الاقتصادية

هل تعيد التوترات الإقليمية رسم خريطة الشحن البحري في الشرق الأوسط؟

 


مع تصاعد التوترات الأمنية حول مضيق هرمز'عنق الزجاجة' أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم، بدأت شركات الشحن العالمية إعادة النظر في مساراتها داخل الخليج العربي، في تحوّل قد يعيد رسم خريطة النقل البحري في الشرق الأوسط ويمنح الموانئ العُمانية فرصة استراتيجية لتعزيز دورها كمراكز لوجستية إقليمية.
و اتخذت كبرى خطوط الشحن إجراءات للحد من الرحلات إلى داخل الخليج، مشيرة إلى ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، إضافة إلى المخاطر المتزايدة التي تواجه السفن عند دخولها منطقة الصراع.
وأعلنت شركة 'إم إس سي' أكبر شركة شحن حاويات في العالم في بيان لها أوردته في موقعها الرسمي عن تفعيل إجراء يُعرف في قطاع النقل البحري باسم 'نهاية الرحلة' لبعض الشحنات المتجهة إلى موانئ الخليج العربي، ما يعني عمليا إنهاء مسؤوليتها التعاقدية عن البضائع العابرة عبر مضيق هرمز و هو إجراء يسمح بإنهاء عقد النقل البحري عند ميناء بديل آمن في حال وجود مخاطر استثنائية على مسار الرحلة. وبموجب هذا الإجراء، تصبح مسؤولية ترتيب النقل اللاحق وتحمل التكاليف والمخاطر المرتبطة به على مالكي البضائع.
وأوضحت الشركة، أن الشحنات التي لا تزال في طريقها إلى موانئ الخليج سيتم تحويلها إلى أقرب ميناء آمن للتفريغ، حيث ستكون البضائع متاحة للتسليم المحلي أو للاستلام من قبل مالكيها.
وذكرت الشركة أنها ستفرض رسوما إضافية إلزامية قدرها 800 دولار لكل حاوية لتغطية تكاليف تغيير مسار السفن، مشيرةً إلى أن جميع النفقات المرتبطة بعمليات التفريغ في الميناء البديل، بما في ذلك المناولة والتخزين، ستبقى على مالكي البضائع.
من جانبها، أعلنت شركة 'ميرسك' المصنفة ضمن أكبر شركات شحن الحاويات في العالم تعليق قبول الحجوزات الجديدة مؤقتا من وإلى عُمان باستثناء ميناء صلالة، إضافة إلى الإمارات، والعراق، والكويت، والأردن، وقطر، والبحرين، والمملكة العربية السعودية، وذلك في إطار إجراءات تشغيلية تهدف إلى ضمان سلامة العمليات واستقرار الخدمات.
كما فرضت الشركة رسوما طارئة إضافية على الشحنات المرتبطة بهذه الوجهات لتغطية تكاليف تغيير المسارات والتعديلات التشغيلية، حيث تبلغ نحو 1,800 دولار للحاوية قياس 20 قدما، و3,000 دولار للحاوية ذات 40 قدما، و3,800 دولار للحاويات المبردة.
بدورها، علّقت وحدة شحن الحاويات التابعة لعملاق الشحن والخدمات اللوجستية الصيني 'كوسكو' الحجوزات الجديدة على الخطوط المتجهة من وإلى موانئ الخليج، مشيرة إلى تصاعد التوترات الأمنية والقيود المفروضة على حركة الملاحة عبرمضيق هرمز.
وفي ذات السياق، أعلنت مجموعة 'سي إم إيه سي جي إم' الفرنسية للشحن والخدمات اللوجستية فرض رسوم طارئة مرتبطة بالأوضاع الأمنية على الشحنات المتجهة إلى المنطقة، التي قد تصل إلى 4,000 دولار لكل حاوية بحسب المسار ونوع الخدمة.
في حين طبقت شركة 'هاباج-لويد' رسوما إضافية لمخاطر الحرب تقدر بنحو 1,500 دولار للحاوية قياس 20 قدما ،ونحو 3,000 دولار للحاوية ذات الأربعين قدما، مع اختلاف الرسوم وفق نوع المعدات والخدمات اللوجستية.
تأثيرات متفاوتة
وقال أسامة الحراصي، مدير العمليات في شركة 'هرمز للخدمات البحرية': إن الشركة تعتمد بشكل كبير على حركة الملاحة في المياه العُمانية والدولية، مما يجعلها تتأثر بشكل ملحوظ بالتغيرات التي طرأت مؤخرا على حركة السفن العابرة، ولا سيما في الموانئ التي شهدت بعض الاضطرابات خلال الفترة الأخيرة.
وأوضح الحراصي، أن الشركة تتابع التطورات الراهنة في المنطقة عن كثب، مشيرا إلى أنها تمر حاليا بمرحلة تقييم شاملة للأوضاع بهدف الوصول إلى الحلول الأنسب، بما يتيح وضوحا أكبر في الرؤية لكل من الشركة وعملائها، والعمل على تحديد المسارات الأكثر ملاءمة لخدمة السفن في ظل الظروف الحالية.
وأضاف: إن تجربة جائحة كوفيد 19 كانت مختلفة تماما، إذ لم تؤثر بشكل مباشر على خطوط الملاحة البحرية، مقارنة بالتحديات التي يواجهها القطاع في الوقت الراهن.
وفيما يتعلق بالبدائل المتاحة أمام شركات الشحن لمواصلة عملياتها، أشار الحراصي إلى أن النقل البري قد يكون الخيار الأنسب في هذه المرحلة، لافتاً إلى أن تداعيات الحرب لا تمتد حالياً بشكل مباشر إلى قطاع الشحن البري، ما يجعله بديلاً عملياً في ظل الظروف القائمة.
من ناحيته قال محمد بن سيف المعولي الرئيس التنفيذي لشركة 'كارجو كيرلوجستيكس': إن قطاع الشحن والخدمات اللوجستية يواجه في الفترة الحالية تحديات كبيرة نتيجة التطورات الإقليمية، مما انعكس بشكل مباشر على حركة سلاسل التوريد وجدولة وصول الشحنات.
وأوضح المعولي أن شركات الشحن بدأت بتغيير الجداول الزمنية لوصول الشحنات، فيما أوقفت بعض الشركات استقبال حجوزات البضائع الخطرة والمبردة. كما فرضت شركات أخرى رسوماً إضافية على الحالات الطارئة تتراوح بين 2000 و3000 دولار لكل حاوية، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتأخر وصول البضائع إلى العملاء، مما تسبب في حالة من الاستياء لدى المستفيدين نتيجة تأخر تسليم شحناتهم.
وأشار إلى أن حالة عدم وضوح الرؤية بشأن اختيار الموانئ المناسبة أدت في بعض الحالات إلى التوقف المؤقت عن استقبال شحنات جديدة، إضافة إلى تأجيل شحنات قادمة بالفعل، وهو ما يسبب خسائر لشركات الشحن نتيجة التكاليف التشغيلية المرتفعة.
وأضاف المعولي أن ارتفاع أسعار الشحن يمثل تحديًا آخر، إذ أصبح من الصعب على بعض العملاء تقبّل الزيادات الحالية في التكاليف. كما لفت إلى أن شركات التأمين لا تغطي عادة مخاطر الحروب، الأمر الذي يزيد من مستوى المخاطر ويؤدي أحيانًا إلى رفض استلام بعض الشحنات.
وأكد المعولي أن الشركة تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع مثل هذه الظروف، مشيرًا إلى أن الشركة اكتسبت خبرة كبيرة خلال جائحة كورونا وكذلك خلال الأزمة التي شهدتها المنطقة أثناء الأزمة الخليجية مع قطر، ما ساعدها على تطوير آليات فعّالة لإدارة سلاسل التوريد في أوقات الأزمات وتقديم حلول لوجستية مرنة لعملائها داخل سلطنة عُمان وخارجها. وبيّن أن الشركة تمكنت خلال تلك الفترات من كسب ثقة العديد من العملاء بفضل قدرتها على ضمان استمرارية الخدمات اللوجستية وتقديم حلول بديلة للتغلب على التحديات.
وأكد المعولي أن الشركة على أتم الاستعداد لتلبية احتياجات العملاء وتقديم الخدمات اللوجستية من سلطنة عُمان إلى الدول الشقيقة المتأثرة حاليًا بالظروف الراهنة، من خلال توفير حلول نقل وشحن متكاملة تلبي احتياجات الأسواق، مشيرًا إلى أن الشركة تواجه تحديات كبيرة، إلا أن السياسة العمانية والتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة ساهمت في تسهيل اتخاذ القرارات وتبسيط إجراءات عبور الشحنات عبر موانئ ومطارات سلطنة عُمان إلى الدول المجاورة برًا.
ولفت المعولي إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسلطنة عُمان يمنحها ميزة مهمة في دعم حركة الخدمات اللوجستية في المنطقة، وهو ما يسهم في تعزيز ثقة الشركات العالمية واستمرارها في خدمة دول مجلس التعاون والدول الشقيقة في مختلف الظروف.
ممرات بديلة
ويستفيد مزودو الخدمات من احتمالات تحويل الشحنات إلى سلطنة عُمان عبر توسيع مواردهم لدعم عمليات إعادة التوجيه، حيث أكدت شركة المدينة للخدمات اللوجستية العُمانية عبر حساباتها الرسمية جاهزيتها لتقديم حلول لوجستية متكاملة تُسهّل نقل البضائع بكفاءة وموثوقية عبر سلطنة عُمان إلى الأسواق الإقليمية، مستفيدة من البنية الأساسية للنقل في سلطنة عُمان وموقعها كبوابة إقليمية.
وتدير الشركة أيضًا مرافق لوجستية استراتيجية تشمل محطة مسقط للحاويات، ومحطة صحار اللوجستية، وميناء المزيونة البري، ومستودعات جمركية تدعم حركة التجارة المحلية والإقليمية.
من جهتها، أشارت شركة كانو للخدمات اللوجستية، الذراع اللوجستية لمجموعة يوسف بن أحمد كانو، إلى تزايد الطلب على ممرات بديلة مستقرة في ظل الاضطرابات، مؤكدة أن ميناء صحار يمثل بوابة فعالة لضمان استمرارية سلاسل الإمداد.
وأكدت الشركة قدرتها على الاستفادة من البنية الأساسية متعددة الوسائط في سلطنة عُمان وشبكات الطرق التي تربطها بأسواق دول مجلس التعاون الخليجي، بما يتيح إعادة توجيه الشحنات واستمرار العمليات اللوجستية دون انقطاع. وتشمل هذه الخدمات الربط البحري والبري مع وجهات مجلس التعاون، وتوفير خدمات مخصصة للجمارك والتوثيق، وإدارة آمنة للبضائع العابرة مع ترتيبات إيداع الرسوم والضرائب.
تحذيرات من ضغط على الموانئ
ومع ذلك، ورغم توقع أن تعمل الموانئ الواقعة خارج الخليج كمراكز بديلة خلال الأوضاع الجيوسياسية الراهنة، حذر ألفريدو بوسييلو، الخبير في صناعة شحن الحاويات، من أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة قد تؤدي إلى اضطرابات كبيرة في حركة الشحن البحري في الشرق الأوسط، خاصة مع تزايد المخاطر الأمنية في مضيق هرمز وباب المندب، ما دفع شركات الشحن الكبرى إلى تجنّب المرور عبر هذه الممرات الحيوية.
وأشار إلى أن تحويل مسارات السفن والشحنات المتجهة إلى دول الخليج سيزيد الضغط على عدد من الموانئ الإقليمية، ومن بينها ميناء صلالة في سلطنة عُمان، والذي قد يستقبل جزءًا من الشحنات المحوّلة من موانئ أخرى. ومع ذلك، أوضح أن قدرة الميناء على استيعاب الزيادة المفاجئة في أحجام الحاويات تبقى محدودة في ظل الارتفاع السريع في الشحنات المحوّلة.
وأضاف أن قطاع الشحن سيحتاج خلال الفترة المقبلة إلى تنسيق وثيق بين شركات النقل والجهات اللوجستية، إلى جانب المرونة في التخطيط ومسارات النقل، في ظل توقعات بتأثر جداول الرحلات وتوافر الحاويات وأزمنة العبور خلال الأسابيع القادمة.
إجراءات ميسرة
وكانت وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة عُمان وشرطة عُمان السلطانية، قد أعلنت جاهزية قطاع النقل البري لنقل البضائع عبر موانئ سلطنة عُمان إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتوفير إجراءات ميسرة تعزز انسيابية الحركة التجارية وكفاءة سلاسل التوريد.
وأوضحت الوزارة أنه لضمان انسيابية الحركة التجارية ورفع سرعة الاستجابة لمتطلبات النقل والتوريد، تتوفر حزمة من التسهيلات والمزايا اللوجستية، أبرزها: سهولة دخول وسائل النقل البري الفارغة من دول مجلس التعاون الخليجي لنقل البضائع من سلطنة عُمان، وتقديم الطلبات عبر نظام 'بيان' من خلال إجراءات ميسرة وسريعة.
وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات تعكس أهمية النقل بالعبور 'الترانزيت' في تسهيل انتقال البضائع عبر سلطنة عُمان إلى الأسواق الخليجية والإقليمية، مما يدعم كفاءة حركة الشحن ويساهم في استدامة سلاسل الإمداد، كما يعزز هذا الإجراء مكانة سلطنة عُمان كممر لوجستي فاعل وبوابة تجارية موثوقة في المنطقة، تفتح آفاقًا جديدة وتوسع التعاون الاقتصادي مع الدول المجاورة.
وفي ذات السياق، أكدت مجموعة أسياد في بيان رسمي لها دورها في تقديم حلول لوجستية متكاملة تعزز من موقع سلطنة عُمان كبوابة استراتيجية تربط الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتوفر المجموعة منظومة متكاملة من الخدمات تشمل النقل بالعبور وخدمات الشحن المباشر، مستفيدة من التكامل بين الموانئ والمطارات العُمانية ذات المعايير العالمية، بما يتيح للشركات الاستفادة من مزايا الربط متعدد الوسائط الذي يضمن سرعة وكفاءة تدفق البضائع.
كما تتيح هذه المنظومة اللوجستية نقل البضائع من وإلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية واليمن، مع إمكانية الوصول إلى مختلف الأسواق العالمية، مما يسهم في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتجاوز التحديات اللوجستية التي قد تواجه حركة التجارة.
وتسعى المجموعة من خلال هذه الخدمات إلى تمكين الشركات من توسيع نطاق أعمالها والوصول إلى أسواق جديدة، عبر شبكة لوجستية متكاملة توفر مستويات عالية من الكفاءة والسرعة في عمليات الشحن والنقل.