أعمدة

مشاهدات إيرانية شخصية

في مقهى بالعاصمة مسقط دار بيني وبين نادل المقهى الإيراني حوار بسيط عن الأوضاع في بلاده بسبب الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل عليهم، أجاب بابتسامة تعلو وجهه: الحياة تسير بوتيرة طبيعية، الناس يعيشون حياة طبيعية، يتنقلون، يعملون، يعيشون تفاصيل حياتهم اليومية. ثم أردف: طبعا بعض المناطق تتعرض للقصف لا سيما العاصمة طهران وأصفهان وقم وبعض المدن الإيرانية وهنالك خسائر وبعض القتلى وتدمير للبنية التحتية، لكن الحياة تمضي. سألته عن رأيه في الحرب، فقال بنبرة لا تخلو من حسم: هل تتوقع مني، كإيراني، أن أقف مع أمريكا أو إسرائيل وأؤيد حربا تُشن على بلادي؟ لا يمكن لعاقل أن يقف مع من يسعى إلى خراب وطنه.

إجابة النادل الإيراني كنت أعرفها وهي منطقية، وحديثي معه لم يكن بدافع تقصي الحقائق أو معرفة تفاصيل الحرب العسكرية والاقتصادية التي نشأت وستنشأ بسبب هذه الحرب ولا العالم الجديد الذي يمكن أن يتشكل عقب انتهاء هذه الحرب، فقد كنتُ على دراية بكل سيناريوهات الحرب حتى قبل قيامها استنادا إلى تاريخ الصراع بين إيران والقوى العظمى من جهة، وغطرسة الولايات المتحدة ورئيسها الذي ينظر للعالم بأنه مستعد لتلبية رغباته الجامحة من جهة أخرى، وأيضا بالنظر إلى التاريخ القديم والحديث للصراعات الدائرة في العالم بين الشرق والغرب، لكنني كنت أسأله لأتيقن من أن كل الإيرانيين كلمتهم واحدة في حربهم ضد الطاغوت الأمريكي الإسرائيلي ولأنفي ما كانت تزعمه زيفا وسائل الإعلام الغربية من أن هنالك بعض المؤيدين للحرب وهنالك بعض الجواسيس الإيرانيين ممن يخونون بلادهم ويتمنون سقوطها اليوم قبل الغد.

قبل هذه الحرب، كنت قد زرت إيران وعاصمتها أكثر من أربع مرات بعضها للسياحة في شمالها الأخضر، وبعضها ضمن وفود إعلامية إلى العاصمة طهران، هنالك التقيت أطيافا متعددة من الناس، ابتداء برجل الشارع الفقير الذي لا يملك إلا قوت يومه ويحلو له المقارنة بين حياته السابقة أيام الشاه وبين وضع إيران الحالي أيام آية الله؛ حيث يتحسّر ذلك الجيل القديم على أيام الانفتاح والرخاء الذي كانت تعيشه بلاده، وبين الفقر والتضييق عليهم في الرزق خلال السنوات الأربعين التالية لحكم الثورة الإيرانية، إلى التحاور مع النخب السياسية والإعلامية والثقافية عن البلاد وأوضاعها المعيشية.

في شوارع طهران لا سيما في أطول شوارعها «ولي عصر» والذي يعد أطول وأجمل شوارع العاصمة ويمتد مسافة سبعة وثلاثين كيلومترا تقريبا ويقسم العاصمة إلى قسمين من شمالها إلى جنوبها ويكفي أن تمر بهذا الشارع لتقرأ ملامح البلاد كأنها كتاب مفتوح؛ فهو يختصر ثقافة إيران وجمالها وتاريخها فيضم بين جانبيه المحال التجارية والمطاعم والمتاحف والحدائق، وغيرها من المعالم الأثرية والتاريخية، أقول يكفي المرور بهذا الشارع لمعرفة البلاد وتاريخها وحضارتها وأيضا يمكن التنبؤ من خلال هذا الشارع بمستقبلها؛ فالازدحام الكبير والاختناقات المرورية والتلوث الناجم عن عوادم السيارات تمكّن الشخص من معرفة أن التنمية في العاصمة وكثير من المدن الإيرانية متوقفة منذ زمن طويل وبحاجة إلى ضخ ملايين التومانات الإيرانية للانتقال بالبلاد إلى وضع التنمية والتطوير الذي يعود على الإنسان بالخير.

الحديث عن إيران لا يمكن اختزاله في مقال بسيط أو تحليل عميق، فالأمر لدى كثير من الإعلاميين والصحفيين والسياسيين أيضا يبدو أنه من السهل الحكم عليه، خصوصا إذا اكتفى المرء بالقشرة الخارجية مما تراه عينه من أحداث أو معالم أو قراءات تاريخية وفلسفية واجتماعية، لكن الشأن الإيراني أعمق من أن يفهمه حتى الإيراني نفسه وهذا ما قاله لي مسن إيراني يقود سيارة أجرة في شوارع هامبورغ الألمانية الصيف الفائت من أن الوضع في إيران من الصعب التنبؤ والتكهن فيه، فهو كما يقول ذلك الإيراني المهاجر من بلاده منذ أكثر من ثلاثين عاما بأن إيران لا تزال في قلبه وعقله ولا يمكن يمر يوم من دون تذكر طيف بلاده التي تبعد عنه آلاف الكيلومترات فهي كما وصفها أعظم شعراء فارس حافظ الشيرازي «فحبك راحتي في كل حين وذكرك مؤنسي في كل حال».

إيران ليست جغرافيا فحسب، ولا تاريخا، ولا حضارة، ولا حتى دينا أو حداثة؛ إنها مزيجٌ متداخل، تتقاطع فيه كل هذه العناصر حتى يصعب فصلها. هي حالة إنسانية قبل أن تكون كيانا سياسيا.

وأختم بما قاله صديق رحّالة جاب العالم سيرا على قدميه: أجمل بلاد الله التي زرتها هي إيران؛ فيها من الجمال ما يكفي لدهشة العمر، ومن التناقض ما يكفي للتأمل. لعلنا، في النهاية، بحاجة إلى مزيد من العمق لا لفهم إيران فحسب، بل لفهم أنفسنا ونحن نحاول قراءتها.

عبدالله الشعيلي رئيس تحرير جريدة «عُمان أوبزيرفر»