العرب والعالم

غزة بين القصف المتواصل و"هندسة الجوع" أزمة إنسانية تتفاقم

مخاوف من عودة المجاعة

 

د. حكمت المصري
التصعيد الإقليمي يطغى على كارثة إنسانية متفاقمة في القطاع، حيث يعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والدواء وسط قيود مشددة على دخول المساعدات.
في قلب قطاع غزة، بين أنقاض المنازل المدمرة وطرقات النزوح الممتدة، لم يعد السؤال المطروح بين السكان يتعلق بالحرب والقصف فقط، بل بات يدور أيضاً حول سياسات تُنتج الموت ببطء عبر الجوع والمرض والعطش. وهي السياسات التي باتت منظمات إغاثية محلية ودولية تصفها بـ 'هندسة الجوع الممنهجة'.
يشير هذا المصطلح إلى مجموعة من الإجراءات التي تؤدي إلى استهداف الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين، من خلال تقييد دخول الغذاء والدواء والوقود والمعدات الطبية الحيوية، أو تأخيرها، أو إدخال مواد استهلاكية غير أساسية بدلاً من الإمدادات الضرورية. ويرى مراقبون أن هذه الآليات، القائمة على التحكم الكمي بما يدخل إلى القطاع دون مراعاة نوعيته، تخلق واقعاً من المجاعة الخفية يتزامن مع القصف المباشر والانهيار الصحي وانتشار الأمراض.
سلع غير أساسية مقابل نقص حاد في الدواء
يشكو سكان قطاع غزة من أن جزءاً مما يدخل عبر المعابر أو عبر قنوات المساعدات الدولية لا يلبي الاحتياجات الأساسية للسكان. فبينما تتوفر في الأسواق بعض السلع الاستهلاكية مثل الشوكولاتة والمشروبات الغازية والملابس، تعاني المستشفيات والصيدليات نقصاً حاداً في أدوية أساسية تشمل المضادات الحيوية، وأدوية السرطان، وأدوية غسيل الكلى، وتطعيمات الأطفال، إضافة إلى أدوية الأمراض المزمنة.
كما تمتد قائمة النقص إلى مستلزمات حيوية أخرى مثل قطع غيار المركبات الطبية، والبطاريات، والألواح الشمسية، وهي أدوات ضرورية لتشغيل المرافق الصحية في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء.
شهادات من مخيمات النزوح الجوع يسبق الصواريخ
في إحدى خيام النزوح المؤقتة قرب بيت لاهيا شمال قطاع غزة، تروي السيدة أم محمد البابا (52 عاماً) معاناتها قائلة: 'السوق مليء بسلع كثيرة لكنها ليست ضرورية. معظم المحلات مليئة بالشوكولاتة والمشروبات، بينما أولادي المرضى لا يستطيعون الحصول على دواء للالتهاب الرئوي. لم يعد لدينا علاج منذ أسبوعين. الناس هنا تموت من الجوع والمرض أكثر مما تموت من الصواريخ.' وأضافت أم محمد قائلة ' اختفت السلع من السوق بشكل كبير خلال الأيام الماضية، لا لحوم، لا دواجن، لا بيض ولا فواكه كل شيء اصبح غير متوفر خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان' وتضيف أن جيرانها فقدوا طفلين خلال أسبوع واحد؛ أحدهما توفي بعد إصابته بحمى وتقيؤ استمر يومين دون علاج، فيما توفي الآخر بسبب عدم توفر دواء خاص بإنزيمات الكبد.
بدوره يقول المواطن يوسف حمدي (44 عاماً): 'المستشفيات لم يعد فيها شيء تقريباً. لا أجهزة كافية لغسيل الكلى، ولا مضادات حيوية. وما يصل عبر المعابر غالباً يكون مواد مستهلكة قريبة الانتهاء أو غير ضرورية، الأسواق أصبحت شبه فارغة، والأسعار ترتفع بشكل جنونى كل ساعه'.
ويشير يوسف إلى أنه شاهد نقل جرحى من مناطق القصف دون توفر معدات إسعاف كافية، ما اضطر الطواقم الطبية إلى التعامل مع الإصابات بوسائل بدائية من خلال عربات تجرها الحيوانات.
القطاع الصحي على حافة الانهيار
الدكتور رائد مصلح، أخصائي أمراض الكلى في مستشفى ناصر وصف الوضع بقوله: 'ما يحدث ليس مجرد نقص عادي في الأدوية، بل هو انهيار تدريجي للخدمات الصحية وسياسة تؤدي عملياً إلى تجويع المرضى وحرمانهم من العلاج.' وتؤكد تقارير ميدانية صادرة عن فرق إغاثة محلية أن القطاع الصحي يواجه نقصاً حاداً في الإمدادات الطبية، حيث أصبحت أدوية السرطان شبه منعدمة، فيما تعاني الصيدليات من نقص كبير في المضادات الحيوية والأدوية الفيروسية وتطعيمات الأطفال.
كما أن العديد من أجهزة الفحص والتحليل في المستشفيات معطلة أو دُمرت نتيجة العمليات العسكرية، الأمر الذي أدى إلى تراجع كبير في قدرة المؤسسات الصحية على تقديم الخدمات الأساسية.
تحذيرات دولية من كارثة إنسانية
من جهتها حذرت منظمات دولية عدة، بينها اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة إنقاذ الطفل، من تدهور خطير في مستوى الأمن الغذائي والرعاية الصحية في قطاع غزة.
وتشير هذه المنظمات إلى أن مئات الآلاف من السكان يواجهون خطر الجوع الشديد، فيما تسجل فرق الرصد ارتفاعاً في معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل. كما حذرت التقارير من ارتفاع معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة نتيجة نقص الغذاء والرعاية الطبية.
توقف 'المطبخ العالمي' وتراجع المساعدات وفي تطور يزيد من حدة المخاوف، أعلن المطبخ المركزي العالمي تعليق عمليات الطهي وتوزيع الوجبات في قطاع غزة حتى إشعار آخر، بسبب القيود المفروضة على المعابر والانخفاض الحاد في عدد الشاحنات التي تدخل القطاع.
وأوضح المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن عدد الشاحنات المخصصة لإدخال المواد التموينية للمطبخ تقلص من 25 شاحنة يومياً إلى خمس شاحنات فقط، إضافة إلى ضغوط لشراء المواد الخام من داخل إسرائيل بدلاً من إدخالها عبر شحنات قادمة من مصر، وهو ما يرفع كلفة الإمداد الإنساني ويغير طبيعته.
مساعدات لا تغطي الاحتياجات
وفي هذا السياق، أكد أمجد الشوا، مدير عام شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أن القطاع يواجه تراجعاً كبيراً في حجم المساعدات الإنسانية.
وأوضح أن ما يدخل يومياً لا يتجاوز 200 شاحنة مساعدات، في حين أن الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع تتطلب أكثر من 1000 شاحنة يومياً.
وأضاف أن المساعدات الحالية لا تغطي سوى 30 إلى 40 في المئة من الاحتياجات الأساسية للسكان، في وقت يعيش فيه نحو 1.5 مليون فلسطيني في خيام النزوح أو مراكز الإيواء أو داخل منازل متضررة جزئياً بعد فقدان منازلهم.
أكثر من مليوني إنسان يعتمدون على المساعدات
بحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن أكثر من 2.2 مليون فلسطيني في قطاع غزة يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والمياه والرعاية الصحية.
كما يشير برنامج الغذاء العالمي إلى أن غالبية سكان القطاع يعيشون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية ونقص الوقود اللازم لتشغيل المرافق الحيوية.
آثار بعيدة المدى على المجتمع
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الغذائي والصحي فحسب، بل تمتد إلى بنية المجتمع ككل، حيث تتسبب الحرب والأوضاع الإنسانية في تعطيل التعليم وحرمان آلاف الأطفال من الدراسة، إضافة إلى انتشار الاضطرابات النفسية بين النازحين، وتزايد الأمراض المعدية نتيجة سوء التغذية وسوء الظروف الصحية في مخيمات النزوح.
غزة على حافة المجاعة
في ظل هذه التطورات، يحذر مراقبون من أن استمرار القيود على دخول المساعدات قد يدفع قطاع غزة نحو أزمة إنسانية أعمق، وربما نحو مجاعة واسعة النطاق إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لزيادة تدفق الإمدادات الغذائية والطبية.
وبينما تتجه أنظار العالم إلى التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، يخشى سكان غزة من أن تتحول معاناتهم اليومية إلى أزمة منسية.
كما يقول أحد النازحين في ختام حديثه: 'نحن لا نموت فقط تحت القصف، نحن نموت ببطء، جوعاً ومرضاً، بينما العالم ينظر بعيداً.