من نفائس محبرة ابن بركة
الأربعاء / 28 / رمضان / 1447 هـ - 20:38 - الأربعاء 18 مارس 2026 20:38
د. سالم بن سعيد البوسعيدي -
اشتهر ابن بركة بأنه صاحب مدرسة فكرية علمية متمكنة، ذات بيان أدبي لغوي رفيع، لها وسائلها المعرفية
والمنهجية ومعالمها الفكرية؛ فمن حيث الوسائل المعرفية تعتمد على أصول الفقه في تأصيل الأحكام، وابن بركة لعله أول من ألّف في أصول الفقه من أهل عُمان، لذلك نجد أن المنتمين إلى هذه المدرسة اهتموا اهتمامًا بالغًا بأصول الفقه وقواعده، ويلاحظ ذلك بوضوح في مؤلفاتهم ومصنفاتهم.
الأمر الآخر الذي ميّز هذه المدرسة هو التوظيف اللغوي؛ فابن بركة وظّف اللغة ومدلولاتها في الاستدلال على المعاني الشرعية عند انعدام النص الشرعي.
أما من حيث المنهجية فهذه المدرسة تحرص على الاعتماد على الدليل، كما تعتمد على الأقوال المختلفة وإيرادها وترجيح الراجح منها، وهو ما يُعرف حاليًا بالفقه المقارن.
أما المعالم الفكرية لمدرسة ابن بركة فهي البراءة من أهل الأحداث الخارجين على الإمام الصلت بن مالك الخروصي، فهي امتداد للمدرسة الرستاقية التي تنافسها المدرسة النزوية، وكل مدرسة لها معالمها ومنهجيتها، ويرجع لهما فضل كبير في تطور الفكر السياسي العُماني في الحكم والمعارضة، إضافة إلى الثروة الفقهية الكبيرة التي جسدتها الموسوعات الكبرى في عُمان.
عمومًا، مدرسة ابن بركة شدّت إليها الرحال، ووفد إليها طلبة العلم من عُمان ومن خارجها، ويُروى أن للشيخ طلبةً مغاربة أطالوا المقام معه، فقرّبهم وآواهم.
(2)
من مؤلفات ابن بركة البارزة كتاب (التقييد)، وله اسمان: التقييد والتقييدات، فالمؤلف أطلق عليه اسم التقييد. وقد صدر الكتاب مؤخرًا بتحقيق الباحث القدير سلطان بن مبارك الشيباني، والكتاب تقييدات متفرقة للتلميذ عن أشياخه، فقيّد ابن بركة عن ثلاثة من أساتذته؛ هم: أبو مالك الصلّاني، ثم أبو القاسم الرحيلي الإمام، ثم أبو مروان، وجعل أبا مالك عُمْدة هذا الكتاب، فعرض أغلب مسائله عليه.
جاء في آخر كتاب التقييد ما نصه:
'هذا الكتاب مسائل كنت قيدتها عن شيخنا أبي مالك غسان بن محمد بن الخضر -رضي الله عنه-، وحفظت جوابها من فتياه لي عنها، وربما كان يسأله غيري بحضرتي فأحفظها، وربما كنت أسأله عن مسائل كنت أجدها في الآثار فأعرضها عليه على ذلك، أو يشرح لي فأقيده بحضرته أو في غيبته، وربما كتبت الجواب وأعرضه عليه فيجيزه، ومنها ما لم أكن أعرضها عليه، إلا أني أرجو أن هذه الألفاظ وإن كانت ألفاظي فلم تخرج عن معنى الجواب، ولست آمن الغلط والزلل، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق، وإلى الله أرغب في السلامة والموافقة لما يرضيه إن شاء الله'.
يشتمل كتاب التقييد على أبواب في العقيدة (الولاية والبراءة)، وفي العبادات والمعاملات، ويبتدئ الكتاب بالمسائل، ولعل ذلك عائد إلى فقدان صدر الكتاب، بل لا نعرف الأبواب التي جاءت في الكتاب لعدم وجود فهارس آخر الكتاب، ولعلها كانت في صدره، وربما تجد بين ثناياه مسائل في الدماء والقصاص وفي أبواب أخرى من الفقه، ولكنها قليلة جدًا.
وللكتاب قيمة علمية جلية؛ فله يعود الفضل في حفظ علوم أشياخه التي لم تدون، والكتاب 'حافل بالتخريجات الفقهية، والقواعد الأصولية، والموازنات والمقاربات، والفروق والنظائر'. كما أن فيه قيمة تاريخية في ذكر الأعلام والأماكن، فضلًا عن القيمة التربوية حيث يلقى الضوء على 'جوانب مضيئة من أدب التلميذ مع شيوخه، وصور من إلحاحه على استخراج الفوائد منهم، وتقليب أوجه المسائل عليهم، حرصًا منه على تحرّي الدقة، وتوخّي الفهم، وتحقق الجواب على أتم وجه'.
ومن النماذج النصية من الكتاب:
'سألت الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب عن الولي إذا واقع الكبيرة من الذنوب ما تكون منزلته؟ قال: يبرأ منه ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن أصر على ذنبه تمت عليه البراءة... وسألت الشيخ أبا مالك رحمه الله عن ذلك فقال: هو كما قال أبو القاسم، إلا أن محمد بن محبوب كان يقول: إذا تاب المحرم من ذنبه الذي ارتكبه وهو كبير من الذنوب فإني لا أرده إلى ولايته حتى أستديمه وأستبرئه بعد التوبة... قال: وغير محمد بن محبوب كان إذا استتابه رده إلى ولايته'.
