أعمدة

قصصُ التدبير

لم يخلُ تاريخ العرب من العقل، يُعمَل في ميادين شتّى، ويُجْرَى أساسًا للحكمة وعميق التبصّر، وسيادة فكرة أنّ العرب أمّة شعور وشعر وعاطفة غالبة على تصاريف حياتهم هي فكرة راجعة إلى منظورٍ ضيِّق وسبيلٍ موجَّه. ولقد سار تاريخ أدب العرب -في رأيي- مسارًا مجانبًا للصواب، ويحتاج اليوم إلى إعادة نظرٍ وعميق فكرٍ. أفكارٌ عديدة سائدة تحتاج إلى تثويرٍ وتثبيت، ومن هذه الأفكار السائدة أنّ القصص العربيّ أصله وجدانيّ عاطفيّ، وأنَّ مظاهر الفكر والتدبير فيه آتيةٌ من شعوبٍ أخرى، ولذلك اختُصِر القصص السياسيّ العاقل في كتاب كليلة ودمنة، واختُصِر القصص المخيّل الممتع في ألف ليلة وليلة، وكلاهما مترجم قادم من حضارات أخرى في التصوّر الغالب. وأنا أرى أنّ هذا الاعتقاد في ردّ هذين الأثرين إلى أصول غير عربيّة، هو اعتقادٌ ينزع عن القصص العربيّ التدبير والتفكير والتخييل، ويشدّ مزاج العرب إلى صحراء يتغنّون بها وامرأة يهيمون بوجْدهَا وحرب يخوضون غمارها حماسًا ونخوةً وقيم وجوديّة وأخلاقيّة بها يحيون. والحالُ أنّ أدب العرب فيه من العقل والحكمة وحسن التدبير في مختلف مجالات الحياة ما يُوازي أدب العاطفة والمشاعر، وفيه أيضًا من الآثار القصصيّة العقليّة البرهانيّة ما يتجاوز كتاب كليلة ودمنة لابن المقفّع وكتاب حيّ بن يقظان لابن طفيل ورسالة الغفران للمعرّي، ورسائل إخوان الصفا، فآثارٌ عديدة خرجت عن قصص الوجدان وعن قصص الحال وعن القصص الديني وعن قصص الإمتاع لتُبْنى على الرأي والفكر، وتتحوّل القصّة إلى أداة برهانيّة تُقَام لغايةٍ أساسٍ هي تحقيق وإثبات مقدّمات منطقيّة نظريّة يُنشئها المؤلّف ويردفها بالقصّة التي تُبين للذات المخاطَبة البرهان اليقين على صحّة النظريّة، ومن ضمن هذه الكتب التي اعتمدت على القصص الاستدلالي البرهاني دون فقدانِ البعد التخييلي ولذّة القصص كتاب السلوانيات، سلوان المطاع في عدوان الأتباع، لأبي عبد الله بن ظفر الصقلّي المتوفّي سنة 568 هـ، وهو كتاب حاملٌ في ثناياه لمعاني عنوانه، فهو ترشيد للحاكم وتوعية، وحمل على إعمال العقل فيما يتأتّى من مناكد الأمور ومساوئ السياسة وخذلان الصحب وانقلاب الأولياء، وصاحبُه لا يُقيمه على محض النصح والإرشاد أو الوعظ وعرض الحِكَم والأحكام، وإنّما هو يبني به ذهنًا فطِنًا، ويشيد بواسطته آليَّة تدبير وتقدير، الأمر الذي يضعنا أمام ضرورة انتهاج سبيل العقل السارد، وتتبّع ما أَصْطلح على تسميته بالقصص العاقل، الذي يشفّ عن مركزيّة العقل في التراث العربيّ. فابن ظفر الصقلّي في هذا الكتاب لا يعتمد القصص أداة لتسلية الحاكم أو لتحقيق مطلب والجواب عن مسألة، كما هو معهود القصص في التراث العربيّ، وإنّما هو يقصّ سيرةَ العقل وهو يُواجه عثراته وأزماته، ففي سلوانة 'التأسّي' -على سبيل المثال- يتخطّى القصص عِبْرَة التذكير بإحن السابقين ومحنهم، ليتحقّق أداةً بها يُستعادُ التوازن المنطقي، فمحنة الملك أو الحكيم هي وضعيّة مجهريّة اختباريّة، تحتاج إلى نظر وإعمالِ رويّة، وتحتاج أيضًا إلى تفكيك المكائد وبيان أسبابها وعللها ومختلف أشكالِ ظهورها، ومنه يُستنبط الحلّ الممكن الذي يُستصفى في قاعدة منطقيّة ثابتة. السرد العاقل لا يقتصر على إمتاع التخييل، الحاصل بالضرورة، بل هو ضاربٌ بجذوره في بلوغ برهان اليقين، وعليه فإنّ مسلكًا في التراث العربيّ يعتمد آلة القصص حجّةً ومنطقًا وأداة للبيان والبرهان لا يفقد قوّة الإمتاع ولذّة التهويم وقوّة الحبك. فالقصص الذي يعرضه ابن ظفر ليس بارد المأتى ولا عاري المتعة، وإنّما هو قصص مُرغِّبٌ، ممتع، يتحرّك فيه البشر، وينطق فيه الحيوان، وتتوالد القصص بعضها من بعضٍ، وتنفتح عُلب الحكايات في سرد إطاريّ تتضمّن فيه القصّة الأمّ قصصًا أصغر بما يشبه بنية الحكاية في ألف ليلة وليلة. إنّ ما يُميّز 'السلوانيّات'، هو الاقتدار العجيب للذات المؤلّفة على الجمع بين 'لذّة النصّ' و'قوّة البرهان'. فالتدبير القصصيّ محكم الضبْط، تتعاضَد فيه الحكايات النوى داخل الحكاية الأصل، أو الحكاية الإطار، فيغلب التضمين القصصيّ، وتُفضي الحكايةُ إلى حكاية، وتؤدّي العبرة إلى عبرة، ويؤخَذ القارئ بعوالم الحكايات المتنوّعة، يحمله الشغف إلى بلوغ النهايات وإدراك المعنى منها، فقصّة الملك والنسّاك -على سبيل المثال- لا تُروى في خيطِ سرْد متواصل، وإنّما هي مولّدة لحكايةٍ تولّد بدورها حكاية ثاوية، لتٌغلق من بعد ذلك جميع الحكايات من الأصغر إلى الأكبر، وهي الطريقة التي يُعبَّر عنها بالحكاية بآلية العلبة الصينيّة، أو الحكاية الإطاريّة، وهذا التوغّل في تعداد الحكايات وتنويعها، قائم على منطق سلس، واستدلالات صغرى هي خدم للفكرة الأصل وللقاعدة البرهانيّة الأساس التي تكون الحكايات مختبَرها وأرضيّة بيانها. قصص استدلالي أصغر في خدمة القاعدة المنطقيّة الكليّة. يصبح الذهن السّارد ذهنا برهانيّا منطقيّا، يبني الحكاية لغرس القاعدة الأصل في ذهن المتلقّي، فالسارد في هذا المقام هو ساردٌ مدرك لوسائل القصص ولمبادئ حياكته، غير أنّ بنيته السرديّة العميقة هي بنية عقلية استدلالية منطقيّة. أردنا من كل هذا العرض أن نقف على فكرة يُمكن أن تغيّر قراءتنا لتاريخ القصص، ومفادها أنّ عقلاً سرديّا متحقّقًا في عدد من النصوص التراثيّة العربيّة الخالصة، وأن ما يُروّج من دراسات تردّ ميل القصص العربيّ الفكريّ إلى الترجمة عن الفارسيّة والهنديّة هو رأي قابل للنقاش، ويُمكن أن نظفر بهذا القصص العقليّ، الناتج عن سارد حكّاء يغلب عليه البرهان والبيان، فيُجريه في ثنايا التخييل، في عدد وفير من المدوّنات النثريّة القديمة منها ما يدخل في باب الأدب، مثل بخلاء الجاحظ، ومنها ما يدخل في باب الآداب السلطانيّة، مثل كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة لأبي بكر محمد بن الحسن المرادي (498 هـ)، الذي تُحمل فيه القصص على البرهان القطعي لبيان فن الممكن السياسيّ ومظاهر المكر المحمود، ومنها ما يدخل في باب الفلسفة والمنطق، مثل رسالة تداعي الحيوان على الإنسان من رسائل إخوان الصفا (القرن الرابع الهجري)، التي تعرض مناظرة قصصيّة تُجرى فيها لغة الحيوان لبيان مفاهيم الاستخلاف والصلة بين المادة والجوهر، ومنها ما يدخل في باب المناظرات المذهبيّة، مثل كتاب الانتصار والردّ على ابن الروندي الملحد وما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم لأبي الحسين عبد الرحيم الخيّاط المعتزلي (321 هـ)، الذي يرتكز على القصص لإسقاط حجج الخصوم. إنّ في أشباه هذه المصادر المبثوثة في المكتبة العربيّة إظهارا لقدرة العقل السردي الذي يصنع القصص لاختبار أفكار ولإظهار براهين، ولبناء عقل سرديّ استدلاليّ دون تجريد القصص من مبدأ المتعة واللذّة، فالتدبير في هذا المقام مبنيّ على الاستمالة والاستحسان القصصيّ.