يوميات السيد علي بن حمود في مدرسة هارو
الثلاثاء / 27 / رمضان / 1447 هـ - 19:31 - الثلاثاء 17 مارس 2026 19:31
د. أحلام بنت حمود الجهوري / باحثة وكاتبة في التاريخ
تقع مدرسة هارو للنخبة في شمال غرب لندن، وتأسست بأمر من الملكة إليزابيث الأولى في عام 1572م، وهي من المدارس الشهيرة التي يدرس بها الصفوة من أبناء المجتمع الإنجليزي أو أبناء العائلات الملكية، ومن الشخصيات الشهيرة التي درست بها؛ رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل (1874-1965م) المنتمي إلى سلالة عائلات الدوقات الأرستقراطية وهي أحد فروع عائلة سبنسر.
في عام 1898م أرسل السلطان حمود بن محمد البوسعيدي - ثامن سلاطين أسرة البوسعيد في سلطنة زنجبار- ابنه السيد علي ليدرس فيها من منطلق تهيئته ليكون خليفة له في الحكم. وكان عمره حينما أُرسل إلى مدرسة هارو 14 عاما، حيث وُلد السيد علي بزنجبار في 7 يونيو 1884م.
وأثناء بحثي في دائرة الاطلاع بهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية عن وثائق تتعلق بموضوع بحثي أعمل عليه، وقع بين يدي ملف خاص يتعلق بكل ما يخص دراسة السلطان علي بن حمود في مدرسة هارو، تحت عنوان: (تعليم السيد علي بن حمود وعلاقته بوالده السلطان حمود)، محفوظ بالرمز المرجعي: OM.NRAA.A.2.2.6.1.4.2. ولم أستطع إلا الاستغراق في قراءة الوثائق وأنا في حالة من الذهول والسعادة الغامرة وكأنني أمام مشهد سينمائي يوثق حوارا طويلا بين السلطان وابنه وخلفهما تقف زنجبار ولندن مصغيتين!
يضم هذا الملف الأرشيفي حوالي 69 وثيقة، توثق مراسلات بين السلطان حمود بن محمد وابنه السيد علي أثناء دراسته في مدرسة هارو ببريطانيا، وتتضمن كذلك رسائل متبادلة بين السلطان حمود وبعض الشخصيات التي أشرفت على دراسة السيد علي في لندن، وأبرزها: السير جون كوكس والسير لويس وليم ماثيوس. ويقع الإطار الزمني للمراسلات خلال الفترة: (1898- 1902م).
وكنظرة خاطفة على تلك الرسائل التي كتبها السيد علي بخط يده، أشبه بمذكرات يومية يصف فيها حالته النفسية، والصعوبات التي يواجهها، وتحركاته، وملاحظاته على ما يدور حوله. وحملت تعبيرات من قبيل: «من ولدك علي بيده»، «من ولدك علي بن حمود بيده». وتُظهر تلك الرسائل اللغة الأبوية المفعمة بالحب والفخر والحرص كذلك. يقول السيد علي بن حمود مخاطبا والده السلطان حمود بن محمد: «أسعد الله أوقاتك سيدي وذخري وولي نعمتي المطاع حمود بن محمد بن سعيد بن سلطان أدام الله لنا بقاءك الجميل وكان الله له حافظا ومعينا وكفيلا بحق من نزل عليه الوحي أحسن تنزيلا». ويظهر من خلال تلك المراسلات الأدب الجم والتقدير الكبير الذي يُظهره السيد علي لوالده السلطان حمود.
وتظهر تلك الرسائل تبادل الأخبار بين السيد علي وأسرته واستفساره عن الأحوال والاطمئنان على الأسرة، موضحة ارتباط السيد علي بأسرته وترصد عاطفته الجياشة بسبب الغربة، فيختم السيد علي رسائله بسلامه قائلا: «سلامي للأخوة والعمات وأمي وكل أهل البيت»، «تفضل أبوي سلم لي على أمي وعلى أخواتي وعلى عمي وعماتي».
