشتراطات المتبرعين، ولا تكيَّف هذه التبرعات كما أعلن عنها، وهذا أمر خطير، ولا تكيَّف أيضًا كما اشترط المتبرعون، فمنهم من يشترط أن تكون في وجه من الوجوه.
ومما ينبغي أن يتنبه إليه أن هذا الباب، التعامل فيه مع الملك الغفور الشكور الرحمن الرحيم ذو الفضل العظيم الذي يعطي الجزيل على العمل القليل، وأبواب الأجر والثواب لا تقتصر على مدة البقاء والدوام، قد يكون عظم المنفعة سببًا لجلب كثير من الأجور للمتبرع، وقد يكون ما يورث نشر علم على سبيل المثال في المجتمع ونفي الجهالة أكثر أجرًا عند الله تبارك وتعالى مما هو دونه، لأننا نلحظ في الأدلة الشرعية الداعية إلى الصدقات الجارية عناية بالعلم.
فإذًا هناك عوامل أخرى داخلة في تعظيم الأجر لهذا المحسن المتبرع، ولا ينبغي أن يقتصر النظر فيها على مسألة البقاء الأطول الأدوم، قليل من الأصول ما يبقى دون تجديد وصيانة وإضافة وتغيير، فخذ على سبيل المثال بيوت الله تبارك وتعالى، المساجد تحتاج إلى ترميم وتحتاج إلى صيانة، ثم قد تحتاج إلى توسعة بهدمها وإعادة بنائها، فضل الله تعالى واسع عظيم، فلن يقف لأن ذلك المبنى الذي كان قد تبرع به المتبرعون قد هدم الآن وسيعاد بناؤه بأموال أخرى جديدة، لا، هذا ثواب بإذن الله تعالى منتج مستمر وفي سجل عند الله تبارك وتعالى.
وكما قلت فيما يتعلق بالتبرعات، قد تكون بعض المنافع المنقولة، لنأخذ على سبيل المثال أجهزة التكييف، فمن غير المتصور أن تبقى بقاء المبنى، ستحتاج إلى تجديد وتبديل، لكن نحن في بلداننا في الصيف، وأيام الصيف عندنا طويلة، أشد ما يحتاج إليه الناس التكييف في هذه المساجد.
فقد يظن ظان أنه إن تبرع في المبنى نفسه، في هيكل البناء، أن ذلك أعظم أجرًا له، ويخفى عليه أن ما فيه راحة المصلين وبعث الخشوع والطمأنينة فيهم أنه أيضًا سبب في أبواب من الخير والأجر والثواب العظيم عند الله تبارك وتعالى، وهكذا ما يتعلق بوجوه كثيرة قد لا يبدو أنها من الأصول الثابتة، لكنها من المنقولات التي تشتد إليها الحاجة ويعظم نفعها، وقد تتعطل منفعة الهيكل الثابت بدونها، فهذا عمل متكامل، وكما تقدم المسلم يتاجر مع الله تبارك وتعالى، ومهما بلغ عمله فهو يسير، والله تبارك وتعالى غفور شكور يجزل المثوبة لعباده مع إخلاصهم له سبحانه وتعالى.
*** أمي -رحمة الله عليها- تتقاضى مبلغًا وقدره 100 ريال صدقة من إحدى المؤسسات، ولا يزال هذا ينزل في حسابها بعد وفاتها، ونحن بدورنا نقوم بالتصدق عنها بهذا المبلغ، المبلغ ينزل في كل سنة في شهر رمضان، قمت بالتحري عنهم لكي أخبرهم بأن الوالدة توفيت إلى رحمة الله، لكن لم أتوصل إليهم، وأخبرني أحد الإخوة بأن هذا المكتب الآن لا أحد فيه ومغلق، وكل أحد له مبلغ من هذه الصدقات مستمرة للصرف ولا تتوقف، أريد منكم الإرشاد فيما يتعلق بهذا المبلغ؟
عليه أن يزيد في اجتهاده في البحث عن الجهة المتبرعة ليخبرهم عن وفاة أمه، وعن هذه المبالغ التي هي مستمرة في الوصول إليها، أن عليه أن يجتهد قدر استطاعته ليتخذوا قرارهم من بعد، ولكن ريثما يصل إلى هذه النتيجة، فتصرفه صحيح بأن يدفع هذه الأموال إلى الفقراء والمساكين، إلى المستحقين، ليستمر على ذلك مع سعيه قدر ما يستطيع للوصول إلى الجهة المانحة لإبلاغهم بحقيقة الأمر، وعسى أن يجد عندهم الحل بمشيئة الله
تعالى، والله تعالى أعلم.