رأي عُمان

المنطقة بعد انكسار الحواجز

 

منطقة الشرق الأوسط ليست غريبة على الحروب، وليس غريبا أن تدفع المنطقة كلها ثمن صراع يبدأ في نقطة ثم يتمدد أبعد من خرائطه الأولى. الجديد في هذه الحرب أنها تكشف، بوضوح قاس، أن الإقليم لم يعد يملك حتى تلك الحواجز الهشة التي كانت تؤخر وصول النار إلى كل شيء في وقت واحد. فهناك لحظات لا يكون أخطر ما فيها حجم الدمار المباشر، وإنما ما تكشفه من علاقة جديدة بين القوة والفوضى. وهذه واحدة منها.

لم يعد ممكنا أن تُقرأ الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في حدودها العسكرية الضيقة. لم تعد مجرد ضربات وردود وحسابات تتعلق بمن أصاب أكثر ومن خسر أقل. ما يتكشف الآن أوسع من ذلك. دخلت المنطقة وضعا صار فيه طريق الطاقة جزءا من المعركة، وكذلك الأسواق والثقة المالية، حتى انتظام الحياة اليومية. وعندما تصل الحرب إلى هذا الحد، يتغير معناها نفسه. فهي لا تضغط على خصم سياسي فقط، وإنما تبدأ في إنتاج الهشاشة على نطاق إقليمي.

هذا هو الخطر الحقيقي. فالإقليم الذي عاش، خلال العقود الأخيرة، على وعود الاستقرار النسبي، وعلى افتراض أن التجارة والطاقة والتمويل يمكن أن تستمر رغم العواصف، يجد نفسه الآن أمام اختبار مختلف. الحرب لم تقترب من مواقع عسكرية وحسابات ردع فقط. لقد اقتربت من الوظيفة التي يقوم عليها الخليج وهي أنه ممر للطاقة، وعقدة للتجارة، ومجال للثقة والاستقرار. وعندما تهتز هذه الوظيفة، فإن الضرر يتجاوز الاقتصاد بمعناه التقني. إنه يمس تصور الدول لأمنها، ويعيد ترتيب أولوياتها، ويدفع الجميع إلى التفكير بمنطق الانكشاف الطويل.

المشكلة أن الحروب التي تبلغ هذا المستوى نادرا ما تنتهي عند اللحظة التي تتوقف فيها الصواريخ. يمكن إصلاح منشأة، وإعادة فتح ميناء، واستئناف جزء من الحركة. أما الثقة، فإعادتها أبطأ بكثير. الأسواق تتذكر، والدول تراجع أولوياتها، والمجتمعات تكتسب إحساسا جديدا بالهشاشة لا يختفي سريعا. لذلك قد لا يكون الأثر الأعمق لهذه الحرب فيما دمرته الآن، بل فيما ستتركه بعدها من شك دائم في قدرة الإقليم على البقاء خارج منطق الانفجار.

المفارقة أن الحرب التي تُخاض باسم الردع قد تنتهي إلى تقويض شروطه. فحين يغيب الأفق السياسي، وتبقى القوة وحدها تتكلم، فإنها لا تصنع نظاما جديدا، وإنما تفتح المجال أمام اضطراب طويل يبحث كل طرف فيه عن طريقته الخاصة لتوزيع الكلفة على الآخرين. وعندها لا يبقى أحد خارج المعركة، حتى من لم يطلق رصاصة واحدة.

يعرف الشرق الأوسط هذا الدرس جيدا، لكنه يدفع ثمن نسيانه كل مرة. كل حرب كبرى تبدأ بوعد الحسم، ثم تنتهي إلى توسيع الفراغ. وكل مشروع لإعادة ترتيب الإقليم بالقوة يخلّف وراءه توازنا أكثر هشاشة، ومجتمعات أكثر قلقا، ودولا أكثر اشتغالا بالبقاء من الانخراط في المستقبل.

السؤال الذي ينبغي أن يواجه المنطقة الآن لا يتعلق بمن سيتراجع أولا، ولا بمن سيفرض شروطه في نهاية الجولة. السؤال الأجدر هو: ماذا يبقى من الإقليم حين تتكسر الحواجز بين الحرب والحياة؟ ماذا يبقى من معنى الاستقرار حين تصبح الموانئ والمصارف والممرات والاقتصاد اليومي امتدادا مباشرا لساحة القتال؟ عند هذه النقطة يتضح ما الذي تغيّر فعلا. نحن أمام منطقة لا تواجه حربا عابرة، وإنما تقف على حافة طور جديد، تصبح فيه الهشاشة قاعدة، ويغدو التدمير المتسلسل جزءا من المشهد العادي.