فنلاحظ أن التقييد ابتدأ في هذه النصوص بسؤاله للإمام أبي القاسم، والظاهر أن سؤاله للإمام كان بعد أن تولى الإمامة، ومن المعلوم أنه تولى الإمامة عام 320هـ، ثم بعد ذلك قام بعرض جواب الإمام على شيخه الأكبر أبي مالك -رحمه الله تعالى-. ويستفاد من سؤال شيخ من شيوخه وعرضه الجواب على الآخر شدة حرص ابن بركة على التثبت والتعرف على صحة الجواب، مما يدلنا على الاطمئنان واليقين مما روى.
(3)
ومن مؤلفات ابن بركة كتاب (التعارف) من الحجم الصغير، والسبب في تأليفه إسعافًا لطلب وإجابة لمسألة وصلته من بعض أهل عصره، يطلب جانب اليسر في هذا الدين ورخص المسلمين فيما فيه السلامة لمن أخذ به، ليحمي نفسه من وساوس الشيطان وعدم الوقوع في الظنون والشكوك فيما تعبدنا الله به.
ويظهر أن كتاب التعارف ألّفه قبل كتاب 'الجامع'، حيث أشار فيه إلى أنه سيفرد كتابًا خاصًا في المسائل التي تتعلق بالاجتهاد والرأي، كما يظهر أنه ألّفه بعد كتاب 'التقييد'، حيث نقل منه في آخر كتاب التعارف.
ومن خلال العنوان يتبادر إلى بعض الأفهام أن الكتاب يعالج قضية اجتماعية مباشرة وهي مسألة التعارف بين الناس، ولكننا نجده يعالج أحكامًا فقهية وأصولية تتعلق بمسائل الحلال والحرام، وإن كان لهذا تعالق مع الهموم الاجتماعية؛ لأنه من طريق العرف والعادة، فمصطلح التعارف في الكتاب يشير إلى العرف.
والكتاب له قيمة علمية كبيرة؛ حيث يعكس نظرة فقهية رائدة في مسائل الوساوس النفسية، إضافة إلى أنه من أوائل الكتب في أصول الفقه. أما القيمة الاجتماعية فتتجلى في توثيق تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عُمان كالأسواق، والدكاكين، والبضائع، والصنائع (كالعطارة والنسيج)، والعادات، ويوثق صورًا من الممارسات اليومية في ذلك العصر كوضع خروس الماء في الطرق على أبواب الدور.
كما يعد الكتاب مصدرًا تاريخيًا عن التعاملات والرسائل وكيفية اتصال الحكام بولاتهم، واستخدام الختم والرسائل، مما يعكس نظامًا إداريًا متقدمًا.
فضلًا عن القيمة اللغوية، فهو يحمل اصطلاحات عُمانية قديمة درج عليها العُمانيون، منها: الخراف (جني الرطب)، والجداد، والقيظ، والمال (البستان).
وقد صدر الكتاب مؤخرًا عن مركز ذاكرة عُمان بتحقيق الباحث بدر بن سيف الراجحي، ورأى محقق الكتاب أن اسمه لم يكن من إطلاق المؤلف، وأن التسمية جاءت من بعده من العلماء أو النسّاخ.
ورسالة هذا الكتاب طريفة لطيفة، تعالج موضوعًا نفسيًا اجتماعيًا حين يضيق صدر الإنسان ويرى أنه لا يستطيع تأدية ما عليه، ويغلب على ظنه التقصير، ونرى ابن بركة كيف يعالج هذه القضية مبينًا يسر الدين، وأن ما جاء به من تشريع يقصد به إعداد الإنسان الكامل الذي يدرك سر وجوده في الحياة، فهو لا يقزّم الإنسان ولا يهدر كرامته.
بل الإنسان بحاجة لهذا الدين ليجيب على الأسئلة القلقة للإنسان التي تبحث عن الجواب الشافي الذي يقبله العقل ويسكن إليه القلب ويوافق الفطرة السليمة، بعيدًا عن الأوهام والأباطيل والخرافات، حتى ينطلق ليكون عنصرًا فاعلًا في بناء أمته، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتعلّم الأهم قبل المهم ومعرفة الكليات الكبرى، وهو ما نفتقر إليه.
(4)
يبقى أن نستعرض سريعًا مؤلفين آخرين لابن بركة، هما: كتاب 'المبتدأ' الذي عني به الباحث سلطان بن مبارك الشيباني، وصدر عن مركز ذاكرة عُمان في 32 صفحة من القطع الصغير.
ويدور موضوعه حول ما يلزم المكلف عن ابتداء تكليفه وبلوغه الحلم، ومن هذا المعنى أخذ تسميته، ويحمل الكتاب روح ابن بركة وأسلوبه، ويتجلى ذلك في عباراته وطرق السؤال والمحاورة.
والكتاب الثاني 'منثورة أبي محمد بن بركة البهلوي' التي قامت بجمعها الباحثة شمسة بنت عبد الله بن هلال الحوسنية. فمنثورة أبي محمد من الكتب المفقودة التي لم يبق منها سوى بعض النصوص التي تتناقلها كتب الأثر كـبيان الشرع والمصنف، ويبدو أن المنثورة أجوبة لابن بركة على مسائل وُجهت إليه في مختلف أبواب الشريعة، قيّدها أحد تلامذته، وقد تتضمن بعض التقييدات حوارات بين ابن بركة وسائليه.