روضة الصائم

العميل السري الإيطالي أومبرتو عمر في عُمان

 

د. أحلام بنت حمود الجهوري -

ظلت فكرة أن بريطانيا كانت تتصدر الدول الاستعمارية المهتمة بعُمان خاصة بعد قيام الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م ومخاوف بريطانيا من امتداد النفوذ الفرنسي عبر البحر الأحمر إلى المحيط الهندي وتهديد مواصلاتها إلى الهند؛ غير أن الوثائق التي تتكشف للباحثين تتيح لهم تقديم سردية أخرى، فقد كشفت الدكتورة ناهد عبد الكريم عن وثائق إيطالية وتقرير لعميل سري إيطالي يُدعى أومبرتو عمر كتبه عن مسقط في عام 1912م وقدمه للإدارة المركزية لشؤون المستعمرات في وزارة الخارجية الإيطالية.
في مؤتمر بروكسل عام 1908م، أكدت بريطانيا أن الخليج منطقة اهتمام بريطاني وأنها لن تسمح لأي هيئة أو جهة غيرها بالوجود فيه؛ لذلك رفضت أي مطالبة إيطالية بإرسال وكيل لها في مسقط انسجامًا كذلك مع نجاحها في فرض إرادة عدم تعيين قناصل من روسيا وألمانيا في مسقط. وكحل وسط اكتفت بالموافقة على إرسال عميل سري إيطالي، وهنا بدأت إيطاليا في تنفيذ خطتها، ووقع اختيارها على أومبرتو عمر وهو شخصية توفرت فيها عدة صفات تجعله مناسبا لهذه المهمة منها أنه عربي ينتمي إلى قبيلة بني عامر الإريترية العربية التي هاجرت من الجزيرة العربية إلى شرق إفريقيا، فهو يتكلم العربية ولن يكون وجوده في مسقط ملفتاً للأنظار، كما أنه يتكلم أيضاً الإيطالية بطلاقة بل ويكتب بها بشكل ممتاز، وأغلب الظن أن تعلمها في ظل الاحتلال الإيطالي لأريتريا حيث نشأ هناك.
وربما يسأل سائل، ما الذي دفع إيطاليا لتكون على مقربة مما يحدث في عُمان ومسقط تحديدًا، والإجابة هي إحكام السيطرة على مستعمراتها في شرق إفريقيا -التي وحدتها في عام 1890م تحت مستعمرة واحدة باسم إريتريا وكانت تشمل جزءًا من الصومال بمباركة بريطانية- وتذرعت إيطاليا بأن السلاح يصل إلى الصومال عن طريق مسقط وبالتالي يهدد مستعمراتها.
استطاع العميل السري الإيطالي أومبرتو عمر بناء شبكة علاقات وصداقات مع جهات مختلفة في عُمان، بما فيها السلطان فيصل بن تركي (1888-1913م)، والوكيل السياسي البريطاني في مسقط؛ مما أتاح له مصادر متنوعة لمعلوماته، فالمصدر الأول؛ مشاهداته المباشرة ومعايشته الوقائع وتعاملاته مع الأشخاص، وقد ساعدته لغته وأصوله العربية ليكون قريباً من السكان، يراقب تصرفاتهم وما يطرأ من أحداث دون أن يلفت الأنظار إليه. أما المصدر الثاني فهو ما كان يحصل عليه من معلومات بسبب احتكاكه المباشر بالبريطانيين الموجودين في مسقط. أما المصدر الثالث فكان عن طريق ترجمة الوثائق الإنجليزية التي كان يقع عليها.
حمل تقرير العميل السري الإيطالي عنوان (الجزيرة العربية، سلطنة عُمان)، وتألف من سبع وثلاثين صفحة، وقُسم التقرير إلى ثلاثة أجزاء أساسية وكل جزء يتضمن العديد من العناوين؛ فالجزء الأول خصص للحديث عن جغرافية عُمان، والجزء الثاني حمل عنوان ملاحظات تجارية ومواد اقتصادية، والجزء الثالث حمل عنوان الصناعة. وضمن هذه العناوين الرئيسية الثلاث أورد التقرير الكثير من المعلومات التفصيلية عن الموقع الجغرافي لعُمان ومناخها والتركيبة السكانية ومعلومات تاريخية عن المراحل التي مرت بها عُمان وتطور علاقتها بأوروبا، وأشكال الحياة الاقتصادية وظروف الحياة المعيشية والمواصلات والزراعة والصناعات والصيد وغيرها من المعلومات. ويمكن الاطلاع على التقرير بشكل تفصيلي في كتاب الدكتورة ناهد عبد الكريم المنشور في عام 2020م من قبل مركز الدراسات العُمانية بجامعة السلطان قابوس تحت عنوان: (سلطنة عُمان من خلال وثائق إيطالية وتقرير العميل السري الإيطالي أومبرتو عمر عام 1912م).
بطبيعة الأمر لا يمكن قراءة ما جاء في تقرير العميل السري بمعزل عن ظروف عُمان السياسية في تلك الفترة الزمنية وانعكاس ذلك على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن إرجاع ذلك إلى نقطة مفصلية في تاريخ عُمان الحديث يتمثل في تقسيم الإمبراطورية العُمانية بعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م، حيث وجدت بريطانيا ذلك فرصة سانحة للتدخل بذريعة محاولة حل الخلاف الناشئ بين أبناء السيد سعيد بن سلطان على السلطة، وحقيقة الأمر كان يتمثل في سعي بريطانيا تجريد عُمان من قوتها الاقتصادية والسياسية عن طريق ممارسة الضغوط الاقتصادية عليها بتقسيم عُمان وممتلكاتها وتجريدها من نفوذها في شرق إفريقيا، مرورًا بالقضاء على تجارة الرقيق ومن ثم قضاء بريطانيا على تجارة السلاح. كل ذلك دفع عُمان إلى الإفلاس وأصبحت عاجزة عن تأمين اقتصادها وأتاح ذلك للبريطانيين مزيدًا من النفوذ والهيمنة والتسلط وهذا أدخل عُمان في حلقة مفرغة من المشاكل تكاد لا تنتهي. وهو ما نجحت في تحقيقه اتفاقية 1861م المعروفة تاريخيا باسم تحكيم كاننج، التي تم بموجبها فصل زنجبار عن عُمان. وما تبع تلك الاتفاقية من آثار وأوضاع أثرت على القرار السياسي، وأمعنت في تجييش كل الوسائل لبث الفرقة الداخلية.
في مقال بجريدة الأهرام المصرية نُشر في 14 مارس 1902م، وصف أحد العُمانيين أوضاع عُمان، قائلاً: '... فإنا الآن لا نخضع للإنجليز بل لعبيد الإنجليز أي الهنود الذين في قبضتهم أزمتنا'، وأضاف: 'دولة الإنجليز التي علقت بنا كالعلق يمتص دماءنا...'!!. وفي تقرير كتبه الوكيل السياسي وقنصل الحكومة البريطانية في مسقط بعد وفاة السلطان فيصل جاء فيه: 'لا يمكن أن يعزى تدهور مسقط بصورة كبيرة خلال حكمه إلى أية أعمال أو إهمال من جانب الحاكم، بل يمكن أن يعزى إلى ظروف خارجية خارجة عن نطاق سيطرته'. ويكفي القول بأن ذلك إقرار غير مباشر بالدور البريطاني في جعل السلطان فيصل عاجزًا أمام الصعوبات والمشاكل التي واجهته. وهي كثيرة؛ الضائقة المالية، والصراع الداخلي، ووقف تجارة الرقيق، وظهور السفن البخارية، ووقف تجارة السلاح وما ترتب عليها ثورة عام 1895م وثورة عام 1913م. وبالعودة إلى تقرير العميل السري الإيطالي، وصف أومبرتو الوضع الداخلي قائلاً: '... لو أسقطنا من حسابنا الانتقادات التي تعرض لها السلطان من أناس أقل قيمة وأقل تأثيرا، لا يمكن استيعاب كيف كان للسيد فيصل أن يقوم وحده بإيجاد طرق لعلاج الوضع بينما بقية الشعب بحالة فتور، ومصادر الدولة محدودة'.