العواقب الاقتصادية للحرب مع إيران
الثلاثاء / 27 / رمضان / 1447 هـ - 19:43 - الثلاثاء 17 مارس 2026 19:43
ترجمة: قاسم مكي -
هل ستنتهي حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قريبا؟ يجب الإجابة على هذا السؤال إذا لزمنا التطرق الى نتائجها الاقتصادية المحتملة. لكن هذا يعتمد على الإجابة على سؤالين آخرين. أولهما: هل مصطلح «تاكو» الذي صكَّه روبرت آرمسترونغ وهو اختصار لعبارة «ترامب يتراجع دائما» ينطبق هنا أم لا؟ والسؤال الثاني: هل نهاية الحرب بالنسبة لدونالد ترامب تعني أنها انتهت أيضا لإيران وإسرائيل أو لهما كليهما؟ فإذا واصل هذان البلدان المتقاتلان حربا «وجودية» بالنسبة لهما يمكن أن تستمر الأضرار التي لحقت بالخليج أيضا.
جزء من الصعوبة على الإجابة استحالةُ معرفة ما يريده ترامب. ربما لا يملك هو نفسه فكرةً تُذكر عما يريده. ففي يوم الاثنين 9 مارس أبلغ مؤتمرا صحفيا أن الحرب ستنتهي «قريبا جدا.» لكن قبل يومين من ذلك كتب على منصَّة تروث سوشيال «لن يكون هنالك اتفاق مع إيران خلاف الاستسلام غير المشروط. فبعد ذلك وبعد اختيار قائد عظيم ومقبول (أو قادة عظماء ومقبولين) سنعمل نحن والعديدون من حلفائنا وشركائنا الرائعين والشجعان جدا دون كلل لاستعادة إيران من حافة الدمار.»
رد مسؤولو الحرس الثوري الإسلامي على ترامب بقولهم: «نحن من سنحدد من نهاية الحرب». وأضافوا «طهران لن تسمح بتصدير لتر واحد من النفط» من المنطقة إذا استمرت هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل.
يعزز هذا الإصرار اختيار مجتبى خامنئي الذي فقد أفرادا عديدين من عائلته لخلافة والده. ويبدو كأن إيران عازمة على النصر وليس الاستسلام غير المشروط والذي من المستبعد جدا أن يعقب حملة قصف جوي تقليدية، على أية حال. فبعد أكثر من سنتين من القصف الإسرائيلي لم تستسلم حماس بدون شروط. وإيران يقينا لن تفعل. ذلك سيحتاج إلى استخدام الأسلحة النووية. فهل ترامب مجنون بما يكفي لكي يفكر في ذلك؟
يبدو وقف العداوات «النشطة» معقولا جدا. فقد تعتقد أمريكا أنها فعلت ما يكفي من تدمير وتقرر وقف هجماتها. وإيران التي انهالت عليها الضربات وأثخنتها الجراح قد تقرر وقف مهاجمة جيرانها. وقد يُجبِر ترامب إسرائيل على وقف هجماتها على الرغم من «بقاء» النظام الإيراني.
هذا لن يكون سلاما لكن ربما وقفا مؤقتا لإطلاق النار. باختصار وقف إطلاق النار وليس السلام هو النتيجة المعقولة في الأجل القريب. وسيكون الدافع لذلك إلى حد كبير مخاوف ترامب بشأن أسعار النفط. ومن الممكن أن تكون هنالك نتيجة أخرى وهي استمرار الحرب ولكن بوتيرة أقل بسبب استنزاف أسلحة إيران. بل ربما تبحر السفن عبر مضيق هرمز مرة أخرى.
ما الذي يمكن أن يعنيه كل هذا لاقتصاد العالم؟ يعتمد ذلك على ما يحدث لشحنات النفط والغاز من المنطقة وحجم الدمار في الأجل الطويل لمنشآت النفط والغاز.
تدرس شركة أبحاث الاقتصاد الكلي «كابيتال ايكونومكس» ثلاثة سيناريوهات. أولها لحرب قصيرة وعنيفة تستمر حوالي أسبوعين. تقدر الشركة في هذا السيناريو فقدان حوالي 1.4 % من صادرات النفط السنوية العالمية ونسبة مماثلة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.
السيناريو الثاني مفاده حرب تستمر لثلاثة أشهر لكن مع دمار أطول أجلا ومحدود للمنشآت. الخسائر المقدرة في هذا السيناريو هي فقدان 5% الى 6% من صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال في عام 2026.
ويتصور السيناريو الثالث أيضا حربا تستمر لثلاثة أشهر لكن مع ضرر للقدرة التصديرية يستمر لفترة أطول خصوصا في جزيرة خرج الإيرانية. والتقديرات هنا هي فقدان ما بين 8% الى 9% من الصادرات العالمية للنفط والغاز المسال مع استمرار ذلك في عام 2027.
ومن الممكن أن تصل أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل وأسعار الغاز المسال في الاتحاد الأوروبي (لكل ميجاوات ساعة) إلى 120 يورو.
صدمة الإمدادات العالمية الوحيدة التي يمكن مقارنتها بهذا السيناريو الأخير هي تلك التي شهدها العالم «من أواخر السبعينيات الى منتصف الثمانينيات،» بحسب كابيتال ايكونومكس.
ستكون للحرب الطويلة والمدمرة آثار جديرة بالاهتمام على مستوى الأسعار والنشاط الاقتصادي. يمكن أن يكون التأثير بالغا في البلدان الفقيرة. وفي البلدان الغربية حيث أصبحت «القدرة على تحمل الأسعار» قضية سياسية لن يكون الارتفاع في تكاليف الطاقة مقبولا لدى الناس.
من المؤكد أن النموّ سيتضرر. لكن لأسباب وضَّحها (الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل) بول كروجمان بالنسبة للولايات المتحدة حتى السيناريو الأسوأ لن يقارب في ضرره على الاقتصاد صدمةَ أواخر السبعينيات.
أحد أسباب ذلك أن اقتصاداتنا أصبحت أقل اعتمادا على النفط بقدر كبير منذ ذلك الوقت. وكما ذكر مارتن ساندبو أظهرت أوروبا أيضا أنها الآن أكثر قدرة وإلى حد بعيد في التكيف مع أسعار الغاز المرتفعة مقارنة ببداية حرب أوكرانيا.
سبب آخر وهو أن أداء البنوك المركزية كان أفضل كثيرا في تثبيت توقعات التضخم منذ استيعابها دروس السبعينيات. (أداؤها أفضل في ترسيخ صدقيتها في ضبط الأسعار وذاك باعتماد سياسة نقدية صارمة وتوضيح أهدافها وقراراتها للسوق- المترجم.)
السؤال: ماهي الدروس الاقتصادية الأكثر تحديدا التي يمكن استخلاصها من هذه الصدمة؟
الدرس الأول أننا بحاجة إلى التقليل من هشاشتنا أمام الصدمات المتعلقة بتوافر الوقود الأحفوري. بالنسبة للولايات المتحدة الأثر الصافي للقفزات الكبيرة في أسعار الوقود الأحفوري على إجمالي الدخول الحقيقية إيجابي بقدر متواضع لأنها مصدِّر صافي للنفط والغاز، على الرغم من ضرر الآثار التوزيعية (على الدخول).
لكن العكس صحيح بالنسبة لكل البلدان الصناعية الأخرى تقريبا. وحاجتها واضحة للاستثمار في الموارد المتجددة من أجل لتقليل تضررها من ارتفاع الأسعار.
الدرس الثاني هو الحاجة الى ضمان البنوك المركزية عدم انفلات توقعات التضخم. لسوء الحظ، قفزة الأسعار بعد جائحة كوفيد ترجح ذلك. ويجب على البنوك المركزية الاستعداد للتصدي إلى آثار الجولة الأولى للارتفاع الكبير في الأسعار (أي الحيلولة دون تحوله من النفط والغاز الى تضخم يشمل الأجور وكل السلع والخدمات- المترجم.)
الدرس الأخير هو أن دعم تكاليف الطاقة في كل مرة تقفز فيها الأسعار غير مقدور عليه. ويجب أن يتجه الدعم إلى من هم أكثر تضررا.
لكن الدرس الأكبر هو الأكثر وضوحا. نعم يبدو وقف إطلاق النار المبكر معقولا. وهو ما سيحدُّ من الضرر. لكنه أبعد من أن يكون حتميا. لقد شهدنا مرارا الولايات المتحدة وهي تشن «حروب أهواء» لكنها تقود إلى كوارث فادحة يطول أمدها.
نَأَى هارولد ويلسون (رئيس وزراء بريطانيا (1974-1976) ببلاده عن مأساة فيتنام. ونظرا إلى البداية المتهورة لهذه الحرب كان كير ستارمر (رئيس وزراء بريطانيا الحالي) محقَّا في محاولته فعل الشيء نفسه.
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز