ثقافة

عبدالله العمري: مساحة للتعلم والتكافل.. ساهمت في بناء المجتمع العماني

 

حاورته - خلود الفزاري 

يستعيد عبدالله بن صالح العمري ذاكرة رمضان في مساجد عمان قبل عقود، حين كان رمضان في القرى العمانية يبدأ من المسجد وينتهي فيه، لتتقاطع فيه حياة الناس اليومية، وتتشكل ملامح المجتمع حول جدران بنيت من الطين والحجارة.

يتحدث العمري عن تلك السنوات مستعيدا تفاصيل مختلفة عما نعرفه اليوم، بإمكانات محدودة وحضور عميق للمسجد في حياة الناس، ويقول: كان المسجد في ذلك الزمن المكان الذي تؤدى فيه الصلوات الخمس، وكان مركزا للحياة الاجتماعية والدينية في القرية مضيفا: كنا نقصد المسجد في أوقات كثيرة من اليوم، للصلاة والجلوس مع الإخوة، وقراءة القرآن، وحتى للراحة من تعب العمل. ففي تلك السنوات كان الكثير من الرجال يعملون في الزراعة أو رعي الماشية، وكانت أيامهم طويلة تحت الشمس، لذلك كان المسجد يمثل مكانا هادئا يجد فيه الإنسان قدرا من السكينة بعيدا عن عناء العمل. وكان من الطبيعي أن يمر الرجل على المسجد أكثر من مرة خلال يومه، سواء للصلاة أو للجلوس قليلا في ظله.

مدرسة الحياة الأولى

يتذكر العمري أن المسجد مدرسة اجتماعية تخرجت فيها أجيال من أبناء القرى، ومن العادات الراسخة في المجتمع أن يحرص الآباء على اصطحاب أبنائهم إلى المسجد منذ سن مبكرة، لتعليمهم الصلاة وتعريفهم بالمجتمع من حولهم. مبينا: كنا صغارا نجلس في آخر الصفوف، نراقب الكبار ونستمع إليهم. وتعلمنا احترام الرجال الكبار، وآداب الحديث والجلوس. كان وجود الطفل في المسجد جزءا من عملية التنشئة الاجتماعية، فالطفل يختلط بالرجال، ويستمع إلى تلاوة القرآن، ويتابع الأحاديث التي تدور بعد الصلاة، فيتعلم من ذلك كله قيم المجتمع وتقاليده.

روحانية عميقة

يصف العمري شكل المساجد في تلك الفترة قبل أن تصل الكهرباء إلى كثير من مناطق عمان بقوله: كانت المساجد صغيرة وبسيطة مبنية من الطين والمواد المحلية بلا زخارف أو مظاهر فخمة، ومع ذلك كان لها هيبة خاصة في نفوس الناس. ويبين أن المساجد لم تكن كبيرة كما هي اليوم، لكنها كانت مليئة بالسكينة. في الليل كانت الإضاءة محدودة، وغالبا ما يعتمد الناس على المصابيح التقليدية، ولم يمنع ذلك المصلين من الحضور أو الجلوس في المسجد لقراءة القرآن.

الفلج بوابة المسجد

من المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرة العمري ارتباط المساجد بالأفلاج، وهي قنوات المياه التقليدية التي اشتهرت بها عمان. في تلك الفترة لم تكن المساجد تحتوي على مرافق للوضوء كما هو الحال اليوم، لذلك كان المصلون يتوضؤون من مياه الفلج القريبة. يقف الرجل عند مجرى الماء يغسل وجهه ويديه وقدميه، ثم يتجه إلى المسجد ليؤدي الصلاة. وينوه العمري أن القراءة لم تكن منتشرة بين الجميع آنذاك. في بعض الأيام قد يجلس عشرون شخصا في المسجد، ولا يقرأ القرآن منهم إلا أربعة أو خمسة، ولكن ذلك لم يمنع الآخرين من المشاركة في أجواء العبادة، فمنهم من كان يستمع للتلاوة، ومنهم من ينشغل بالذكر أو التأمل في سكون المكان.

ملاذ من حرّ الصيف

يشير العمري إلى أن الناس كانوا يجدون قدرا من الراحة خاصة في أيام الصيف القاسية داخل أروقة المساجد. ففي ساعات الظهيرة الحارة كان بعض الناس يقصدون المسجد لقراءة القرآن أو للجلوس قليلا في الظل. ومع وصول الكهرباء لاحقا إلى بعض القرى، بدأت المساجد تزود بالمراوح، وأحيانا بالمكيفات، وهو أمر لم يكن متوافرا في كثير من البيوت في تلك الفترة. لذا كان بعض الأهالي يفضلون الجلوس في المسجد خلال النهار، حيث يجدون فيه الهواء أبرد والهدوء يساعدهم على القراءة أو العبادة حتى يحين وقت الصلاة التالية.

المسجد مفتوح للجميع

يؤكد العمري أن المساجد في تلك السنوات كانت مفتوحة طوال اليوم تقريبا. ولم تكن الأبواب تغلق، ولم يشعر أحد أن المسجد مكان خاص بفئة معينة من الناس، فمن أراد أن يصلي دخل وصلى، ومن أراد أن يجلس للذكر جلس، ومن احتاج إلى الاستراحة وجد في المسجد مكانا مناسبا لذلك. ورغم بساطة الحياة لم تكن شؤون المسجد تترك بلا تنظيم. ففي القرى العمانية كان هناك شخص يعرف باسم «الوكيل»، يتولى الإشراف على المسجد وتنظيم شؤونه. وكان اختيار هذا الشخص يتم بناء على ثقة أهل القرية به، لما يتمتع به من سمعة طيبة وقدرة على إدارة الأمور. ومن مسؤولياته متابعة أوقاف المسجد، والإشراف على أعمال الصيانة والترميم، خاصة أن كثيرا من المساجد كانت مبنية من الطين، ما يجعلها عرضة للتأثر بالأمطار والعوامل الطبيعية.

محطة المسافرين

لا ينسى العمري جانبا آخر من دور المسجد وهو علاقته بالمسافرين وعابري السبيل، فالسفر في تلك العقود لم يكن سهلا حين كانت الطرق محدودة، والخدمات شبه غائبة، لذلك كان المسافر حين يمر بإحدى القرى يقصد المسجد ليصلي أو يستريح. وفي كثير من الأحيان كان أهل القرية يدركون بسرعة أن هذا الرجل غريب عن المكان.

مضيفا: لم يكن من المقبول أن يبقى الضيف وحده في المسجد، فبمجرد أن يعرف الناس بوجوده، يسارع أحدهم إلى دعوته إلى البيت، حيث يجد الطعام والمبيت. وكانت تلك العادة جزءا من قيم الكرم التي عرفت بها المجتمعات العمانية، حيث يمكث الضيف عادة ثلاثة أيام على الأقل.

روح المشاركة

يتذكر العمري موائد الإفطار الرمضانية في المساجد: كان الأهالي يجتمعون قبل أذان المغرب، ويجلسون حول مائدة واحدة بما تيسر لديهم من تمر وأرز وخبز. في موائد لم تكن فخمة بقدر ما تعبر عن المشاركة بين الناس، وفي بعض الأحيان، كانت هذه الموائد تنظم بفضل أوقاف أهل الخير، بينما يتبرع الأهالي أنفسهم بالطعام أو المال لتكتمل صورة التكافل. وكان الجميع متحلقين أمام المائدة يتبادلون الأحاديث والابتسامات في انتظار أذان المغرب. وفي الجانب الآخر هناك من يفضلون الإفطار في بيوتهم مع أسرهم، لتبقى موائد المسجد محطة لتعزيز روح التعاون والمشاركة المجتمعية يبقى أثرها حتى اليوم في بعض قرى محافظات سلطنة عمان.

مدرسة للعلم والأخلاق كان المسجد مركزا لتلقي العلم قبل انتشار المدارس النظامية، وبعد الصلاة يجلس الأطفال والشباب ليستمعوا لدروس الفقه، والقرآن، واللغة العربية. وكان الشيخ يشرح ونحن نتابع، ونتعلم الصبر والانضباط والأخلاق، وبعض المساجد تتحول إلى مجالس علمية نشطة في حال وجود عالم أو شيخ قريب، حيث يجتمع الناس بعد الصلوات للاستماع إلى الدروس والمناقشة. وفي رمضان يزداد النشاط العلمي بحلقات التلاوة ودروس الفقه التي تكون جزءا من الروتين اليومي، وتساهم في تخريج أجيال متعلمة أصبحت لاحقا معلمين وعلماء في المجتمع.

أما الحصول على الكتب فلم يكن سهلا، إذ كانت النسخ تتم يدويا، والكتب نادرة وثمينة محفوظة في بيوت العلماء أو طلاب العلم. ورغم غياب المكتبات، كانت الدروس الشفهية والمراجعات اليومية تكفي لنشر المعرفة بين أفراد المجتمع.

تنشئة دينية واجتماعية

يروي العمري بأن حضور الأطفال جزء أساسي من التنشئة الدينية والاجتماعية، كنا نصطحب أطفالنا منذ صغرهم للمسجد، ليعتادوا على الصلاة والانضباط واحترام الكبار، ويتعلموا تدريجيا آداب المسجد، مبينا أنه لم تكن هناك برامج ترفيهية منظمة كما في المساجد الحديثة، وكان النشاط الأساسي يتمحور حول الصلاة وتلاوة القرآن وحلقات العلم، ومع ذلك، فإن الحضور المنتظم كان كافيا لغرس قيم الالتزام والانتماء للمجتمع.

ليتعلم الأبناء الصلاة، وحضور حلقات العلم، ومجالس الذكر، ومشاركة الطعام، في المسجد الذي كان له دور في تشكيل الهوية الدينية والاجتماعية للمجتمع.

ويتابع العمري: كان المسجد مدرسة للمجتمع وفضاء لتقوية الروابط الإنسانية قبل أن تتغير إيقاعات الحياة وتتوسع المدن.