عمان العلمي

بروتين السمك والآيسكريم

عمرو أحمد -

تعيش أسماك القد الأطلسية في شمال محيط الأطلسي، حيث عادةً ما تكون درجات حرارة المياه تحت الصفر، وكثيرًا ما تتجمد المياه في المناطق القريبة من القطب الشمالي. ينعكس هذا على درجة حرارة دم سمك القد، لتصل إلى -0.7 درجة مئوية قبل أن يتجمد دم السمك. إذا وصلت درجة حرارة دم السمك إلى هذه الدرجة، فإن كريستالات الثلج ستبدأ في التكون بسرعة حتى يتحول دم السمك إلى ثلج وتموت السمكة نتيجة لهذا.

من المعروف أن درجة حرارة تجمد المياه هي الصفر السيليزي، فكيف تكتسب السمكة مناعة من التجمد لحد ما يقارب درجة بكاملها تحت الصفر؟ تختلف خصائص المياه – وهو المكون الرئيسي للدم – الفيزيائية وفقًا لتكوينه، إذا كان الماء النقي يتجمد عند الصفر، فإنه في حالة اضافة ملح الطعام تهبط إلى ما يقارب واحد وعشرين درجة تحت الصفر، ويُعرف هذا التأثير بخفض درجة حرارة التجمد (الإنجليزية: Freezing point depression). في حالة دماء الكائنات الحية فإنها تتأثر نتيجة لوجود أنواع مختلفة من الأملاح والبروتينات وغيرها من الجزيئات التي تؤثر على درجة حرارة التجمد.

لنفس السبب يُضاف الملح إلى الثلج على الطريق، لأنه يقوم بخفض درجة حرارة تجمده وبالتالي يُذيبه ويمنع تكونه من جديد. ومن المواد شائعة الاستخدام الإيثلين جليكول الذي يُخلط مع ماء المُبرد في السيارات ليمنعها من التجمد في الشتاء، وهي مادة مشابهة للجليسرول الذي تُفرزه بعض الكائنات الحية القطبية في دماءها لتخفض درجة حرارة تجمده. تحدث هذه الظاهرة لأن المكونات المضافة للمياه تُخففه، وبالتالي تُقلل من احتماليات تلاقي جزيئات المياه لتكون كريستالات الثلج.

لكن حدوث هذه الظاهرة ليس بذات الأهمية في كل الكائنات، فمثلًا يتجمد الدم البشري عند -2 و-3 درجة مئوية، لكن درجة حرارة الجسد لا تصل إلى هذه الدرجات أبدًا إلا في حالات الوفاة، لأن البشر من ذوي الدم الحار، وفي نفس الوقت لا يعيش البشر في تواصل مستمر مع مياه درجة حرارته تحت الصفر. في السمك وغيره من الكائنات التي تعيش في درجات حرارة منخفضة بشكلٍ مستمر مثل هذه، تؤثر ظاهرة خفض درجة حرارة التجمد على حياة السمك بشكلٍ مصيري.

لا يتوقف تأثير خفض درجة حرارة التجمد على الدم وحده، فالخلايا التي تكون الكائنات الحية بدورها تتشكل بنسبة ضخمة من المياه، وهي أيضًا تحتوي على الأملاح وغيرها من المركبات الجزيئية التي تؤثر على درجة تجمدها. بالرغم من كل هذا، فإن كريستالات الثلج قد تتكون، وذلك لأن المياه الموجودة في الجسد ليست على نفس الدرجة من التعرض للمياه الباردة في الخارج، وفي نفس الوقت، فإن الأنظمة الحية ملأى بالتغيرات والاختلافات التي تجعل من تكون كريستالات الثلج الصغيرة جدًا أمرًا قابل الحدوث. إذا تكونت جزيئات ثلج صغيرة داخل خليةً ما نتيجة لتغير ظروفها، فإنها تشكل النُواة لتحول جزيئات المياه السائلة حولها إلى ثلج، ومع الوقت تُعيد الكريستالات تكوين نفسها، فتزيد الكريستالات الكبيرة حجمًا على حساب الكريستالات الصغيرة التي تتلاشى، وتُعرف هذه الخاصية بإعادة التبلور (الإنجليزية: Recrystallization)، تُهدد الكريستالات الكبيرة سلامة الخلايا وتقوم بتدميرها. لكن أجساد الكائنات الحية تظهر مرونة استثنائية في مواجهة مثل هذا الخطر، خصوصًا على المستوي الجزيئي. تقوم بروتينات معينة بالارتباط بكريستالات الثلج الصغيرة، وتغطي أسطحها المعرضة للمياه بحيث تجعل من ارتباطها بباقي المياه أمرًا صعبًا.

تعرف هذه البروتينات بالبروتينات المضادة للتجمد (الإنجليزية: Antifreeze proteins، ومؤخرًا صارت تُعرف بالـIce structuring proteins)، وهي بروتينات موجودة في الكائنات الحيّة التي تعيش في درجات الحرارة المتجمدة مثل سمكة القد. تكشف هذه الأنواع عن تاريخ من التطور خَلف محاولة الكائنات التي تعيش في المياه الجليدية للتأقلم مع بيئتها، يُقدر العلماء أنه منذ 4-15 مليون سنة كانت الجينات المسئولة عن تخليق البروتينات المضادة للتجمد بالأساس مسئولة عن نوع من الإنزيمات الهاضمة للبروتين، لكنه مع تجمد المحيط القطبي الجنوبي وانخفاض درجات الحرارة بشكلٍ كبير، شكلت الظروف الجديدة ضغطًا على الكائنات الحية وتطفر نوع جديد من الجينات القادر على تصنيع البروتينات المضادة للتجمد. لا تحتوي أسماك القد على النوع ذاته من الجينات، لأنها تعيش في المياه القريبة من القطب الشمالي، حيث حدث التجمد في وقتٍ متأخر، وفي الوقت الذي كانت أسماك المحيط الجنوبي تحتوي على البروتينات المضادة للتجمد، كانت جينات اسماك القطب الشمالي -بما فيها أسماك القد الأطلسي- ما زالت تنتج الإنزيم الهاضم للبروتين! لكنها تأقلمت بدورها إلى جينات مُنتجة لبروتينات مضادة للتجمد. وهذه البروتينات مختلفة في هيئتها عن النوع الأول من البروتينات، لكنها كلها تشترك في أداء نفس الوظيفة لأنها تتشابه في امتلاك جانب من البروتين على سطح وظيفته الارتباط مع المياه.

تُمثل البروتينات المضادة للتجمد قدرة الطبيعة المذهلة على التأقلم مع الظروف المختلفة، لكن نمو كريستالات الثلج ليست مشكلة الطبيعة وحدها. فوق المحيطات تمثل هذه مشكلة لأسباب مختلفة، هذه المرة الآيس كريم! يشترك في تكوين الآيس كريم ثلاث مراحل: سائلة وصلبة وغازية، ومن المهم أن تتفاعل كل مرحلة مع الأخرى بشكلٍ مناسب لتكون بُنية الآيس كريم مستقرة. بعد أن يُحضر الآيس كريم في صورته السائلة التي تحتوي على المياه والدهون والسكريات وغيرها من المواد المضافة، يُوضع الآيس كريم في حجرة تجميد حيث يُخفق، وأثناء خفقه تدخل جزيئات الهواء بُنية الآيس كريم، وفي نفس الوقت، تحول درجات الحرارة المنخفضة ما يصل إلى 50% من المياه في الآيس كريم إلى ثلج صلب.

على المستوي الجزيئي، تقوم الدهون بالارتباط بالهواء، وتتوزع في المرحلة السائلة من الآيس كريم، وهذه البُنية هي ما تعطي الآيس كريم ملمسه الكريمي المميز. لكنه مع الوقت، يبدأ الماء في التحول إلى كريستالات الثلج، نتيجة انتقال جزيئات المياه السائلة إلى سطح الكريستالات المكونة مُسبقًا أثناء تجميد الآيس كريم، وبنفس الطريقة التي قد تنمو بها كريستالات الثلج الصغيرة في الكائنات الحية إلى كريستالات ضخمة تدمر الخلية، تنمو كريستالات الثلج حتى تبدأ في إضافة ملمس خشن إلى الآيس كريم عكس ملمسه الناعم المعروف.

يزداد أثر هذه العملية مع التغيرات التي قد تحدث في درجة حرارة بيئة الآيس كريم، ومع الوضع في الاعتبار أن الآيس كريم يخزن لفترات طويلة في درجات حرارة منخفضة قبل بيعه، فإن الكريستالات تنمو إلى أحجام تؤثر تمامًا على نعومة الآيس كريم. حُلت هذه المشكلة عن طريق المواد المُثبّتة (الإنجليزية: Stabilizer) التي تؤخر وتمنع تكون كريستالات الثلج، منها المواد المصنعة مثل الكاربوكسيمثيل سيليلوز، وبعضها مصدره طبيعي من الطحالب. كان هذا هو الحل المُتاح لوقتٍ طويل بالنسبة لمصنعي الآيس كريم، بالإضافة إلى التعديل على كميات المياه أو الهواء.

