سؤال الذاكرين يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان
الاثنين / 26 / رمضان / 1447 هـ - 19:56 - الاثنين 16 مارس 2026 19:56
*** شاب في مكتمل العمر أصيب بمرض السرطان -أجاركم الله- في رأسه، وبعد استئصال الورم أصيب بشلل رباعي، اضطر والده لتسفيره إلى خارج سلطنة عمان لاستكمال العلاج الطبيعي والتأهيل الطبي المكثف، وبتوصية من الأطباء ظل هذا الشاب ما يقارب العام وما زال يتلقى العلاج لأجل غير مسمى، مع وجود بوادر للتحسن والشفاء، وكل ذلك على نفقة والده الخاصة، مما أدى إلى عجز والده ماديا، فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل يجوز أخذ مبالغ الزكاة لتغطية مصاريف العلاج من باب: من أحيا نفسا فكأنما أحيا الناس جميعا؟
في هذه الحالة يظهر بأنه لا يخلو حاله من أن يكون فقيرا أو مسكينا أو غارما، ما دام قد تكلف كل هذه الأموال والمصاريف، والعلاج لا يزال مستمرا، فيمكن أن يعطى من الزكاة.
وقد أشار هو إلى قول الله تبارك وتعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا، وهذا ملحظ صحيح يراعى، لكن ليس باطراد، فقد يكون العلاج متاحا عندنا في مستشفياتنا، وقد لا يحتاج إلى كلفة مالية في كثير من الأحيان، وفي بعض الأحيان قد لا يكون المرض أيضا مما يستدعي السفر وتحمل الأموال من أجله.
فلا أقصد من هذا أنه ليس كل مريض سافر للعلاج واحتاج إلى المال يعطى من الزكاة، ، وإنما هذا الجواب خاص بهذه الحالة المذكورة في السؤال، وبأحوال رب الأسرة وما تعرض له، وأحوال المرض أيضا الذي أصاب الولد. نسأل الله سبحانه وتعالى له الشفاء والصحة والعافية.
*** في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) . ما الحكمة من تقديم صدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
ينبغي التنبيه أولا إلى أن هذا الحكم بلزوم تقديم صدقة عند مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة محل السؤال، قد نُسخ بالآية بعدها: أشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات، فالآية بعدها نسخت هذا الحكم، وقيل بأن التزامه وفعله لم يكن إلا من سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
ما الحكمة من هذا التوجيه الرباني؟ تظهر حكم عديدة أشار إليها قوله تبارك وتعالى: ذلك أزكى لكم وأطهر.
ففيه تعظيم لمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أصحابه وعند أمته، وفيه تعليم لهم بتوقير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتأديب كما قال بعض المفسرين: بأن لا يستفردوا به مناجين إلا في أمر ذي بال، فهذه حكمة تتفرع على تعظيم مقامه عليه الصلاة والسلام.
وفيه أيضا حكمة الحد من إكثار مناجاته عليه الصلاة والسلام، فلا يكون طلب مناجاته إلا في أمر ذي بال، فإما إذا كثر عليه الناس وكل يريده على انفراد فإن ذلك يمكن أن يصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ذو الخلق العظيم، يمكن أن يصرفه عما هو أولى وأهم.
ولذلك كان من معاني ومن حكم هذا التشريع هو الالتفات إلى أن يقلل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلبهم إياه للنجوى، والصدقة نفسها، أي دفع هذه الصدقة، فيها بيان عظيم محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الذي راغب في التعلم والتفقه وفي سؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصده سيسهل عليه أن يتصدق.
أما الذي هو يريد فقط أن يغنم الخلوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس هناك أمر يدعو إلى النجوى، فإنه قد يتثاقل أن يدفع صدقة في كل مرة يريد أن يحظى بهذا الشرف، ولا ريب أنه شرف عظيم ، ولكن مع سعة انتشار الإسلام وقبول الدعوة واتساع أعداد وكثرة أعداد أصحابه صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم.
فكان في ذلك الحكم بحيث إن المحب الصادق الراغب حقيقة في الخلوة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشرف الحظوة بمناجاته أن يتصدق، وأن يطهر نفسه بهذه الصدقة، وأن يعلم أنه ما وصل إلى هذا المقام إلا بنفع إخوانه من المحتاجين والفقراء والمساكين، وهذا هو الذي تشير إليه الآية الكريمة: ذلك أزكى لكم وأطهر.
فهذه هي جملة الحكم والمعاني التي ذكرها أهل العلم في بيان ما يتعلق بهذا التشريع، وقلت بأنه قد نسخ بقول الله تبارك وتعالى في الآية بعدها: ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذا والله تعالى أعلم.
*** أنا شاب ولله الحمد توظفت، أرغب في الزواج وهو بالنسبة لي ضروري لما نواجهه نحن الشباب من فتن أتعبت أنفسنا الأمارة بالسوء، ونجد في مجاهدة النفس عنه شديدا، فهل يباح لي اللجوء إلى البنوك الربوية من أجل الزواج.
نسأل الله سبحانه وتعالى له العفاف والإحصان والرزق الحلال الطيب، له ولسائر العزاب من الذكور والإناث، ونوصي أولياء الأمور بتيسير أمور الزواج لأن في ذلك خيرا كثيرا للبنات وللرجال الشباب الراغبين في الزواج.
فيه وقاية من الوقوع في مخاطر الفتن التي تدعو إليها هذه الشهوات الجامحة اليوم في عالم مليء بالمغريات وبما يدعو إلى إثارة كوامن النفوس، مع انعدام الضوابط والقيم والأخلاق، ومع سهولة الفرص التي تتيح الوقوع في براثن الفواحش والعياذ بالله.
فلا بد لأبناء المجتمع أن يتعاونوا من آباء ومربين ومصلحين وغيورين وأثرياء ومحسنين من أجل إعفاف الشباب وإحصانهم وتسهيل أمور الزواج وتيسيرها، وعونهم ورفدهم بما يمكن أن يعينهم على تحقيق هذه الغاية. لكن الجواب الآن في خصوص مسألته: ليس له أن يعمد إلى الربا، فالربا حرب لا يطيقها بينه وبين الله ورسوله: فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، والربا ممحقة لأي خير وبركة: يمحق الله الربا ويربي الصدقات.
ورسولنا صلى الله عليه وآله وسلم أرشد الشباب إلى حل آخر، أرشدهم إلى الصيام، قال: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له. فليجتهد في كسب المال الحلال الطيب، وفي قصد الأسر التي تراعي هذه الأمور وتسهل وتيسر أمور الزواج، وليستعن بالله تبارك وتعالى، وليطفئ أوار شهواته بالصيام، بالإكثار من الصيام، وربنا تبارك وتعالى يقول: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
*** وذا كان يأخذ هذه الأموال ويدفعها إلى هذه البنوك أقساطا، ألا ينبغي أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأقساط في المهور نفسها بحيث إن الشخص أو الأب يزوج ابنته بأقساط؟
لا، ليس بغريب، هذا هو ما يتصل بعاجل الصداق وآجله، أو مقدم الصداق ومؤخره، فيمكن أن يؤخذ منهما ما تيسر الآن مقدما، والباقي يكون مؤخرا، وقد جرى العرف عندنا بأن الصداق يقسم إلى عاجل وآجل، أو إلى مقدم ومؤخر، لكن العرف بأن المؤخر هو الأقل، فلا يوجد مانع أن يكون في حدود المعقول.
فليست هذه ببضاعة إن كانت نقدا بكذا، وإن كانت بأجل بكذا، ولابد أن يكون في حدود المعقول، لكن مراعاة لأحوال الشباب اليوم فهو مقترح حسن، جزاكم الله خيرا، أن يكون المقدم هو ما تيسر مما يمكن أن يتم به الزواج، ثم بعد ذلك يكون باقي المهر أو الصداق دينا عليه في ذمته يؤديه إليها بحسب ما يقع عليه الاتفاق، والله تعالى أعلم.