الحرب على إيران قد تؤدي إلى أزمة غذاء عالمية
الاثنين / 26 / رمضان / 1447 هـ - 22:52 - الاثنين 16 مارس 2026 22:52
برام جوفارت
شارون بيرك
منذ بداية الحملة الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، لم ينجح في عبور مضيق هرمز سوى عدد قليل من السفن من بين نحو مائة سفينة كانت تعبره يوميا في السابق. والآن، ومع ورود تقارير تفيد بأن إيران بدأت بزرع ألغام بحرية في هذا الممر المائي الضيق، لم يعد احتمال إغلاقه لأيام -بل ربما لأشهر- مجرد فرضية نظرية.
لقد بدأت بالفعل ارتدادات الصدمة تتردد في أسواق الطاقة العالمية، غير أن أكثر العواقب إلحاحًا وخطورة لإغلاقٍ مطوّل قد لا تظهر عند مضخة الوقود، بل على مائدة العشاء. فمضيق هرمز ليس مجرد ممرٍ ملاحي تعبره ناقلات النفط؛ بل هو شريان حيوي في منظومة الغذاء العالمية. إذ تمر عبره سلع غذائية أساسية -بما في ذلك القمح والذرة والأرز وفول الصويا والسكر وأعلاف الحيوانات- في طريقها إلى دول الخليج، كما يعتمد المزارعون في أنحاء العالم على الأسمدة والوقود اللذين يتدفقان عبره.
وتُعد دول الخليج، التي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على استيراد الغذاء، من أكثر المناطق عرضة للهشاشة؛ فلتأمين الحبوب والأرز وأعلاف الحيوانات وزيوت الطهي، تعتمد هذه الدول على بقاء الممرات المائية مفتوحة وعلى تدفقٍ مستمر للشحنات الدولية.
وكما أظهرت جائحة كوفيد-19، فإن هشاشة سلاسل الإمداد ليست مشكلةً تقتصر على أوقات الحروب.
وخلال السنوات القليلة الماضية، اتخذت العديد من دول الخليج خطوات لتعزيز منظوماتها الغذائية، فوسّعت احتياطياتها الاستراتيجية واستثمرت في الإنتاج المحلي. كما بحثت عن طرق شحن بديلة، حيث باتت بعض الشحنات تُنقل برًا أو عبر موانئ تتجاوز مضيق هرمز، مثل ميناء جدة الإسلامي على البحر الأحمر في السعودية.
لقد أسهمت هذه الإجراءات في تعزيز القدرة على الصمود، لكنها لا تستطيع أن تعوّض بالكامل إغلاقًا مطوّلًا للخليج الفارسي. فحوالي 70% من الغذاء الذي يُستهلك في مملكة البحرين ودولة الكويت ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق يمر عبر مضيق هرمز. ومع تعدادٍ سكانيٍّ إجمالي يناهز مائة مليون نسمة، فإن تعويض الواردات المتعطلة في هذه البلدان سيتطلب نقل نحو 191.3 مليون رطل من الغذاء إلى المنطقة كل يوم، وذلك وفقًا لبيانات فاوستات (FAOSTAT).
وعليه، فإن تزويد دول الخليج بالغذاء في ظل حصارٍ كهذا سيتطلب عمليةً إنسانية غير مسبوقة، وربما عبر مجالٍ جويٍّ متنازع عليه. وللمقارنة، فقد قدّم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في عام 2024 ما متوسطه 15 مليون رطل من الغذاء يوميا إلى 81 مليون شخص في 71 دولة.
إن فرض حصارٍ كامل سيُلحق الضرر بإيران بقدر ما يضر بجيرانها العرب. فتعطّل التجارة البحرية سيضغط على البلاد من كلا الطرفين، إذ سيقيّد صادرات الطاقة ويؤدي في الوقت نفسه إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية المستوردة مثل القمح والأرز وأعلاف الحيوانات والزيوت النباتية.
وبالنسبة لكثير من الإيرانيين، أصبحت الضروريات الأساسية -من الخبز إلى الإيجار- غير ميسورة بالفعل، الأمر الذي غذّى موجة الاحتجاجات الواسعة التي اجتاحت البلاد في وقت سابق من هذا العام.
