المصلحة الأمريكية من الترويج للبيتكوين كملاذ آمن!
الاثنين / 26 / رمضان / 1447 هـ - 19:24 - الاثنين 16 مارس 2026 19:24
لا يمكننا اليوم فهم الضجيج المتنامي حول البيتكوين باعتباره أصلًا احتياطيًا محايدًا سياسيًا - كما يروج له- بعيدًا عن السياق السياسي الذي يغذيه في المقام الأول؛ فخلف موجة الاهتمام المتزايدة بالعملات المشفرة هناك حسابات سياسية واقتصادية واضحة، وفي مقدمتها التحول الذي تقوده إدارة دونالد ترامب والذي أعاد مركزة البيتكوين في قلب النقاش المالي العالمي.
وتبرز عائلة ترامب بين أكبر المستفيدين من هذا التحول بالتزامن مع السياسات الداعمة للعملات المشفرة التي تتبناها الإدارة، والتي قد ترجع إلى الإنفاق السياسي الهائل الذي تضخه جماعات الضغط المؤيدة للعملات المشفرة، وهو ما جعل الحكومة الأمريكية نفسها تتحول سريعًا إلى واحدة من أبرز المدافعين عن البيتكوين.
وقد بدأت شركات خاصة وبنوك استثمارية بالفعل في حث البنوك المركزية على النظر في إنشاء احتياطي استراتيجي من البيتكوين. وقد أشار كيفن وارش مرشح دونالد ترامب لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى هذا التوجه حين وصف البيتكوين في مقابلة أجريت معه العام الماضي بأنها «الذهب الجديد».
وبشكل عام؛ لا يمكن فصل هذا النقاش عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام النقدي العالمي اليوم؛ فقد أدركت الصين وعدد كبير من الأسواق الناشئة منذ وقت طويل مخاطر الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي. وأسهمت الجهود المبذولة في هذا الصدد في تقليل هذا الاعتماد في دفع الارتفاع الأخير في أسعار الذهب والتي قفزت بنحو 65% خلال العام الماضي.
وإدراكًا لهذا التحول اتخذت إدارة ترامب خطوة جريئة حين طرحت فكرة إنشاء مخزون وطني أمريكي من العملات الرقمية على غرار المخزون الاستراتيجي من الذهب والمعادن، وهو ما يمكن اعتباره اعترافًا رسميًا بأهمية العملات الرقمية في الاقتصاد العالمي. فالفكرة تقوم على أن تحتفظ الولايات المتحدة بسلة من العملات الرقمية تشمل عملات أخرى غير البيتكوين، مثل: الإيثريوم، والـ XRP ، وكاردانو كجزء من أصولها الاستراتيجية. كما طرحت مقترحات لشراء كميات كبيرة من البيتكوين خلال سنوات قليلة بتمويل قد يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات مع مقترحات أخرى بأن تضاف إلى هذا المخزون العملات الرقمية التي صادرتها الحكومة الأمريكية من أنشطة إجرامية مما أدى لارتفاع أسعار بعض العملات الرقمية وتقلبها بشكل حاد مما يؤكد مدى تأثير السياسة الأمريكية في سوق العملات المشفرة.
ولكن وبالرغم من هذا الزخم المتزايد لا تزال البيتكوين عملة شديدة التقلب؛ فقد انخفض سعرها من أكثر من 124 ألف دولار في أكتوبر الماضي، ووصلت إلى أقل من 65 ألف دولار لاحقًا في الوقت الذي واصل فيه الذهب مسار الارتفاع ما يعكس حالة عدم اليقين التي لا تزال تحيط بها كأصل. ومع ذلك يرى بعض المحللين أن الحد الأدنى لسعر البيتكوين قد يستقر في نهاية المطاف فوق مستوى 100 ألف دولار استنادًا إلى الاتجاهات طويلة الأجل.
أما التوقعات المتفائلة فتشير إلى أن القيمة السوقية الإجمالية للبيتكوين قد تنافس يومًا ما قيمة الذهب، ومع ذلك يرى عدد من الاقتصاديين أن التقييم الحالي للبيتكوين هو في جوهره تقييم «تخميني»؛ نظرًا لافتقارها إلى قيمة جوهرية أو استخدام أساسي واضح، وقالوا: إن سعرها المتوازن في الأمد البعيد قد يكون صفرًا.
ولا يمكن تقييم البيتكوين بوصفها ظاهرة مالية حديثة فقط، والتغافل عن دور العملات المشفرة في الاقتصاد السري العالمي الذي يشمل أنشطة غير قانونية تمتد من غسل الأموال إلى تهريب المخدرات والتهرب الضريبي، ويقدر حجم هذا الاقتصاد بأكثر من 20 تريليون دولار.
إن أحد أهم التحديات التي تواجهها هذه التقنيات حاليًا أنه غالبًا ما تنشر دون المستوى المعتاد من التدقيق، كما أن الوسطاء مثل منصات تداول العملات المشفرة ومصدري العملات المستقرة لا يوضحون دائمًا للمستخدمين أن الأصول على سلاسل كتل مختلفة تحمل مستويات مختلفة جدًا من المخاطر.
في النهاية لا يعتمد الاستقرار المالي على نوع الأصول فقط، بل على مدى موثوقية الأنظمة التي تنقل هذا المال خاصة في أوقات الأزمات والضغط. ومع تزايد انتشار العملات المستقرة، وترميز الأصول داخل النظام المالي سيصبح من الضروري توضيح أي سلاسل كتل يمكن الاعتماد عليها في الأنشطة المالية المهمة وكيف سيتم التعامل مع الأعطال التقنية، ومن سيتحمل المسؤولية إذا تعطلت هذه التكنولوجيا عدا أن مستقبل البيتكوين بالأخص يتجاوز كونه مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل هو جزء من معركة أوسع على النفوذ النقدي العالمي؛ حيث تسعى الولايات المتحدة خلاله إلى توظيف التحولات الرقمية للحفاظ على موقعها المسيطر في النظام المالي.
رحمة الكلباني اسرة تحرير جريدة «$»