أعمدة

وداعا رمضان.. أهلا.. أهلا بالعيد

في جلسة جمعتني بعدد من الشعراء، والكتّاب، والأصدقاء أقيمت في «مجلس السبت» استمعت إلى قصائد قيلت في وداع شهر رمضان، من بينها قصيدة للصديق الشاعر هلال الشيادي يقول فيها:

رمضان راح فما عساي أقول

فلقد أهال القلب منه رحيل

عبق التراويح الذكي تأوّبت

ذكراه والتسبيح والتهليل

واختيار الشعراء لهذا الموضوع يندرج ضمن إيمانهم بأن الشعر يجب أن يكون حاضرا في كلّ تفاصيل الحياة، فهو مرآة لها، وضمن هذا السياق تندرج قصيدة الشاعر الشيخ حمد بن عبيد السليمي التي قالها قبل سنوات في توديع رمضان ومن أبياتها قوله:

أيا شهر منا عليك الوداع

لقد فاز قوم بطول الخشوع

وذرف الدموع وترك الهجوع

قليلا من الليل حتى الطلوع

فلله قوم صفا حالهم

وجاءت على الحق أعمالهم

وعادت الى الله آمالهم

أيا شهر منا عليك الوداع

وهذا لا يحول بين الشعر وانفتاحه على الفكري، والمعرفي والجمالي ولكنّ الشاعر «ينطق عن خواطر الناس» كما يقول القاضي الفاضل، عن المتنبي، ويشاركهم مناسباتهم الاجتماعية وأفراحهم، ومن بينها الترحيب بشهر رمضان، وتوديعه والترحيب بهلال العيد وهذا تقليد نهج عليه الشعراء العرب منذ العصر العباسي، فكانوا يهنئون الخلفاء والأمراء بهذه المناسبات، بدءا من قدوم رمضان، ومن أشهرها تهنئة الشريف الرضي للخليفة أبي بكر الطائع (932 - 1003 م) التي ورد في مطلعها:

تهَنَّ قُدومَ صَوْمِكَ يا إِماماً

يَصُومُ مَدَى الزَّمانِ عَنِ الأَثامِ

إذا مَا المَرْءُ صَامَ عَنِ الدَّنَايَا

فَكُلّ شُهُورِهِ شَهْرُ الصِّيَامِ

ويقول الشاعر أشجع بن عمرو السلمي في الخليفة هارون الرشيد مادحا ومهنئا بالعيد:

لا زلت تنشر أعيادا وتطويها

تمضي بها لك أيام وتثنيها

ويقول ابن الرومي مخاطبا الخليفة العباسي المعتضد مهنئا بحلول العيد بعد قضاء شهر الصوم:

قَـــدِم الفطـــر صــــــــــــــاحباً مــــــــــــودودا

ومــضى الــصوم صــــــــاحباً مــــحمــــــودا

ذهــب الــصوم وهـــــو يحـــكيـــــك نُـــــسكاً

وأتــى الفـــطــر وهــو يحـــكيـــــك جـــــودا

وشــــبيهاك لا يخُونــــاك العهــــــــــــــــــــد

لعمــري بــل يرعيــان العهــــــــــــــــــــــودا

وســــتبقى عليهمـــــــــــــــــا ويعـــــــــــودان

كمــــــــــا أنــــــــــــــــــت مـــشْتَهٍ أن يعـــودا

وعلى هذا النهج، يوجّه الشاعر أحمد شوقي(1868-1932م)م خطابه في قصيدة قالها عام 1932 وتحديدا في الأبيات الأخيرة إلى الملك فؤاد الأول بن إسماعيل، وكان يومها شوقي شاعر البلاط مستدعيا مديح أبي تمام الطائي للخليفة أبي أسحاق المعتصم وقصيدته الشهيرة التي قالها في فتح عمورية «السيف أصدق أنباء من الكتب» فيقول شوقي :

مولايَ طِلبَةُ مِصرَ أَن تَبقى لَها

فَإِذا بَقيتَ فَكُلُّ خَيرٍ باقِ

وَأَنا الفَتى الطائِيُّ فيكَ وَهَذِهِ

كَلِمي هَزَزتُ بِها أَبا إِسحاقِ

وقد احتوت قصيدة شوقي على أبيات يأسف فيها على حلول العيد في وقت تمرّ به الأمّة بالعديد من الأزمات متمنّيا له أن يعود والأمّة بأفضل حال ليكتمل العيد وتعمّ أفراحه:

وَطَني أَسِفتُ عَلَيكَ في عيدِ المَلا

وَبَكَيتُ مِن وَجدٍ وَمِن إِشفاقِ

لا عيدَ لي حَتّى أَراكَ بِأُمَّةٍ

شَمّاءَ راوِيَةٍ مِنَ الأَخلاقِ

إنَّ القُلوبَ وَأَنتَ مِلءُ صَميمِها

بَعَثَت تَهانيها مِنَ الأَعماقِ

وقد قوبل مطلع هذه القصيدة «رمضان ولّى هاتها يا ساقي»، بردود أفعال كثيرة، حتى قيل إن الشيخ محمد متولي الشعراوي وكان في مقتبل حياته، ذهب إليه معاتبا، مع مجموعة من الشباب الذين يدرسون في الأزهر، وحين سمع شوقي اعتراضهم ضَحكَ كثيرًا كما يروي الشعراوي «وقال: ألستُم حافظين للقرآنِ الكريم؟!» يكمل الشعراوي» قلنا: بالطبع نحفظه، فقال شوقي: ألا تعرفون الآية التي تقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) وكان ردًا أفحمَنا»، فخرجوا من لقائه مشيدين بالروح الإيجابية التي سادت لقاءهم بأمير الشعراء، لكن الأصوات المعارضة للقصيدة لم تهدأ، فكتب الكثير من الشعراء معارضات (أي يلتزم الشاعر في نظمه لقصيدته بنفس البحر والقافية وحركتها وحرف الروي والغرض الشعري مع إضفاء لمسات فنية خاصة) تطرّق ناظموها إلى أشواقهم ولهفتهم لعودة رمضان، ومن بينهم الشاعر المصري جابر قميحة(2012- 1934) الذي يتمنّى بقاءه على الدوام بقوله:

رمضان ودّع وهو في الآماق

يا ليته قد دام دون فراق

ويقول الشاعر المصري أحمد علي سليمان عبد الرحيم في وداع رمضان معارضا شوقي:

ودَّعتُه، واللهُ يشهدُ أنني

أهفو إلى رمضانَ كالمشتاق

واللهَ أسألُ أن يُبلغ أمّتي

رمضانَ، شاهدة بذا أشواقي

ويخاطب الشاعر محمد التهامي شهر رمضان، في قصيدة عنوانها (رمضان.. لا ترحل) يقول في مطلعها:

في مثلِ وَمْضَةِ طَيْفٍ هَزَّهُ القَلَقُ

رمضانُ كَيْفَ تُخَلِّينَا وَتَنْطَلِقُ

ونحن نودّع رمضان الذي «أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار» كما جاء في الأثر، ترتفع أصواتنا مرحّبين بالعيد مردّدين مع صفاء أبو السعود : «أهلا..أهلا بالعيد... مرحب مرحب بالعيد».

عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني