صلاة الجمعة.. بين المشروعية القرآنية والممارسة السياسية
الأربعاء / 28 / رمضان / 1447 هـ - 20:20 - الأربعاء 18 مارس 2026 20:20
يقول الفقيه العماني عبدالله بن حميد السالمي (ت:1332هـ) عن فرضية صلاة الجمعة في كتابه «الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة»: (أطبقت الأمة المحمدية على فرضية صلاة الجمعة مع كمال شروطها، لِمَا حصل لهم مِن الأدلة على ذلك مِن أفعاله وأقواله «أي النبي محمد»، وحملوا الآية على ذلك، فإذا ظهر لك أنَّ الآية ليست نصًا في إيجاب صلاة الجمعة، وإنِّما إيجابها بانضمام ما عُلِم مِن السنة إليها، ظهر لك أنَّه ليس للخصم علينا بظاهر الآية حجة). يرى السالمي أنَّ صلاة الجمعة فرض بشروطٍ لازمة لإقامتها. وهو بهذا يكثِّف -دون قصد مِنه- «الثابت والمتطوّر» في صلاة الجمعة. وفي عصرنا تتبع الباحث السعودي أبو إلياس سويد الأحمدي في كتابه «صلاة الجمعة.. فرض ديني أم حدث اجتماعي» هذا التطور، منذ دخول الإسلام المدينة إلى عصرنا. فيمكن الرجوع إلى الكتابين فيما يرد مِن تداول فقهي في هذا المقال.
وبعد؛ فإنَّ «الاتفاق» على مشروعية صلاة الجمعة قد «خُرِق» في زمننا، مِن قِبَل مَن لا يحتجون إلا بالقرآن، فقالوا بعدم مشروعيتها، وما ورد فيها عدّوه «واقعة حال»؛ أي أنَّ النبي كان يصلي الظهر يوم الجمعة، فلمّا جاءت قافلة التجارة انصرف المصلون عنه، ولو كان انصرافهم في يوم آخر؛ لجاء في القرآن مثلًا: مِن يوم السبت، أو مِن يوم الأربعاء. ولو أراد أنَّها صلاة مخصوصة لقال: «صلاة الجمعة». وقالوا: لَمْ تنقل الروايات خطبة واحدة عن النبي من صلاة الجمعة. والسؤال: هل هذا الرأي صحيح؟
بدايةً.. إنَّ كل سورة في القرآن تحمل وحدة موضوعية، تخدم غرضًا محددًا، و«سورة الجمعة».. جاءت لتبيّن وجوب تعلّم المسلمين القرآن، ليرسخ في نفوسهم؛ بأنَّ يتلوا ما تيسر مِنه، ولا يهجروه، كما أمر الله في العديد مِن آياته. ولتحقيق هذه الغاية؛ دارت السورة على ثلاثة محاور:
الأول.. الآيات: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) «1-4».. بيّنت أنَّ الله بعث محمدًا في الأميين ليتلو عليهم آياته مِن القرآن، ويدعوهم إلى تدبره وتطبيقه بتعلّم الكتاب والحكمة.
الثاني.. الآيات: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) «5-8».. تحدثت عن اليهود وشبَّهتهم بـ«الحمار» في حملهم التوراة وعدم العمل بها، وفي هذا تحذير للمؤمنين مِن الوقوع فيما وقعوا فيه، فيهجرون القرآن؛ تدبرًا وعملًا.
الثالث.. اختتمت السورة بالآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) «9-11».. للحث على السعي لسماع الذكر؛ أي القرآن، عندما ينادى إلى إقامة صلاة الجمعة، والتحذير مِن الانصراف عنها.
لا ذكر للخطبة هنا؛ فيبدو أنَّ انصراف المصلين عن الصلاة حدث والنبي الكريم يصلي بهم؛ رُبَّما لأنَّ صلاة الجماعة ليست بفرض؛ فقاسوا صلاة الجمعة عليها. ولو كان مواجهًا للناس في الخطبة، وانصرف أحدهم لنبهه النبي بلزوم سماع الخطبة.
والروايات التي وردت بشأن الخطبة؛ لم تُسنَد إلى «صلاة الجمعة» وإنَّما أسندت إلى «يوم الجمعة»، ومِن الطبيعي؛ أنْ يخطب النبي في الناس في هذا اليوم الذي له فضله في الإسلام، لأنَّه يوم يتفرغون فيه لصلاة الجمعة الواجب السعي إليها، ويجتمعون مِن الآفاق، فيغتسلون ويلبسون الثياب النظيفة ويتطيبون، فيستغل النبي الحكيم حضورهم فيعظهم أثناء تجمعهم للصلوات الخمس، وهذا ما تشير إليه رواية جابر بن سَمُرة: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائمًا، فمَن نبأك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر مِن ألفي صلاة) «مسلم:862». الرواية.. لا تتعلق بصلاة الجمعة وحدها؛ فالنبي لم تزد كثيرًا صلواته بها عن خمسمائة صلاة، وإنَّما تدل على كثرة مواعظه يوم الجمعة عند الصلوات الخمس؛ وصلاة الجمعة إحداها. وقد حضر الصحابي ابن سَمُرة كثيرًا مِنها؛ قدَّرها بألفي صلاة. والنبي يستغل هذه الخطب كذلك في ترسيخ القرآن في قلوب الناس، فالقرآن.. كان مدار حياته. فقد ورد عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان أنَّها قالت: (ما حفظت «سورة» «ق» إلا مِن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخطب بها كل جمعة) «مسلم:873».
ولو أنَّ الخطبة ملازمة لصلاة الجمعة فقط؛ لَمَا اختُلِف في حكمها، فقد ذهب البعض إلى فرضيتها، وقال البعض بأنَّها سنة؛ كالحسن بن يسار البصري (ت:110هـ)، ومالك بن أنس الأصبحي (ت:179هـ) وعلي بن أحمد ابن حزم (ت:456هـ). وقد ساق السالمي -الذي يقول بفرضية الخطبة- حجج القائلين بأنَّها ليست من شروط الصلاة؛ فقال: (وقال قوم: المقصود بالخطبة الموعظة مِن سائر الخطب، وإنَّها ليست مِن شروط الصلاة، فعلى هذا القول.. فإنَّ صلى الإمام ركعتين مِن غير الخطبة فلا إعادة عليه، على هذا القول). وعلى هذا القول كذلك.. روي إنكار فقيه الدولة الرستمية الإباضي فرج بن نصر النفوسي «نفّاث» (ق:3هـ) الخطبة في صلاة الجمعة، ويبدو أنَّه أنكر فرضيتها وخصوصيتها بصلاة الجمعة.
فكل هذا يتضافر ليدل على أنَّ الخطبة لم تكن مخصوصة بصلاة الجمعة، وإنَّما شرعت صلاة الجمعة لسماع الناس القرآن «الذكر»، وهذا ما فطن له الخليفة عمر بن الخطاب (ت:23هـ)، عندما سمع المسلمين يلحنون بالقرآن، ورأى التصحيف في مصاحفهم، فأرسل إلى الأمصار الكبرى مصحفًا منسوخًا بين يديه مِن المصحف النبوي. فأقيمت صلاة الجمعة لكي يسمع المسلمون القرآن مِنه، فيستقيموا عليه، ويذروا ما خالفه.
ولمَّا وَلِيَ معاوية بن أبي سفيان (ت:60هـ) حكم المسلمين، ومِن بعده بنو أمية، استغلوا الخطبة؛ فجعلوا يخطبون في الناس باسمهم، لكي يتوطّد حكمهم، ويُمْلُوا عليهم أوامرهم. وكانت خطبة واحدة، فلمَّا شاخ معاوية -وقيل: عثمان بن عفان (ت:35هـ)- جلس أثناءها؛ فعُدَّت خطبتين. وقد حافظ بعض المسلمين على الخطبة الواحدة، وكان مِن آخرهم إباضية عمان حتى بداية القرن الخامس عشر الهجري.
وبهذا لا يُسلَّم للقول بعدم مشروعية صلاة الجمعة، ولا لعدم فرضيتها، والسورة مشدِّدة على السعي إليها. وإنَّما في سياق التطور الذي تمليه الحياة على ممارسات الناس؛ أصبحت الخطبة جزءًا مِن صلاة الجمعة، وانعقد (اتفاق الأمة المحمدية) -على حد قول السالمي- على وجوب الصلاة والخطبة. وأعيد تأويل النصوص؛ قرآنًا وروايةً بما يرسّخ الممارسة السياسية، وتحولت صلاة الجمعة لمنح الفقهاء -في حال تمكنهم، أو تمكينهم- مشروعية الحكم للحاكم الذي يرتضونه، ولا يجيزون إقامتها لمَن لا يلتزم بالشروط التي قرروها، ويرون وجوب إقامتها ظهرًا، وإنْ أقامها؛ أمروا الناس بعدم شهودها، لكيلا يُعترَف بحكمه.
خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين».