«مولانا».. حكـاية حـلم يرتـدي عبـاءة الوهـم
الأربعاء / 28 / رمضان / 1447 هـ - 20:30 - الأربعاء 18 مارس 2026 20:30
كتبت - شذى البلوشي
رهان على وصول العمل الدرامي للجمهور في موسم رمضان الحافل بالكثير من الأعمال، فكيف يطفو عمل على آخر يغرق وسط أمواج الأعمال بشتى أشكالها، فالبعض يراهن على القصة، والآخر يراهن على صورة بصرية فنية جذابة، ورهان كبير يفرضه نجم له قاعدته الجماهيرية.
أحد الأسماء التي يكون الرهان عليها هو الممثل السوري «تيم حسن»، فهو الورقة الرابحة في لعبة الدراما، ليس كونه صاحب موهبة وخبرة فنية فقط، بل لكونه ينتقي العمل الذي يخرج فيه كل عام عن المألوف، ويوظف في «الكاركتر» جزءا من شخصيته، ويبحث عما يلامس به جمهوره.
وفي هذا العام أطلّ «تيم حسن» بمسلسل «مولانا» الذي كان واضحا من الحلقات الأولى أنه قادر على التأثير والنجاح والانتشار، فهو ليس مجرد عمل درامي يقدم قصته، بل هو تكامل فني وتجربة مميزة تجمع بين القصة والأداء التمثيلي والصورة البصرية والرؤية الإخراجية، فالعمل الذي يمسك ببطولته نجم يراهن على نجاحه كل عام، مع إخراج ذي خبرة وتمكن فني من قبل سامر البرقاوي، ومشاركة النجمة القديرة منى واصف، إلى جانب عودة النجم فارس الحلو، صنع جمالية فنية لمعت في هذا العام.
بدا جليا من الإعلان الأول للفيلم أنه سيستقطب الجمهور، حيث إن الدراما التي تستلهم التاريخ أو الشخصيات الدينية والفكرية لها جماهيريتها، ولا تكتفي تلك الأعمال أن تكون صورة فنية جذابة، بل تتعداه لتقدم رسالة عميقة متمكنة تخاطب العقول، وتخرج كأيقونة فنية ثقافية لها جمهور نخبوي، وبعيدا عما إذا كان مسلسل «مولانا» قد وصل لهذه الغاية، إلا أنه استطاع أن ينتشر ويحظى بالمتابعة الواسعة.
وعلى الرغم من كون العمل جذب الجمهور الواسع للنجم «تيم حسن»، إلا أن الفكرة التي خرجت من صلبها قصة المسلسل كانت حول شخصية الرجل يصبح رمزا روحانيا يبعث من خلال بسطاء قرية تدعى «العادلية» عن الخلاص للعنتهم، وجسرا لتحقيق أحلامهم البسيطة، إلى جاتب فكرة مبطنة أخرى سعى العمل لإيصالها للمشاهد، وهي صراعات العصر والمجتمع التي يحاول رجل بسيط التغلب عليها بوهم كبر حتى تشكل على هيئة واقع.
تدور أحداث المسلسل في قرية حدودية تدعى العادلية، سلبت حريتها بعد سيطرة الجيش على مداخلها ومخارجها، وحرمت من رزقها بعد أن لُغمت أرضها الوافرة بأشجار الزيتون، ولا يكون الخلاص إلا بلحظة عودة الحفي المنتظر «سليم العادل»، الذي قد هو من نسل الأولياء، علّ عودته تكون خلاص العادلية من لعنتها، وفي يوم عودة «سليم العادل» يتقابل مع «جابر جاد الله» الذي يؤدي دوره تيم حسن، وهو رجل هارب من العدالة بعد أن قتل زوج أخته، ويلوذ بالفرار لأقصى بقعة يمكن من خلالها الخروج عبر الحدود، ومن كان يظن أن اللقاء العابر بـ«سليم العادل» سيغير مسار حياة «جابر جاد الله»، الذي يتوجه برفقته إلى العادلية، ويقع حادث سير يتوفى على إثره سليم العادل، وينجو جابر، ولمعت في ذهنه فكرة انتحال شخصية سليم ليصل للعادلية ويهرب منها عبر الحدود، ولكن لم يكن هو هذا مسار قصة «مولانا»، بل توغل في «العادلية»، وتشابكت حوله الأحداث والشخوص.
