ابن بركة .. بركة الحبر وبركة الوعي
الثلاثاء / 27 / رمضان / 1447 هـ - 19:31 - الثلاثاء 17 مارس 2026 19:31
د. سالم بن سعيد البوسعيدي / باحث في الثقافة والأدب -
أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي البهلوي (ت ٣٤٢هـ / ٩٥٣م)، من قبيلة بني سليمة بن مالك بن فهم الأزدي. وهذه القبيلة من القبائل العريقة في عُمان، منهم أئمة وقادة عظام كأبي حمزة الشاري المختار بن عوف، وكانت تقطن في مدينة صحار وما حولها في القرون الأربعة الإسلامية الأولى، يجاورهم فيها بنو عمومتهم بنو فراهيد بن مالك بن فهم، الذين خرج منهم الإمامان في اللغة والأدب الخليل بن أحمد وأبو بكر ابن دريد والإمام المحدث الربيع بن حبيب.
لا ندري بالتحديد متى كان مولده، ولعله لا يبعد أن يكون بين عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الثالث الهجري، فقد كان معاصرا للإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب، فيذكره مجردًا من لقب الإمامة كما جاء في كتابه «التعارف» وتارة يذكره بلقب الإمامة كما جاء في كتابه «التقييد»، ولعل تأليفه لكتاب «التعارف» كان قبل أن يكون سعيد بن عبدالله إمامًا حاكمًا في عُمان، وتأليفه لكتاب (التقييد) كان بعد إمامة المذكور أو أثناء إمامته التي كانت بين عامي 3320 - ٣٢٨ هـ كان من أجلّ شيوخه أبو مالك غسان بن محمد الخضر الصلاني من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري وهو أكبر شيوخه وأكثرهم عنده إشادة وذكرًا، وأبو مروان سليمان بن حبيب وأبو يحيى مهنا بن يحيى، وهؤلاء هم من مخرجات مدرسة محمد بن محبوب.
عاش ابن بركة في بهلا، تلك المدينة العريقة ذات الطبيعة الخلابة والتاريخ المجيد، ويرى السيابي أن ابن بركة أصله من صحار وارتحل إلى بهلا؛ لأن شيوخه الذين تلقى عنهم العلم ودرس على أيديهم إنما هم من صحار، وفي مقدمتهم شيخه الكبير أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلاني الصحاري، إذ ليس من المألوف أن يرحل من بهلا ويتجه إلى صحار، وداخلية عُمان يومئذ تزخر بالعلماء كأبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، وأبي الحواري محمد بن الحواري، ونبهان بن عثمان ومحمد بن روح الكندي، وأبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي وغيرهم.
وثمة من يرى أن أبا مالك بهلوي الأصل ثم انتقل إلى صلان بصحار ونسب إليها. ولعل انتقاله إلى بهلا كان في عهد إمامة صديقه وزميله أبي القاسم سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب، وطاب له المقام ببهلا، وراقت له تلك المدينة الجميلة. ولعل الاضطراب السياسي الذي كان مخيّما على ساحل عُمان سببا لذلك. فقد شهدت عُمان في ذلك الزمان احتلالا قرمطيًا وآخر بويهيًا، وأحيانًا تكون السيطرة لبعض العمال المحليين لبني العباس، أما في الداخل من عُمان فهو أخف نسبيًا، نظرًا لقيام بعض الإمامات هنالك. كإمامة الإمامين سعيد بن عبدالله، وراشد بن الوليد.
***
يمكننا تمييز ثلاثة أمور صبغت شخصيته: أولها نهمه المعرفي، فقد كان شغوفًا بطلب العلم محبا له مكبا عليه، وهو ما دفعه أن يخرج في مقتبل عمره طالبًا للعلم، وكان نهما يحب الاطلاع والقراءة، اطلع على كتب المذاهب الإسلامية الأخرى، واشتغل بقراءتها، فنقل أقوال أصحابها. والأمر الثاني الذي ميزه هو التأمل والمحاججة العقلية، فمع جمعه مادة علمية جيدة كان حريصًا على النظر والتأمل عند الاستدلال بها، نابذا للتقليد المذموم وراء ظهره، داعيًا إلى التحرر من أغلاله وقيوده. والأمر الثالث هو مدرسته، التي سخّر لها ماله، فقد كان ثريا؛ والمال بيد الرجل الصالح صاحب الهمة سلاح للخير، ولذا سخّر هذا المال لإقامة مدرسته، فكانت لديه أموال تعينه على طلب العلم واستضافة الطلاب حتى من خارج القطر العُماني. كما نجد أوقافا أوقفها لخدمة الناس وطلبة العلم. وأيضا بناؤه لكثير من المساجد ببهلا مثل مسجد الضرح ومسجد الخير ومسجد الشريعة وغيرها.
ويُعد ابن بركة أحد كبار المجددين لفقه المذهب الإباضي في القرن الرابع الهجري، وصار لفقهه صدى كبير عند من جاء بعده من علماء المذهب الإباضي، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب العلماء المتأخرين عنه من نقل أقواله، وتدوين فتاواه، كما أنه أصّل كثيرا من القواعد في الفقه. وهو عميد «المدرسة الرستاقية»، حيث حرر ابن بركة وجهة نظر هذه المدرسة في هذه القضية، فكان لما قاله وقع عظيم في النفوس لم يمت بموته.
يرجح أن وفاته كانت بين عام اثنتين وستين وثلاثمائة للهجرة وعام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة.( ٩٥٣ و٩٦٦م).
(2)
أعظم نتاج علمي وصلنا عن ابن بركة هو كتابه «الجامع» الذي أفرغ فيه عصارة فكره وخلاصة استنتاجاته الفقهية، وأشبع معظم مسائله بحثًا وتدقيقا.
وتميز بأمور أهمها: أن مؤلفه مهّد له بمقدمة اشتملت على نصيب من مسائل علم أصول الفقه، جعلها مدخلًا ومنفذا ينفذ من خلاله إلى الفقه، وبيّن الدافع لهذه المقدمة حين قال: فالواجب عليه - أي: الفقيه ـ إذا أراد علم الفقه أن يتعرّف على أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سُنَّته ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة».
أما الميزة الثانية فهي الفقه المقارن، فعنايته البالغة بفقه مذهبه الذي ينتمي إليه لم تكن تمنعه من ذكر آراء الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى. كما أنه كان خزانة للفقه الإباضي، فكان مرآة عاكسة للفقه الإباضي بمعالمه واتجاهاته وتصوراته ومعالجة فقهائه للقضايا الفقهية من لدن أقطاب المذهب الأوائل الذين قامت أسسه ودعائمه على أيديهم، حيث قام بغربلة مسائل فقه الواردة في كتب الجوامع الفقهية السابقة عليه، كما قام بتبسيطها باختصار، مبتعدا عن الإطالة والتفريعات الفقهية التي عنيت بها الكتب الجوامع المتقدمة عليه. واعتنى بإبراز المسائل الفقهية التي ورد فيها الاتفاق بين علماء المذهب حتى العصر الذي يعيش فيه، كما أبرز المسائل الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين علماء المذهب حتى تلك الحقبة من الزمن. كما يشير إلى ذكر معتمد المذهب الإباضي في المسائل الخلافية في العمل والفتيا، وما تجري به الأحكام عند علمائه، وبيان الشاذ والمتروك من الأقوال. فضلا عن حفظه كثيرًا من آراء علماء المذهب الإباضي المتقدمين على عصره ممن لم تصل إلينا مؤلفات لهم. كما اهتم بصياغة كثير من القواعد والضوابط الفقهية على هيئة نصوص قصيرة.
