روضة الصائم

ماليندي: عُمان الصغيرة

عندما تتكلم الوثائق

 

في يوم من أيام صيف عام 2015م، عندما مررت بماليندي –في الطريق من ممباسا إلى لامو- استيقظت ذاكرتي على وصف المؤرخ سعيد بن علي المغيري: 'كانت تسمى عُمان الصغيرة'. نعم إنها عُمان الصغيرة بثقافتها والأثر الحضاري الذي تركه فيها العُمانيون ولازال حاضرًا في عادات أهلها وجدران مبانيها. ولنقترب قليلًا من ماليندي فهي مدينة تقع على الساحل الشرقي لإفريقيا وتعد إحدى مدن إقليم أرخبيل لامو (مقديشو، باتى، لامو، جيدي، ممباسا، ماليندي). تقع ماليندي جنوب باتى في نقطة وسط تقريبًا بين باتى وممباسا الميناء الكيني الشهير، وتبلغ المسافة بينها وبين باتى حوالي 230 كيلومترا، وبينها وبين ممباسا حوالي 120 كيلومترا.
ازدهرت ماليندي خلال فترة الوجود العُماني في شرق إفريقيا في عهد دولتي اليعاربة والبوسعيد. وقبل ذلك خضعت كغيرها من المناطق في شرق إفريقيا لسيطرة البرتغاليين الذين اتخذوها مركزًا لأسطولهم البحري.
وبنى فيها القائد البرتغالي فاسكو دي جاما منارة، وذكر المغيري أنه أثناء الاستعمار الإنجليزي نصبت الحكومة البريطانية المستعمرة تحت تلك المنارة أعمدة من حديد حفاظًا لها من طارئ قصف أو هدم، وتذكارًا للمستكشف البرتغالي فاسكو دي جاما. وأشار المغيري كذلك أن فاسكو دي جاما أطلق عليها اسم 'مليندي' نسبة إلى زوجته 'مليندا'.
تحررت ماليندي من السيطرة البرتغالية على يد الإمام اليعربي سلطان بن سيف الأول الذي أرسل قواته لتحرير المناطق التي سيطر عليها البرتغاليون في شرق إفريقيا بعد أن استنجد به أهل تلك المناطق لتخليصهم من النفوذ البرتغالي، ثم عادت إلى السيطرة البرتغالية بعد النزاع الذي دار بين الأخوين بلعرب بن سلطان وسيف بن سلطان على السلطة. وظلت ماليندي خاضعة للبرتغاليين حتى عام 1698م عندما قام الإمام سيف بن سلطان اليعربي (قيد الأرض) بتحرير معظم المناطق الواقعة على ساحل إفريقيا الشرقي، ومن ضمنها ماليندي، من السيطرة البرتغالية نهائيًّا.
تبعت ماليندي حكومة السلطان سعيد بن سلطان (1804-1856م) بعد انتقاله إلى شرق إفريقيا في عام 1831م، حيث كان يعين عليها والٍ من قبل الحكومة العُمانية في زنجبار. وبعد وفاة السيد سعيد بن سلطان عام 1856م وانقسام دولته بانفصال زنجبار عن مسقط وفقًا لتحكيم كاننج الصادر في عام 1861م، أصبحت ماليندي تابعة للسلطان ماجد بن سعيد (1856-1870م)، سلطان زنجبار.
وازدهرت ماليندي في عهد السلطان برغش بن سعيد (1870-1888م)، خاصة مقاطعتي أنغوميني ومبرؤي، وبنى فيها العديد من المساجد. وبعد انتهاء الحكم العُماني لزنجبار سنة 1964م صارت ماليندي تابعة لكينيا حسب التقسيم الإداري الحديث.
اشتهرت ماليندي بخصوبة أراضيها وكثرة محاصيلها الزراعية، وتُعدّ أحد أهم المراكز التجارية في الساحل الشرقي لإفريقيا، فقد جلب التجار العُمانيون البضائع المختلفة منها كالمواد العطرية وجلود النمور والأخشاب. وتأثرت ماليندي بفن العمارة والبناء العربي العُماني. ويقدم لنا المغيري معلومات مهمة وقيمة عن الثراء الاقتصادي الذي تمتعت به ماليندي، حيث زار المغيري مدينة مليندي في عام 1944م، بصحبة واليها الشيخ عزان بن راشد الصقري، أثناء توثيقه لآثار الساحل الشرقي لإفريقيا في زنجبار ولامو وبته وبمبا وكلوة وممباسا وغيرها.
وذكر الكثير من المعلومات القيمة المتعلقة بتاريخ هذه المدينة. يقول المغيري واصفا ماليندي: 'أما مليندي فكانت ذات شهرة في أيام دولة العرب، أولاد الإمام، وكانت تسمى عُمان الصغيرة؛ لكثرة العرب العُمانيين فيها، الذين سكنوها للتجارة والزراعة، ومنها كانت تشحن الحبوب والمأكولات'. كما عمل العُمانيون فيها في استخراج الحديد وتصديره، فقد كانت ماليندي منجمًا لهذا المعدن ومركزًا لتجارته. وقد ظهرت آثار الرفاه الاقتصادي المزدهر على حياة الناس فيها، فلباسهم كان من الحرير والقطن الناعم.
ويضيف المغيري أن رجلاً طاعنًا في السن التقى به في ماليندي وأخبره: 'أن سبعين محملا قد اجتمعت في مينائها وحملت جميعها حبوبا للخارج لكثرة اعتناء الناس بالزراعة، وبركتها في ذلك الزمن'. وذكر المغيري أيضًا وفقًا لزيارته تلك: 'وبها الآن بعض من عرب عُمان، وأغلبهم من أهل اليمن الذين بإزكي من عُمان، وكلهم إباضية المذهب، وسيرتهم في المواظبة على أداء الصلوات بوظائفها وتلاوة القرآن العظيم حسنة جدا، حتى إنهم يربون أولادهم الصغار على هذه السيرة والآداب العربية، وهيأتهم عُمانية، ومن أراد أن ينظر إلى هيئة العرب العُمانيين فلينظر إلى واليها الشيخ المحترم عزان بن راشد الصقري، أحد المجاهدين المتمسكين بالخصال والعادات العُمانية'.
ومن المعلومات الأخرى القيمة المتعلقة بماليندي التي يذكرها المغيري، أن والي السلطان ماجد بممباسا، الشيخ ناصر بن علي البوسعيدي بنى مسجداً من الحجر في مالنيدي. وفي عهد السلطان خليفة بن حارب (1911-1960م) تم بناء الرصيف ونقل الميناء إلى الموقع الحالي وكان ذلك في عام 1929م.
إن الحديث عن ماليندي 'عُمان الصغيرة' يعيد معها حديثًا تاريخيًّا طويلًا عن الأثر العُماني في شرق إفريقيا، فجذور التواصل الحضاري بين عُمان وإفريقيا تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، فقد كان البحر الأحمر والمحيط الهندي يشكلان همزتي الوصل بين السواحل الأفريقية وشبه جزيرة العرب، حيث إن التجار العُمانيين والعرب أول من نقل المؤثرات العربية إلى القارة الأفريقية، وازدادت أهمية هذه الهجرات وفاعليتها بظهور الإسلام الذي أعطاها السند الروحي الثقافي والمضمون السياسي.
ويعد كتاب 'جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار' للمؤرخ العُماني سعيد بن علي المغيري (ت: 1962م) أحد أهم المصادر التي تؤرخ للوجود العُماني العربي في شرق إفريقيا. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن مؤلفه كان شاهد عِيان للكثير من الأحداث التي شهدتها سلطنة زنجبار لاسيما في عهد السلطان خليفة بن حارب البوسعيدي حيث كان المغيري من المقربين للسلطان؛ وبالتالي بحكم هذه المكانة تمكّن من جمع الكثير من المعلومات حول تاريخ الوجود العُماني العربي في شرق إفريقيا سواء من المعاصرين له أو المصادر الأصلية المكتوبة والكتب المتنوعة العربية والأجنبية. والأهم من ذلك أن المغيري وثَّق مشاهداته وملاحظاته الشخصية، واستمد معلوماته وأخباره من مسؤولي عصره.