روضة الصائم

خزانة كتب ابن عبيدان

سوانح تراثية

 

أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن جمعة بن عبيدان السمدي النزوي (ت:1104هـ) من فقهاء القرن الحادي عشر الهجري، تتلمذ على صالح بن سعيد الزاملي، وأخذ عنه عبدالله بن خلف المنذري وعلي بن سعيد الرمحي وغيرهما. ولابن عبيدان جوابات فقهية كثيرة منتشرة في غالب كتب الجوابات والنوازل في العهد اليعربي، عدا التي جُمِعت في مجلدات منها كتاب (جواهر الآثار) الذي جمعه سعيد بن عبدالله بن مبارك البراشدي الأدمي. تولى القضاء للإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي ثم لولده الإمام بلعرب بن سلطان.
لعل من أكثر ما يُلفِت المتتبع لشخصية ابن عبيدان عدا جواباته الكثيرة وفرة الكتب المخطوطة التي نُسِخَتْ له، وكثرة تملكاته المنتشرة على طرر المخطوطات، وهو الأمر الذي يتوقف عنده المشتغلون بالتراث المخطوط في سبيل رصد بقايا خزائن الكتب التي ترجع إلى العلماء والفقهاء والأدباء والساسة. وأحسب أن هذه المسألة لم تُدرَس بعد في عُمان بما فيه الكفاية، وهو ما لا أزال أدعو إليه كلما حانت سانحة. وقد حاولتُ معالجة طرف من الموضوع في دراستي لتاريخ المخطوط العماني وتقاليده، غير أن ذلك إنما كان مدخلًا للموضوع فحسب.
ومن زاوية 'المنسوخات' التي نُسِخت لابن عبيدان نكتشف أنه حشد كتيبة من النَّسّاخين وصلتنا أسماء بعضهم من خلال قيود الختام في المخطوطات، من أبرزهم: محبوب بن بشير بن ربيع بن خلف بن راشد الجحدري الرستاقي، وسالم بن محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد المحروقي البهلوي، وسعيد بن خلفان بن سعيد بن عطاس بن محمد السرّي، ومصبح بن جراد بن راشد بن جراد الجرادي العامري، وصالح بن مبارك بن مسعود بن مبارك بن فارس الربخي البهلوي، وعمر بن راشد بن إبراهيم العبري.
أما الكتب التي وصلتنا من بقايا خزانة ابن عبيدان فتطغى عليها أجزاء كتاب (بيان الشرع) لأبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن سليمان الكندي السمدي النزوي (ت:508هـ) وليس ذلك بعجيب إذا علمنا أنه أوفر الكتب العمانية حظًا من حيث عدد نسخه المخطوطة، وأكثرها حضورًا بين سائر الكتب. ولا تخلو مجموعة كتبه الباقية من كتب أخرى مثل كتاب (المصنف) لأبي بكر الكندي، وكتاب (مختصر الخصال) لأبي إسحاق الحضرمي وغيرها مما يُستدَل عليه أيضًا بقيود التملك التي تفتح المصراع الآخر من باب الخزانة، إذ ليس كل ما فيها منسوخ له، وإنما آل إليه البعض بالاقتناء ونحوه، ومثل هذه الكتب نرى عليها قيود التملك.
وعن سمات المكانة التي تبوأها ابن عبيدان في زمانه فقد ترجمها النُّسّاخ -كعادة الكثير منهم- في عبارات التبجيل التي رسموها قرين اسمه، فمنها مثلًا عبارة الناسخ محبوب بن بشير الجحدري الرستاقي: «لشيخه سراج الأمة، قاضي المسلمين، وقدوة الزاهدين»، وقول الناسخ سالم بن محمد المحروقي البهلوي: «لشيخنا وسيدنا ومولانا الشيخ الرضي، الثقة المرضي، العدل الولي، العالم الفقيه، الورع الزاهد النزيه، قاضي المسلمين...»، وقول الناسخ مصبّح بن جراد الجرادي العامري: «لسيده ومالك رقه، عين الزمان، وقدوة أهل عمان، رباني هذه الأمة، ومنقذهم من الظلمة، قاضي المسلمين....».
ولعلنا ندعو ختامًا إلى إحياء خزانة ابن عبيدان جمعًا ودراسة، وأن يكون لها رمز ومكان معروف بمدينة نزوى حاضرة العلم، يقصده الزائرون لاكتشاف زاوية مهمة من حضارة المدينة.