كما توثق المراسلات جانبا تربويا مهما يتمثل في طلب الإذن، فيطلب السيد علي من والده السلطان الإذن والرخصة في ممارسة بعض الأنشطة مثل: ركوب الخيل، والتفرج على الطرق والشوارع، والتفرج على ساحل البحر، والسفر إلى لندن. ومن جانب آخر توثق المراسلات طلبات السيد علي الكثيرة والمتنوعة كذلك، ومنها: إرسال مبالغ مالية، وطوابع بريدية زنجبارية، وحلويات، وإرسال زنجبيل أو قرطل، ويشير إلى أنه يريد العربي وليس الإنجليزي. وبعض طلباته يضمنها مبررا حتى لا تواجه بالرفض من والده، من قبيل إرسال ساعة لأن ساعته انكسرت، وإرسال بعض التحف لعيد الكرسميس، وطلبه بإرسال خنجر لأن خنجره أصبح صغيرا عليه، منوها بأنه يفضل إرسال الكتارة حتى يصور معها ويرسل صورته لوالده. وتوثق المراسلات كذلك، زيارة السيد علي لعدد من الدول الأوروبية التي ترتبط بعلاقات تجارية مع زنجبار، فزار كلا من: إيطاليا، وألمانيا، والنمسا، وفرنسا. ورصد مشاهداته في تلك الدول لوالده السلطان.
ومن تتبع الرسائل المتبادلة، يظهر أن السيد علي لم يتحمل ضغوط الدراسة وهو ما توثقه رسالة مؤرخة في 9 أغسطس 1900م يوضح فيها السيد علي رغبته في الخروج من مدرسة هارو وأنه -بحسب تعبيره- من غير المجدي ضياع دراهم والده فيها، ويطلب الدراسة مع معلم خصوصي.
ومن الملاحظات العامة في اللغة التي كُتبت بها رسائل السيد علي، استخدامه للكثير من المصطلحات ذات الخصوصية العُمانية منها: الآن أهون (أحسن)، يوم الثلوث (الثلاثاء)، وشاهي (شاي)، زاهب (جاهز)، أهجس (أحس/ أشعر)، مشتل (متحرك)، الأوادم (الناس)، أسير (أذهب)، الإذن (الرخصة)، وغيرها الكثير.
إن تجربة السيد علي في مدرسة هارو كانت تجربة إعداد له من جميع النواحي لخلافة والده، فمن الناحية التعليمية، تلقى السيد علي علومه في إحدى أهم المدارس الإنجليزية (مدرسة هارو). ومن الناحية الثقافية، عاش السيد علي بن حمود في المجتمع الإنجليزي قرابة (4) سنوات، فكان على معرفة ودراية بأسلوب الحياة الأوروبية. كما تم إعداده دبلوماسيا من خلال إسناد بعض المهام الدبلوماسية له: كحضور حفل تنصيب الملك إدوارد السابع في ويستمنستر بلندن في مطلع عام 1902م نيابة عن والده السلطان حمود بن محمد.
في 20 يوليو 1902م توفي السلطان حمود بن محمد وتم استدعاء السيد علي من لندن لتنصيبه سلطانا في زنجبار تحديدا في قصر العجائب، حيث وصل إلى ميناء زنجبار في 27 يوليو 1902م. وكان لهذه التجربة أثرها في الكثير من الإنجازات التي حققها السلطان علي وكانت سببا رئيسيا في إنشائه مدرسة عصرية في زنجبار عام 1908م، تكفل بكل مصاريفها شخصيا. خرج السلطان علي بن حمود من المشهد السياسي في زنجبار بشكل مفاجئ، ولا يزال ذلك مثار أسئلة وتحليلات عدة. فمن باريس تنازل عن عرش زنجبار، وأُعلن عن خبر الاعتزال في زنجبار 9 ديسمبر 1911م، وتم تنصيب زوج أخته معتوقة -السيد خليفة بن حارب- سلطانا. وبعد الاعتزال أو العزل عاش السلطان علي بن حمود في باريس، وكانت وفاته 18 ديسمبر 1918م، عن عمر ناهز 34 عاما.