محاولة قراءة الحرب
السبت / 24 / رمضان / 1447 هـ - 22:58 - السبت 14 مارس 2026 22:58
أينما ولينا وجوهنا وجدنا موضوع الحرب، ما هذه الحرب التي «وجدنا» فيها أنفسنا؟ ما ملامحها البارزة؟ وكيف يمكننا أن نقرأها بينما هي مستمرة في اندلاعاتها؟ ألسنا مدعوين، ليس فقط لمتابعة أحداثها، بل لمحاولة فهم دوافعها واتجاهاتها، والتعرف على مآلاتها وأين هي ذاهبة بكل هذا الاشتعال المستمر؟ وهو اشتعال ليس فقط لأنها نار الحرب، بل لأنها تحدث في منطقة خطرة وحساسة من العالم، افترضنا طويلًا، نحن سكانها، أن عليها تحذيرًا عالميًا، وفق قواعد السلامة، من خطورة أي اشتعال، أو تقريب أي لهب، حالها حال خزانات ومحطات الوقود.
لكن كما هو واضح، أن مشعلي الحرائق لا يبالون بمثل هذه التحذيرات. ونحن مرغمون ولا خيار لنا غير قراءة هذه الحرب، ومحاولة فهمها، لأن نتائجها قد تعيد صياغة مستقبل منطقتنا بأكملها، وليس مستقبل إيران فحسب.
من الواضح أولًا أن مربط هذه الحرب وعقدها وحلها ليس في واشنطن، بل في تل أبيب، فهذه هي الحرب التي ظل نتنياهو يلاحقها علنًا منذ عقود طويلة، وهكذا يبدو رئيس الإدارة الأمريكية، رغم استمراره في التبجح الشخصي، ليس أكثر من واجهة وستار احتاجهما رئيس الوزراء الإسرائيلي لضمان دخول أمريكا معه في هذه الحرب وبالتالي تعزيز تفوقه التسليحي؛ ثانيًا هذه هي نفسها الحرب السابقة العام الماضي قبل عدة أشهر، واليوم تجد إسرائيل في نفسها الجرأة كي تشن الحروب في المنطقة، خارج بلدان الطوق التي دأبت على مهاجمتها، وهذا تغير في المناخ السياسي، أسهمت فيه بشكل مباشر مغامرات الولايات المتحدة وحلفائها منذ حرب العراق وسقوط بغداد عام ٢٠٠٣م، وهو المناخ الذي كما يبدو تريد إسرائيل أن تصبح هي الفاعل الرئيسي والمهيمن فيه.
فإذا كانت الحرب إسرائيلية في نخاعها، وتشاركها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، وإذا كانت الأهداف المعلنة للحرب والمصرّح عنها في وسائل الإعلام تبدو مشوشة ومتضاربة بين تدمير السلاح النووي، وتغيير النظام، ودفعه للاستسلام، فإن الواضح أن الخطة الإسرائيلية هي التدمير الكلي لقوة النظام والبلد نفسها بالتالي، وهذا منهج إسرائيل المعروف ولا تملك منهجًا غيره، وهو مواصلة التدمير ونشر الخراب واستهداف المنشآت والبنى التحتية، بما في ذلك أكبر قدر من المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية، وباختصار نشر الذعر والخوف، وهذا باختصار ما يعرف بمبدأ «الصدمة والترويع» الذي تتبعه إسرائيل، وفيما تواصل إسرائيل فعل ذلك، ما دام لا يوقفها شيء، فإنها تنتظر أن تتورط أطراف أخرى في هذه الحرب، بدءًا من المملكة المتحدة، التي انضمت جزئيًا، وأوروبا بالطبع، وها هي فرنسا تدخل هي الأخرى، وليس انتهاءً بدول الخليج.
في هذا السيناريو فإن إطالة أمد الحرب يعني أن تندلع حرب كبرى في المنطقة، وأن تجد دول العالم نفسها مجبرة على مشاركة إسرائيل حربها ضد النظام الإيراني وضد الإيرانيين، وبالنسبة لإسرائيل فإن حسابات الأمن والتوازن الإقليمي والعالمي لا تعنيها ولا تهمها البتة، فكل تركيزها وقوتها مسخرة لخدمة هدف واحد ووحيد هو إسرائيل نفسها، حتى لو كان ذلك يعني خراب العالم بأكمله.
أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن العمل الذي قامت به الإدارة الأمريكية في عامها الأول في الرئاسة هو ترتيب البيت الأمريكي الداخلي بحيث لا يشكل أي معارضة لإدارة ترامب؛ يعني أن كل معارضة داخلية في أمريكا لا يمكنها أن تكبح جماح الرئيس، وهذا واضح في هذه الحرب، الذي يعلن ترامب أنه هو وحده من بمقدوره إيقاف الحرب.