بدأت قصة «مولانا» بمجرد تمثيل وكذبة، حتى يتمكن «جابر» من الحصول على الأمان والسبيل الموصلة لأبعد مما يمكن أن يصل إليه رجال الأمن، لا سيما بعد انتحال شخصية رجل، وإيهامهم أن المتوفى هو «جابر»، لم يكن مفترق الطرق واضحا من البداية، فالمنتحل كان يظن أنه سيواجه أهل قرية العادلية البسطاء، وإذا به يواجه «أخت سليم العادل» التي تدعى «شهلا»، ويواجه الجيش بقيادة العقيد كفاح، ويواجه ضابط الشرطة الذي يبدأ بالتحري حول شخصية «جابر»، وليست كل المواجهات سهلة على رجل بسيط كان يعيش على قوت يومه، فمواجهة السير وسط الألغام، كانت في حد ذاتها أمرا غير هين، ومواجهة تفجير سيارته بقنبلة وقرب حالته من «موت سريري» ليصحو بعدها معافى، كانت إشارات لأهل الضيعة، وكانت وسائل قوة لـ«مولانا»، ومصدر خوف وقلق لأفراد الجيش. استطاع العمل بتمكن طاقمه التمثيلي أن يكون مقنعا وجذابا، ليس على مستوى التصاعد الدرامي، بل على أسلوب الحكاية الجديدة، والتسلسل اللامتوقع، الهدوء والرزانة في اختيار كل تصاعد مدروس بعناية، الصورة البصرية التي اكسبت العمل بعدا فنيا مميزا. لعلّ عنصر الأداء التمثيلي كان الأشد قوة، فأداء الممثل «تيم حسن» المقنع والمتمكن والقريب من الجمهور هو ما كان مميزا، ألا يقدم الشخصية كما هي فقط، بل يعطيها لمسات من خبرته، ربما هي عادة «تيم حسن» أن يلتزم كل عام باختيار «لزمة» ترافقه في العمل، وهي مفتاح بلوغ «الترند» ويتم تداول شخصيته باستخدام تلك اللزمة، على الرغم أنه ليس بحاجة لأن يصل لترند مواقع التواصل الاجتماعي. هذا العام كانت اللزمة هو نطق حرف الجيم بطريقة خاطئة فيقولها «زيم»، وحتى يوصلها للمتلقي يعيد عبارة «رايح زاي، زامع كنيسة، زدي ستي»، وهي التي صارت متداولة من قبل جمهور السوشيال ميديا، كما أضاف «تيم» لشخصية مولانا بعض اللقطات في تقليد شخصيات معروفة، وانتشرت واسعا تلك المقاطع التي كانت عنصرا فكاهيا في عمل جاد.
اللافت للنظر هو صمت «جابر» في الحلقتين الأولى والثانية، حيث كان ذلك طاغيا على أداء تيم حسن في البداية، كان يؤدي الدور بنظراته، وتردده، وحركاته، وخطواته، وارتباكه المدروس، قلقه المخبئ في صوته المنخفض، وربما كانت تلك النظرات المثيرة هي بوصلة لأن يكون الباحث عن خلاص قرية العادلية كما قالت «جورية»، نظرته التي تثبت أن هذا الرجل كان خرج من رحم المعاناة ليبحث عن الخلاص له ولتلك القرية.
«جورية» التي تؤدي دورها الفنانة السورية منى واصف، فبأدائها المتمكن وخبرتها الطويلة كانت مصدر قوة للعمل حتما، ولكن مشاركة الفنانة في غناء شارة المسلسل كان في حد ذاته مذهلا وجاذبا، فكان أداء الفنانة منى واصف المتمكن هو في حد ذاته تكريم لها، فقد عرفت النجمة منذ بداياتها في التمثيل بأن لها صوتا عذبا، لكنها كانت تنتدن بتقديم مقاطع قصيرة، أو مواويل تراثية، أما أن تقود شارة مسلسل رمضاني فهو حتما تكريم لأيقونة فنية بارزة. نور علي في دور شهلا العادل، استطاعت التفوق على كثير من الممثلات هذا العام، وتخطو عشر خطوات للأمام، فقد توهجت أمام «تيم حسن» واستطاعت أن تقف أمامه بثبات وقوة شخصية وأداء درامي مقنع.
كما أن عودة النجم فارس الحلو بدور العقيد كفاح، أثبت للجمهور أن الغياب لم يكن ليسرق موهبة وخبرة طويلة في مجال الفن، فقد عاد بدور أشد قوة من سابقه، بكاريزما وجبروت العقيد الطاغي على أبناء قرية العادلية، فأداءه المتمكن، ولغة الجسد الحاضرة ،وشخصية الشر المقدمة بذكاء تعيد أمجاد فنان ابتعد طويلا عن الدراما العربية.
وخطف أنظار الجمهور الممثل «وسيم قزق» بدور مشمش، فأداء شخصية رجل مجنون كان يؤدي في العام الماضي دور ضابط شرطة، وقبلها دور إرهابي في الهيبة 2021، ولكن رغم بساطة الدور وعفويته إلا أن الممثل «وسيم» استطاع الاقناع وحصل على الإشادة الجماهرية الواسعة.
يعد «مولانا» أكثر سياق درامي قوي لهذا العام، حيث تم بناء الشخصية المحورية على فكرة الإيمان وتصديق الوهم، فالرجل البسيط «جابر» الذي عاش بمقربة من الموت طيلة حياه، لبس عباءة أكبر من مقاسه، ولكنه استطاع أن يجد روحه من خلال روح وشخصية «مولانا»، فلبس الوهم وألبسه عقول أبناء قريته، ولكن قوة تصديقه وإيمانه بالوهم والشخصية الروحانية التي انتحلها جعلت حتى القوة الأمنية تنهار أمامه.