تاريخيا، كانت طفرات أسعار الغذاء ونقصه من أبرز العوامل المحفّزة لعدم الاستقرار السياسي. ففي عام 2008، أدّت الزيادة في تكاليف الطاقة والأسمدة، إلى جانب الأحوال الجوية المتطرفة واستمرار إخفاقات السياسات، إلى مضاعفة أسعار المحاصيل الأساسية تقريبًا، مما أشعل اضطراباتٍ غذائية في عشرات البلدان. وبعد بضع سنوات، في عامي 2010 و2011، تسببت موجة جفاف وحرّ تاريخية في روسيا في تراجع حاد في محاصيل الحبوب، ودفعت أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات قياسية، ممهّدة الطريق لاندلاع الربيع العربي. وفي وقتٍ أقرب، أدّت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع أسعار الحبوب والأسمدة والوقود عالميا، مما أسهم في زيادة حادة في انعدام الأمن الغذائي.
ومع تعرّض النظام الغذائي العالمي لضغوط متزايدة نتيجة الصدمات المناخية والآثار المتبقية للجائحة، ليس من المستغرب أن يواجه العالم أكبر موجة من الصراعات العنيفة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إن تأثير أي اضطرابات إضافية في مضيق هرمز لن يقتصر على منطقة الخليج وحدها. فالمزارعون في أنحاء العالم -من جنوب آسيا إلى إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بل وحتى في أوروبا والولايات المتحدة- يعتمدون على إمدادات مستقرة من الأسمدة والوقود.
ويُعد الغاز الطبيعي مكوّنا أساسيا في الأسمدة النيتروجينية، وهي ركيزة من ركائز الزراعة الحديثة التي ساعدت غلال المحاصيل على بلوغ مستويات تاريخية مرتفعة. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 30% و40% من تجارة الأسمدة النيتروجينية في العالم يمر عبر مضيق هرمز.
وعندما ترتفع أسعار الأسمدة والوقود، يتكيّف المزارعون مع ذلك بتقليل كميات الأسمدة التي يستخدمونها أو بزراعة مساحات أقل من الأراضي. ونتيجةً لذلك، تتراجع الغلال الزراعية، وتنتشر آثار ذلك في مختلف أرجاء منظومة الغذاء.
فمن المزارعين وسائقي الشاحنات إلى شركات تصنيع الأغذية، تنقل سلسلة الإمداد التكاليف المرتفعة من حلقة إلى أخرى حتى تصل في نهاية المطاف إلى فواتير البقالة التي تتحملها الأسر.
وفي حين أن تعطل شحنات الغذاء والوقود والأسمدة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار خلال أسابيع أو أشهر، فإن موردًا آخر قد يصبح مهددًا خلال أيام فقط: المياه. فإذا أدى النزاع إلى تلويث مياه الخليج أو إلى تعطيل محطات تحلية المياه، فإن العواقب ستكون كارثية.
والخطر بالفعل شديد الحدة. ففي الأسبوع الماضي، أفادت كلٌّ من البحرين وإيران -التي تعاني هي نفسها من نقص حاد في المياه- بأن محطات لتحلية المياه قد تعرّضت لهجمات.
وإذا كانت هذه الضربات متعمدة، فإنها ستُعدّ جرائم حرب بموجب القانون الدولي؛ لأن تدمير هذه المنشآت أو تلويثها سيهدد حياة ملايين البشر على الفور. وبينما أظهرت حرب روسيا على أوكرانيا أن البنية التحتية الحيوية يمكن إصلاحها حتى تحت القصف، فإن أنظمة التحلية شديدة التعقيد، كما أن البدائل السريعة لها قليلة للغاية.
لعقودٍ طويلة، ركّزت الجهود الدولية في مجال الأمن في الشرق الأوسط على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، فإن إغلاق مضيق هرمز -سواء عبر زرع الألغام البحرية أو نتيجة نزاعٍ عسكري متواصل- قد يُلحق أضرارًا بالمدنيين على نطاقٍ مماثل، من خلال تعطيل منظومات الغذاء والطاقة العالمية، فضلًا عن التسبب في أزمة مياه إقليمية.
ولذلك، يتعين على جميع أطراف النزاع، إلى جانب المجتمع الدولي الأوسع، أن يبذلوا كل ما في وسعهم للحيلولة دون وقوع مثل هذا السيناريو.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يشكّل هذا الحدث جرس إنذار: فالنظام الغذائي العالمي هشٌّ على نحوٍ خطير. وعلى صانعي السياسات أن يتحركوا لتعزيزه قبل أن تدفع الصدمة التالية ملايين البشر الإضافيين إلى حافة كارثة إنسانية.
برام جوفارتس المدير العام لـ «سيميت».
شارون بيرك مساعدة وزير الدفاع الأمريكي السابقة لشؤون الطاقة التشغيلية.
خدمة بروجيكت سنديكيت