ولكن الواقع أن الحرب بدأت تخرج عن مثل هذه السيطرة المزعومة، خاصة مع أسعار الطاقة التي تهدد بشلّ الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما بالنسبة للإيرانيين فهم فعلًا وقانونًا في حالة دفاع عن النفس، مقابل هجمة بربرية وحشية وغير قانونية ولا تجد لها سندًا دوليًا، وإيران تراهن اليوم على سلاح الطاقة تحديدًا، إضافة لاستهدافات العمق الإسرائيلي، والقواعد الأمريكية، وتلوح ليس فقط بإغلاق مضيق هرمز، المغلق الآن، بل كذلك بإغلاق مضيق باب المندب في مرحلة ما من الحرب عبر تحالفها مع الحوثيين في اليمن، وقامت كذلك بتحريك حليفها اللبناني حزب الله لشن هجمات على إسرائيل، وهو ما فتح جبهة أخرى، هذا غير الجبهة المفتوحة في الداخل العراقي بفعل الجماعات المسلحة الشيعية التي بدأت تهاجم المصالح الأمريكية في العراق، وهكذا تأمل قيادة الحرس الثوري الإيراني التي تدير الحرب الآن أن تتمكن من تكبيد الأمريكيين والإسرائيليين خسائر فادحة، ولكن السلاح الأمضى في كل ذلك هو ليس الخسائر المادية والبشرية، بل هو التأثير الاقتصادي الذي سيجلب السخط والاعتراض العالمي، وهو السخط الذي تحاول أمريكا وإسرائيل أن تتهم به إيران، لأنها هي من يغلق المضيق الآن، والواقع أن إيران ما كان لها أن تغلق المضيق لو لم تهاجمها إسرائيل وأمريكا. وهنا نصل لدول الخليج.
أولًا هذه ليست حربًا مفاجئة، بل هي حرب منتظرة، جرى التخطيط لها منذ عقود، لذلك فإن إسرائيل وأمريكا حين هاجمت إيران، فإنها كانت تدرك بكل وضوح، أنها تزجّ دول الخليج بين خطوط النيران المتبادلة؛ ورغم إعلان الخليجيين، حتى الساعة، أن موقفهم هو عدم الدخول في حرب مع إيران، لكن كما يبدو هناك خطة لجرهم إلى الحرب، وموقف دول الخليج قائم على إدراكها للعواقب المترتبة على ذلك، لذلك فهي تتمسك بوضعية الدفاع، لكن كم يمكنها الاستمرار في هذه الوضعية؟ وواقع الحال أن القواعد الأمريكية الموجودة في الخليج والتي كان يفترض بها حماية المنطقة أصبحت هي مصدر الخطر والتهديد. إن سقوط النظام الإيراني أو تفكك إيران يعني ببساطة دخول المنطقة في دوامة من انعدام الأمن أكبر وأوسع من تلك التي تلت سقوط النظام العراقي، هذا غير شبح الهيمنة الإسرائيلية وجيرتها الاستفزازية المنذرة بحروب وانشقاقات لا تتوقف، وإنهاك اقتصادي، وهو نفس الخراب الذي خلقته إسرائيل في محيطها الإقليمي الضيق، وليس لدى إسرائيل ما تقدمه أفضل من ذلك، والمؤسف اليوم أن الإدارة الأمريكية، حليف دول الخليج «الكبير»، متواطئة مع الإسرائيليين على ذلك.
يقع اليوم واجب سياسي ملح، على دول الخليج مجتمعة، وعلى كل دول المنطقة، لتعزيز موقفها وإعادة تحديد المخاطر التي تهددها بها هذه الحرب، والعمل باستخدام كل قدراتها وعلاقاتها لإيقاف هذه الحرب، وإخراج أنفسها بأسرع ما يمكن من هذه الحرب المتفجرة التي يحاول أن يجرّها إليها بالقوة وتحت تهديد السلاح رئيسا إسرائيل والولايات الأمريكية.
على الساسة الخليجيين، ومن تبقى من حلفائهم الحقيقيين، أن يدركوا أن خراب إيران لن يقف عند حدود إيران، بل سيجر المنطقة بأكملها لانفجارات لا نهاية لها غير الخراب الكلي والشامل، فما تقوم به هذه الحرب هو تهديد وجودي مباشر، واليوم تكبر الحرب أكثر فأكثر، ومع أسبوعها الثالث بدأت تجر أطرافًا جديدة، وكلما طال أمد الحرب زاد المتورطون بها، بل هي تنذر صراحة بحرب عالمية ثالثة إذا هي استمرت على هذا المنوال، وكل ذلك لا يخدم المنطقة ولا يخدم العالم بأسره، باستثناء دولة واحدة، يديرها مطلوبون للعدالة، تعتبر نفسها فوق العالم.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني