ترامب ونتنياهو لم يعودا متفقين
الاحد / 25 / رمضان / 1447 هـ - 22:05 - الاحد 15 مارس 2026 22:05
ترجمة: أحمد شافعي -
تصاعدت ألسنة اللهب والدخان الأسود حتى بلغت عنان السماء فوق طهران بعد أن قصفت إسرائيل مستودعات النفط هناك، فبدا وكأنما قامت القيامة.
وبينما كان السناج والمطر الأسود ينهمران على أكثر من عشرة ملايين إيراني يقيمون في المدينة مضت ذبذبات تلك الغارات قاطعة الطريق الطويل حتى واشنطن التي شعر المسؤولون فيها بتأثير واضح لاختلافات المطامح في هذه الحرب.
ويبدو أن أهداف الرئيس ترامب من دخوله هذه الحرب ضد إيران قد بدأت تتعارض مع أهداف إسرائيل بعيدة المدى في ظل حكم رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو؛ ففي حين قال الرئيس ترامب خلال الأيام الأخيرة: إن أهداف الجيش الأمريكي قد قاربت على الاكتمال -برغم بقاء النظام- فإن إسرائيل تسعى إلى إنهاء النظام وسحق نفوذه في المنطقة. باختصار؛ يريد ترامب أن يلوي ذراع إيران، أما نتنياهو فيريد كسرها. ما كان لصورة النفط إذ يتصاعد دخانه -بغض النظر عن مالك هذا النفط- أن تكون صورة مرغوبة لإدارة ترامب؛ إذ تصاعدت الأسعار في جنون في محطات الوقود في أمريكا؛ وذلك لأن حرب إيران أحدثت خرابا في أسواق الطاقة العالمية، ودفعت الدول إلى الاستعداد لتداعيات اقتصادية طويلة الأمد من جراء ارتفاع تكاليف الوقود. فقد تعرض للضرب ما لا يقل عن ثلاث سفن الأربعاء الماضي في مضيق هرمز وعلى مقربة منه؛ إذ تسبب القتال في خنق أحد أهم مسارات تجار النفط في العالم، فنشأت من جراء هذا رياح عاتية معاكسة للرئيس ترامب؛ حيث يظل الشعب المتخوف من الحرب غير مقتنع بالحجج المطروحة للصراع.
في اللحظة الراهنة تتوافق مصالح القائدين إلى حد كبير؛ فمع دخول الحملة الجوية منتصف أسبوعها الثاني يستمر الجيشان الإسرائيلي والأمريكي في التنسيق لضرب آلاف الأهداف في شتى أرجاء إيران.
وتتقاطع الأهداف الأمريكية والإسرائيلية قريبة الأجل: وهي تدمير الصواريخ الإيرانية، والبرنامج النووي، والبحرية، وإنتاج الأسلحة، ومراكز القيادة والسيطرة العسكرية. ويتفق الجانبان على أن النظام الإيراني عازم على إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالولايات المتحدة وإسرائيل مع زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
ولكن رؤيتيهما المتعارضتين للنصر بعيد المدى -اللتين تتمثلان في حكومة أطوع في طهران وحكومة جديدة بالكلية- لا بد لهما من حل إن كانت الولايات المتحدة تريد أن تجتنب حربًا ممتدة أخرى.
فالهجمات المستمرة على مختلف درجات القيادة والبنية الأساسية هي السبيل المؤكد إلى عملية بناء الدولة المطولة التي طالما رفضها الرئيس ترامب على مدى سنين. ويتردد أن مسؤولي البيت الأبيض قد استاؤوا استياءً شديدا من إحراق حقول النفط في طهران ليس فقط بسبب أسعار النفط، وإنما أيضا بسبب استحضار المشهد لحالة الفوضى العارمة في العراق وأفغانستان.
وقد سعى وزير الدفاع بيت هيجسيث هذا الأسبوع إلى التفرقة بين هذه الأمثلة للمغامرات العسكرية وبين مهمة الإدارة في إيران فقال في إحاطة صحفية في البنتاجون: «إننا لسنا في عام 2003. ولسنا في عملية لا نهاية لها لبناء دولة في ظل تلك المستنقعات التي رأيناها على عهد بوش أو أوباما».
وقال الوزير هيجسيث: إن الحملة العسكرية الأمريكية «ليست حتى قريبة» اليوم من تلك النقطة، ولكن الحال قد لا يكون ذلك بعد شهر من الآن أو ثلاثة أشهر أو ستة. ففي نهاية المطاف قصف الجيش الأمريكي منشآت نووية إيرانية في يونيو، فلما طالت المفاوضات التالية لذلك أمر الرئيس ترامب بمهمة عسكرية معقدة أخرى في إيران بعد أشهر ثمانية لا أكثر.
ولقد لقي سبعة من رجال القوات الأمريكية مصرعهم بالفعل، وأصيب مائة وأربعون منذ تجدد العمليات. وتضرر ما لا يقل عن إحدى عشرة قاعدة ومنشأة تستضيف قوات أمريكية في المنطقة.
لقد أشار الرئيس ترامب خلال الأيام الأخيرة إلى أن دور الولايات المتحدة في الحرب يقترب من النهاية؛ لأن أغلب القدرة العسكرية الإيرانية تعرض للتدمير.
ولكن ذلك لم يكن بالذي أثاره في أول الأمر إلى تهديد إيران بالقوة العسكرية.
فقد حدد الرئيس في البداية أن حملة الحكومة الإيرانية المشددة على المتظاهرين في يناير هي ذريعة التحرك. ومنذ ذلك الحين طرح هو ومسؤولون في الإدارة قائمة طويلة بأسباب متغيرة للحملة من قبيل: البرنامج النووي، وإنتاج الصواريخ، والسفن البحرية، وكان أكثر الأسباب إثارة للفضول على الإطلاق هو استباق الرد الإيراني على العمل العسكري الإسرائيلي.
طرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الزعم في الأسبوع الماضي حينما أشار إلى أن الولايات المتحدة تحركت؛ لأنها علمت أن ضربة إسرائيلية قد تدفع إيران إلى ضرب القوات الأمريكية في المنطقة. ولا يألف الأمريكيون أن يقال لهم إن رئيسهم قد سيق إلى الحرب على يد قائد حليف. وسواء صح هذا أم لم يصح فإن هذا الإحساس على الأرجح هو الذي أسهم في الدعم المنخفض للصراع؛ إذ لا يدعم الصراع مع إيران إلا 41% من الأمريكيين مقارنة بأغلبية أمريكية ضخمة كانت تدعم التدخل في العراق سنة 2003.
وهذا سبب آخر لافتراق مصالح نتنياهو والرئيس ترامب.
فأغلب الإسرائيليين يدعمون الحرب بما يجعل منها نقطة قوة سياسية لنتنياهو الذي تنتظره انتخابات عصيبة متوقعة هذا العام. أما الرئيس ترامب في المقابل فلا يريد حربا لا تحظى بشعبية تفسد عليه أجواء انتخابات التجديد النصفي التي يقترب استحقاقها في نوفمبر.
لا عجب إذن في أن الرئيس ترامب قد بدأ يلمح إلى أنه قد يكون الآن في طور البحث عن المخارج الممكنة حسبما قال جافيد علي المسؤول الأمريكي الرفيع السابق في مكافحة الإرهاب؛ إذ قال: إن «صبر ترامب كان إلى نفاد سريع لا محالة بشأن هذه الحرب؛ فالرسالة التي يريد إبلاغها هي أن إيران قد تم تجريدها من قوتها العسكرية. والآن حان الوقت لإبرام صفقة».
لقد قال الرئيس ترامب أقوالا متعارضة بشأن خططه لمستقبل إيران؛ فتكلم عن تغيير النظام، وعن المفاوضات، وعن استسلام غير مشروط، وعن ضرورة إشراكه شخصيا في اختيار قائد جديد. وقد سبق أن رأى الرئيس ترامب حلمه يتحقق في فنزويلا حينما اصطادت القوات الأمريكية نيكولاس مادورو وأطاحت به من السلطة وولت بدلا منه شخصية أكثر مرونة من فريقه المقرب هي ديلسي رودريجز.
قال لأكسيوس في الأسبوع الماضي: إنه يود أن يرى إعادة لهذا الأمر في طهران «لا بد أن أشترك في التعيين كما كان الحال مع ديلسي في فنزويلا».
لكن إيران لديها خطط أخرى؛ فقد أعلنت منذ ذلك الحين تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى فيها. وما من مؤشرات قائمة الآن على أنه راغب في التسليم للولايات المتحدة.
وهكذا يستمر القصف، وقد بدأت دولتان هذه الحرب معا، ويصعب الآن أن نرى كيف ستبقيان متحدتين في إنهائها.
دبليو. جيه. هينيجان من كتاب الرأي في شئون الأمن القومي والسياسة الخارجية في نيويورك تايمز.