ولهذا كله جاء كتاب «الجامع» فريدا من نوعه بين كتب الإباضية المشارقة المعروفة بـ«الجوامع»، وأصبحت له مكانة مفردة لا ينافسه فيها كتاب في عُمان ـ قصار مادة الدرس والتدريس وكثر النقل عنه، حتى سمّي هذا «الجامع» بـ«الكتاب»، فإذا وُجد في شيء من كتب المشارق كـ«بيان الشرع» و«المصنف» قولهم: من «الكتاب» فالمراد بذلك كتاب «الجامع».
(3)
تناول ابن بركة في «الجامع» كثيرًا من المسائل الفقهية بين إطناب وتوسع في التحليل لبعضها، وإيجاز واختصار لبعضها الآخر. فكان الباب الأول عن الأخبار، تناول فيه الأخبار المروية عن النبي، وذم التقليد، والناسخ والمنسوخ من القرآن والمحكم والمتشابه، وحكم تكرار القصص والألفاظ، وباب الإضمار والكناية، والخاص والعام. ثم يعرض بعض مسائل التوحيد وإثبات النبوة. ثم يذكر ترتيب ما نزل من الأحكام في القرآن، ويذكر بعض المسائل التي اختلف فيها عن أصحابه.
وانتقل من بعد إلى موضوع الوضوء ثم انتقل إلى باب المياه وأحكامها، وباب التيمم، وما ينقض الطهارة، وغسل الميت، والحائض والنجاسات. ثم باب الصلاة ثم الزكاة، فالصيام، ثم الحج والعمرة، ثم عرض مسائل أخرى في كفارة الظهار والإيمان والصيام والنذور، والزواج والطلاق، والأحكام والبيوع، وغيرها من مسائل فقهية.
وهناك ملاحظتان أولهما: عدم تبويب مسائل الكتاب حسب الترتيب الموضوعي الفقهي المعروف، فهناك مسائل في الأحكام وفي المعاملات وفي الحدود عرضت قبل مسائل في باب الصلاة، وهناك مسائل في باب الطلاق والعدة والعتاق جاء عرضها بين مسائل في باب البيوع ومسائل في باب الإيجارات، إلى غير ذلك الأمثلة التي تظهر عدم الترتيب والتنسيق.
والأمر الثاني تكرار مسائل عديدة، أحيانا بعرض مغاير لورودها السابق في الكتاب، وأحيانا تكرر بنفس ألفاظها.
ومنهج ابن بركة في كتابه: «الجامع» كان منهجًا استدلاليا قائما على الاستدلال بالقرآن الكريم، والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان، ولم ينهج منهجا واحدًا متشابها عند بدايته لطرح مسائله الفقهية، غير أن غالب ما جرى عليه هو استهلال المسألة بقوله: اختلف أصحابنا»، أو «اتفق أصحابنا»، أو «اختلف الناس»، أو «أجمع الناس». وقد يصدّر المسألة بآية قرآنية أو حديث نبوي، ثم يقوم بعد ذلك باستخلاص أهم ما ينطوي تحت كل واحد منهما من أحكام فقهية، كما يصدر في أحيان أخرى بحكم فقهي يتبعه بما يدل عليه.
وقد سلك عند عرضه المسائل التي يذكرها في كتابه: «الجامع» مسلك المقارنة في كثير من المواضع بين آراء الفقهاء من المذهب الإباضي والمذاهب الإسلامية الأخرى، إذ يورد عادةً رأي المذهب الإباضي ويتبع المسألة أو خلاف علمائه في تلك المسألة عند وجود الخلاف فيما بينهم، ثم يذكر عقب ذلك ما يحفظه من آراء الفقهاء الآخرين في تلك المسألة، ونجده عند ترجيحه لما ذهب إليه واختاره يناقش أدلة مخالفيه، ويفترض كأن أحدًا من مخالفيه يقوم بالاعتراض على أدلته هو وتفنيدها، فيحاول الإجابة على تلك الاعتراضات. وهو منهج حجاجي قويم. ومع ذلك لا يرد استدلال مخالفه، بل يحاول أن يحتمل له وجهًا من الصحة ما دام مبنيا على حجة مقبولة.