لكن البروتينات المضادة للتجمد مثلت فرصةً لحلٍ جديد، وهكذا أجرى العلماء اختبارات مختلفة على الاستخدام المحتمل للبروتينات المضادة للتجمد بعد اكتشافها، كان من ضمنهم علماء تابعون لشركات الأغذية التي تصنع الآيس كريم مثل يونليفر. في عام 2003، وصلت هذه الأبحاث إلى نتيجة فعلية بعدما أطلقت يونليفر أولى منتجاتها المحتوية على البروتينات المضادة للتجمد. وفي عام 2006 حصلت يونليفر على موافقة الاتحاد الأوروبي بتوريد البروتينات المضادة للتجمد في سلاسل الآيس كريم المُباعة هناك.

في ظروف صناعة الآيس كريم، تقوم البروتينات المضادة للتجمد بمقاومة تشكل الكريستالات الأكبر مثلما تفعل بالضبط في الكائنات الحيّة. ولا يتوقف هذا عند جعل ملمس ومذاق الآيس كريم أكثر نعومة، لأن الدهون كانت مهمة في تكوين الآيس كريم بتأثيرها على البُنية العامة، أمكن أن تستبدل البروتينات المضادة للتجمد نسبة ضخمة من الدهون، وأن تقوم بوظيفتها في تثبيت بُنية الآيس كريم، وقد أدى هذا إلى إمكانية تصنيع أنواع منخفضة الدهون من الآيس كريم لم تكن ممكنة من قبل.

لكن توفير كميات كافية من البروتين لعملية الصناعة كان تحديًا صعبًا، لأنه من المطلوب مئات الكليوجرامات ليكون المنتج قابلًا للتصنيع على مستوى تجاري. استخراج البروتين من السمك بطبيعة الحال لا يحل هذه المشكلة لأنه غير اقتصادي، هذا طبعًا بغض النظر عن أنه سيؤدي إلى انقراض أنواع السمك المستخرج منها. بدأت الشركات تُصنع البروتين عن طريق الهندسة الجينية، وهي ذات الطريقة المستخدمة في تصنيع مكونات أخرى في الطعام مثل إنزيم الكيموزين المستخدم في تصنيع الجبن.

تعتمد هذه الطريقة على الخميرة الموجودة في خميرة الخبز، وتُعرف هذه الخميرة علميًا باسم Saccharomyces cerevisiae. في البداية، يُفصل الجين المسؤول عن تصنيع البروتينات المضادة للتجمد من الكائن الحي، ثم يقوم العلماء بتعديله ونقله إلى الخميرة، وتكون من نوع مُعدل جينيًا يُنتج البروتين بكميات كبيرة، ثم تُعزل البروتينات وتحول إلى صورة مسحوق يُمكن إضافته فيما بعد أثناء عملية صناعة الآيس كريم.

لا تتوقف استخدامات البروتينات المضادة للتجمد عند الآيس كريم، فاستخدام التبريد في حفظ الطعام يؤدي إلى مشكلة مشابهة. على سبيل المثال، تبدأ الكريستالات في التكون في اللحوم المجمدة، ومع زيادة حجمها تقوم بتدمير الخلايا والأنسجة، فتؤدي إلى تسرب الرطوبة منها. عندما تُفك هذه اللحوم، تُفقد هذه الرطوبة في صورة المياه التي تتسرب من اللحم أثناء فكّه. أظهرت بعض الأبحاث بالفعل أن نقع اللحوم في محلول من البروتينات المضادة للتجمد قبل تجميدها أدى إلى خفض حجم كريستالات المياه المتكونة.

بل إن بعض الأبحاث أظهرت أنه من الممكن أن تُطبق هذه العملية على الكائن الحي قبل ذبحه. عندما قام مجموعة من العلماء بحقن الخرفان قبل ذبحها بأوقات مختلفة، ثم جمد اللحم عند درجة حرارة -20. اكتشف أن وقت الحقن غير مهم، فحقنها قبل ذبحها بساعة لم يختلف عن قبلها بيوم، لأن كل العينات أظهرت فقدًا أقل للرطوبة وحجم كريستالات أقل. وهو أمرٌ يدعو للتأمل، فالبروتينات التي كانت جزءًا ضروريًا من الحفاظ على سلامة أنسجة الكائنات الحية واستمرارها على قيد الحياة في الظروف الصعبة، هي نفسها البروتينات التي تستخدم لحفظ أنسجة الكائنات لكن بعد موتها. ما كان حلًا طبيعيًا ساعد الحياة على التأقلم، صار أداةً مستخدمة في التأقلم مع ظروف الحياة الحديثة بمقاومتها المتكررة لعوامل الزمن والمكان.

عمرو أحمد كاتب وصيدلاني