عمان العلمي

سيرة الكائنات الأولى.. نظرة جديدة على نشأة الخلية المعقّدة

 

سعد صبّار السامرائي -

تُسلّط موجةٌ من الدراسات الجديدة الضوء على إحدى أعظم القفزات في تاريخ الحياة: تطوّرُ الخلايا المعقّدة قبل نحو ملياري سنة من خلايا أبسط. وفي البحر والبر يعثر العلماء على ميكروباتٍ انتقالية نادرة تجسر هذه الهوّة.

إن الفروق بين الخلايا المعقّدة -ومنها خلايا جسم الإنسان- وبين الميكروبات البسيطة مثل الإشريكية القولونية (E. coli) فوارقُ صارخة. فالخلايا المعقّدة مكتظّةٌ بتراكيب داخلية؛ إحداها تُسمّى النواة وتخزّن الحمض النووي (DNA)، وأخرى تُسمّى الميتوكوندريا وتضمّ إنزيماتٍ تولّد وقود الخلية. كما تُدعَم الخلايا المعقّدة من الداخل بشبكةٍ من الخيوط البروتينية الدقيقة، تستخدمها للزحف عبر تفكيك أجزاءٍ منها وبناء امتداداتٍ جديدة.

أمّا الإشريكية القولونية فلا تملك شيئًا من ذلك: لا هيكلًا داخليًا، ولا ميتوكوندريا، ولا نواة. وتُشكّل هذه الفروق (وغيرها كثير) أحدَ أعمق الانقسامات في العالم الطبيعي. فالأنواع التي تتكوّن من خلايا معقّدة تُسمّى حقيقيات النوى، وهي مجموعة تشمل الحيوانات والنباتات والفطريات، إلى جانب الأوّليات. أمّا الميكروبات البسيطة مثل الإشريكية القولونية فتُعرَف باسم بدائيات النوى.

وهنا يلزم تمييزٌ اصطلاحيٌّ مهم: فـبدائيات النوى ليست نطاقًا واحدًا، بل تضمُّ نطاقين كبيرين في شجرة الحياة: البكتيريا والعتائق. والعتائق كائناتٌ دقيقة تشبه البكتيريا في بساطة بنيتها الخلوية، لكنها تختلف عنها وراثيًا وكيميائيًا في تفاصيل عديدة، وبعض سلالاتها -كما تكشف الدراسات الحديثة- تقف أقرب مما كنا نظن إلى السلالة التي خرجت منها حقيقيات النوى.

لقد ظهرت بدائيات النوى قبل أكثر من أربعة مليارات سنة. أمّا حقيقيات النوى فظهرت بعد ذلك بزمنٍ طويل، في فترةٍ ما بين 2.5 وملياري سنة مضت. وكيف تطوّرت حقيقيات النوى المعقّدة من بدائيات النوى الأبسط ظلّ سؤالًا يُحيّر العلماء منذ عقود.

كتب داروين إلى غراي: «حين أفكّر في التدرّجات الدقيقة المعروفة يخبرني عقلي أنّ عليّ أن أتغلّب على تلك القشعريرة الباردة». ومع ذلك، ظلّ خصومُ التطوّر يُثيرون الشكّ في إمكانية أن تتطوّر العيون. وحتى في تسعينيات القرن العشرين، زعم بعض أتباع معهد ديسكفري -الذي يتبنّى فكرة التصميم الذكي- أنّ الانتقاء الطبيعي سيحتاج إلى بلايين السنين كي يُنتج عينًا، وهو زمنٌ أطول بكثير من المدّة التي وُجدت فيها الحياة على الأرض.

وقد ضاق دان نيلسون، عالم الأعصاب في جامعة لوند بالسويد، ذرعًا بهذه الادعاءات إلى حدٍّ دفعه إلى تقدير المدّة التي قد يلزمها رقعةٌ من خلايا حسّاسة للضوء كي تتطوّر إلى عينٍ قادرة على تكوين صورة. واستعاد الدكتور نيلسون الأمر قائلًا: «قلتُ في نفسي: يا للمفارقة، هذا حسابٌ سهل... فلنقم به».

وفي عام 1994، خلص إلى أنّ عينًا مُكوِّنة للصورة يمكن أن تتطوّر في غضون بضع مئات الآلاف من السنين فقط. وقال الدكتور نيلسون: «ليست النتيجة دقيقةً على أيّ نحو، لكنها تُظهر أنّ الوقتَ متاحٌ بوفرة لكي تتطوّر العيون».

وكان النموذجُ الحسابي يعالج مسألةَ تطوّر شكل العين وحده. أمّا في الواقع، فقد حدثت تغيّراتٌ أخرى كثيرة على امتداد الطريق. فكان لا بدّ مثلًا من ظهور بروتيناتٍ جديدة تستطيع ثني الضوء داخل العدسة، في حين امتصّت بروتيناتٌ أخرى الضوء في الشبكية.

في تسعينيات القرن العشرين، جاء خيطٌ مهم من دراساتٍ دقيقة للميتوكوندريا، وهي «مصانع الطاقة» في الخلية حقيقية النوى. فقد اكتشف الباحثون داخل الميتوكوندريا مجموعةً صغيرة من الجينات تختلف تمامًا عن الحمض النووي الموجود في النواة. وبدلًا من ذلك، تبيّن أنّ للميتوكوندريا صلةً وراثيةً قويةً ببكتيريا تستخدم الأكسجين لإنتاج الطاقة. وقد أوحى هذا الاكتشاف بأن أسلافَ حقيقيات النوى ابتلعوا بكتيريا هوائية تولّد الوقود بالأكسجين، ثم سخّروها لإنتاج وقودهم الخاص. ومع ذلك، تركت هذه البصيرة أسئلةً كثيرة عن حقيقيات النوى بلا جواب. من ذلك مثلًا: ما طبيعة الكائن الذي كانت تمثّله الخليةُ الأصلية التي ابتلعت الميتوكوندريا؟

وجاءت قرينةٌ كبرى عام 2015 إذ استخلص العلماء شذراتٍ من الحمض النووي من رواسب جُمعت من قاع المحيط المتجمّد الشمالي، ثم أعادوا تركيبها لتكوين جينوماتٍ كاملة لميكروباتٍ تعيش في تلك الرواسب. واتّضح أنّ أحدها لا يشبه شيئًا عُرف من قبل: بدائيةُ نوى تملك عددًا كبيرًا من الجينات التي لم يكن يُعثر عليها سابقًا إلا في حقيقيات النوى.

ومن بين تلك الجينات «حقيقية النوى» جيناتٌ يشارك بعضها في بناء الهيكل الخلوي. وتساعد جيناتٌ أخرى على إنشاء مواقع داخلية تُحلِّل فيها خلايا حقيقيات النوى البروتينات القديمة. بدأ العلماء يبحثون عن أفرادٍ آخرين من هذا النَّسَب ذي السمات الشبيهة بحقيقيات النوى. وكانت عمليات البحث في البداية بطيئةً على نحوٍ مُنهِك، وجاءت معظم الاكتشافات من رواسب أعماق البحار. وقد أطلق العلماء على هذه السلالة اسم «أسغارد» (Asgard)، تيمنًا بموطن الآلهة في الأساطير الإسكندنافية (النوردية)، ولأن الباحثين الذين اكتشفوا هذه السلالة من العتائق أرادوا اسمًا ينسجم مع الميثولوجيا الإسكندنافية، فاستُخدم الاسم بوصفه استعارةً لعالَمٍ ميكروبيّ جديد ظهر وكأنه يقف قرب عالم حقيقيات النوى ويجسر الفجوة بينها وبين بدائيات النوى. ومن هنا جاءت أيضًا أسماء فروع داخلها مثل عتائق لوكي (Lokiarchaeia)، وعتائق ثور (Thorarchaeia)، وعتائق هايمدال (Heimdallarchaeia).

وقد أمضى بريت بيكر، عالم البيئة الميكروبية في جامعة تكساس بأوستن، السنوات القليلة الماضية في تسريع هذا البحث. حيث خرج هو وزملاؤه في بعثاتٍ لصيد عتائق «أسغارد» إلى مواقع في أعماق البحر قبالة سواحل كاليفورنيا، وإلى مياهٍ ساحليةٍ ضحلة في الصين. ثم عاد الباحثون إلى مختبرهم واستخدموا تقنياتٍ جديدةً شديدةَ القوة للعثور على حمضٍ نووي لميكروباتٍ نادرة.

وقد أثمرت هذه الجهود، كما أفاد بحثٌ منشورٌ في مجلة نيتشر بتاريخ 18 فبراير 2026 بعنوان: Oxygen metabolism in descendants of the archaeal-eukaryotic ancestor”. «أيض الأكسجين في سلالة السلف المشترك بين العتائق وحقيقيات النوى». إذ عثر الباحثون خلال بعثاتهم على 404 أنواع جديدة من «أسغارد»، كما تبيّن لهم أنّ قواعد البيانات المستمدّة من مسوحاتٍ سابقة كانت تضمّ 30 جينومًا إضافيًا من «أسغارد» لم يُلتفَت إليه.

وخلاصةُ ما تقترحه الدراسة: نموذجٌ مُحدَّث لنشأة حقيقيات النوى يتمحور حول عتائق هايمدال، ويرجّح أنّ إنتاج الهيدروجين والتنفس الهوائي كانا حاضرين لدى السلف المشترك بين «أسغارد» وحقيقيات النوى، ما يضع عوامل الطاقة-حيوية في قلب تفسير انتقال الحياة من البساطة الخلوية إلى التعقيد. ومما لا ريب فيه أن اكتشاف تنوّع «أسغارد» يفتح نافذة جديدة للنظر في تطوّر الكائنات الراقية.

يعيش كثيرٌ من «أسغارد» الجديدة في أعماق البحار، لكن بعضها يقيم في المياه الساحلية. وبعضها الآخر يعيش على اليابسة في مواطن تمتدّ من التربة الصقيعية إلى البحيرات الساحلية.

ومع أنّ العلماء صاروا أمهر في العثور على حمض «أسغارد» النووي فإنهم ما زالوا يواجهون صعوبةً في دراسة خلاياها الحيّة. وقد أمضت كريستا شليبر عالمة الأحياء الدقيقة في جامعة فيينا وزملاؤها ثماني سنوات في معرفة الطريقة المناسبة لتنمية هذه العتائق كانوا قد وجدوها في رواسب خالية من الأكسجين على ساحل سلوفينيا. وأخيرًا وضع الباحثون بعض عتائق «أسغارد» الحيّة على شرائح زجاجية، ووجّهوا إليها كاميرا فيديو. وحين سرّعوا اللقطات رأوا الميكروبات تزحف عبر الشريحة، وكانت تلك أول مرة يراها أحد وهي تتحرّك.

وقال فيليب رادلر الباحث لما بعد الدكتوراه في مختبر الدكتورة شليبر مستعيدًا تلك اللحظة: «لقد كانت لحظة لا تُنسى. كنا نقفز ونصرخ من البهجة».

وتقدّم حركة عتائق «أسغارد» بعض الإشارات المغرية عن أصل حقيقيات النوى؛ فهي تزحف عبر إعادة تشكيل هيكلها الخلوي، وبناء مجسّات طويلة تستخدمها لمدّ نفسها والإمساك بالشريحة. ولا تتحرّك بدائيات نوى أخرى بهذه الطريقة، أمّا حقيقيات النوى فتفعل. وتوحي مقاطع الفيديو بأن «أسغارد» طوّرت بعض السمات المحورية التي تميّز حقيقيات النوى، مثل هيكلٍ خلوي تستطيع الزحف من خلاله، ومجسّات طويلة، وذلك قبل ظهور حقيقيات النوى بزمنٍ بعيد.

لا بدّ أنّ أسلاف الميتوكوندريا كانوا ميكروباتٍ تتنفّس الأكسجين، ومن ثمّ عاشت في بيئاتٍ يكثر فيها هذا الغاز. أمّا هذا النوع من عتائق «أسغارد» التي استوطنت رسوبيّاتٍ خاليةً من الأكسجين، فلم يكن لها أن تلتقي بتلك الكائنات الهوائية. لكن دراسةً جديدة للدكتور بيكر تقدّم دلائل على الكيفية التي ربما تمّ بها ذلك اللقاء التطوريّ الجسيم.

فقد عثر الدكتور بيكر وزملاؤه على طيفٍ واسع من عتائق «أسغارد» الجديدة مزدهرًا في مياهٍ ساحلية غنيّة بالأكسجين. وكشف الفحص الدقيق لجيناتها عن إشاراتٍ تفيد بأنها تستخدم الأكسجين في عملياتها الأيضية.

وقال الدكتور بيكر: «يبدو أنها تتنفّس الأكسجين، وتتغذّى على الكربون العضوي، وهو أمرٌ مألوفٌ جدًا لنا؛ لأننا نفعل ذلك الآن».

ومن المعروف أن العلماء اقترحوا عبر السنين سيناريوهاتٍ عديدة لتطوّر حقيقيات النوى، غير أنّ تقييمها ظلّ عسيرًا في غياب بياناتٍ مثبتة. أمّا هذه العتائق التي يعثر عليها الدكتور بيكر وسائر الباحثين اليوم فهي تُقرّب أصل حقيقيات النوى، وتجعله أكثر وضوحًا وتركيزًا في بؤرة الفهم العلمي. فهي تكسر حالات الجمود بالاعتماد على كائناتٍ حقيقية.

ويرى الدكتور بيكر وزملاؤه اليوم أنّ الخطوات الأولى في الطريق إلى حقيقيات النوى قد بدأت في الدهر السحيق، حين كانت الأرض تفتقر إلى الأكسجين. وفي تلك المرحلة طوّرت عتائق «أسغارد» الأولى هيكلًا خلويًا بدائيًا استخدمته للزحف على قاع المحيطات.

ثم بدأ الغلاف الجوي للأرض يتبدّل قبل نحو 2.5 مليار سنة. فقد تطوّرت لدى بعض البكتيريا قدرةُ التمثيل الضوئي، فصارت تمتصّ ثاني أكسيد الكربون، وتستغلّ ضوء الشمس للنمو، مطلِقةً الأكسجين بوصفه ناتجًا ثانويًّا. ومع مرور الزمن تراكم الأكسجين في الغلاف الجوي، ثم نفذ إلى المياه الساحلية الضحلة.

كان الأكسجين الجديد سامًّا لكثيرٍ من الميكروبات، لكن بعض العتائق التي عاشت في البيئات الساحلية تكيفت لتحمّل الأكسجين، ثم لتزدهر في وجوده. ويذهب الدكتور بيكر إلى التخمين قائلًا: «ثم نقلت هذه السمة إلى حقيقيات النوى». 

ويشتبه الدكتور بيكر أيضًا في أنّ هذه العتائق التقت بالبكتيريا التي ستغدو لاحقًا ميتوكوندريا في تلك المياه الساحلية الغنيّة بالأكسجين. ويستشهد بمسحٍ أجراه فريقه البحثي قبالة سواحل الصين حيث عثروا على بكتيريا وثيقة الصلة بالميتوكوندريا تعيش في الرسوبيات نفسها التي تؤوي هذه العتائق. 

وما أن اكتسبت عتائق «أسغارد» الميتوكوندريا حتى ارتفع معدل أيضها القائم على الأكسجين ارتفاعًا هائلًا. لقد وفّرت هذه الشراكة مصدرًا وفيرًا للطاقة مكّن حقيقيات النوى الناشئة من أن تنمو في الحجم، وأن تكتسب قدراتٍ جديدة، من بينها افتراس بدائيات النوى. ومنذ تلك اللحظة تغيّر وجه العالم تغيّرًا لا رجعة فيه.

وترى كاثرين آبلر -عالمة الأحياء الدقيقة في معهد لويس باستور- التي شاركت الدكتور بيكر في الدراسة أنّ العلماء ليسوا مضطرين إلى السفر ملياري عام إلى الوراء لاختبار هذه الفرضية؛ فالمياه الساحلية اليوم قد تحمل شواهد حيّة على المسار ذاته، ومن المحتمل أن تكون هذه الميكروبات المعاصرة تسلك الطريق نفسه الذي سلكته أوائل حقيقيات النوى بإقامة شراكاتٍ حميمة مع بكتيريا.

وإذا كان العلمُ يطارد هذه القفزة القديمة بالأرقام والتسلسل الجينومي والنماذج فإنّ أثرها لا يظلّ حبيس المختبر. فكلُّ قراءةٍ لتسلسلٍ وراثيّ، وكلُّ أثرٍ لعتائقيّةٍ تُرى وهي تزحف على شريحة زجاج يوقظ فينا سؤالًا أقدم من هذه التقنيات كلّها: كيف اتّسعت الحياة من خليةٍ بسيطة إلى كائنٍ يكتب ويتذكّر ويتساءل عن وجود الوجود؟ ولو اطّلع داروين على جينومات عتائق «أسغارد» وهي تكشف ملامح السلف المشترك لأصابته القشعريرةُ ذاتها؛ دهشةً من أنّ الفجوة التي أرّقته بالأمس أخذت تُردم اليوم. ولعلّ أبياتُ الشاعر وليام بليك تُجمل هذا المشهد:

حين ترى الجَنّةَ في زهرةٍ بريّة،

وترى الدنيا في حبّةِ رملٍ واحدة،

فكأنما قبضتَ على السرمديّة بيمينك،

وعشتَ الخلودَ في ساعةٍ من زمن.

سعد صبار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق