روضة الصائم

ثقافة الدبلوماسية: جذور تاريخية

 

د. أحلام بنت حمود الجهوري، باحثة وكاتبة في التاريخ -

يستند دور عُمان كوسيط موثوق في عملية إدارة حوار بنّاء بين الفرقاء إلى جذور تاريخية راسخة، فالدبلوماسية العُمانية هي انعكاس رسمي لثقافة هذا البلد.
وأصبح من الواضح أن هنالك وعيا عاما في عُمان على المستوى الرسمي وعلى المستوى المجتمعي بأن التجارب التاريخية وسمات الثقافة العُمانية ساهمت في تشكيل طريقة تحديد مصالح عُمان الوطنية وتأسيس علاقاتها الدولية.
إن الحديث اليوم عن الدور العُماني المهم والمؤثر في تقريب وجهات النظر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، أعادني إلى كتاب (عُمان الثقافة والدبلوماسية) للكاتبين جيرمي جونز ونيكولاس ريداوت، الذي صدرت ترجمته العربية في أبريل 2021م للمترجم العُماني أيمن العويسي. وكنبذة تعريفية عن المؤلفين، فالباحث والمحلل السياسي جيرمي جونز عمل لثلاث سنوات في كلية كينيدي للدراسات الحكومية بجامعة هارفارد، كما عمل باحثًا في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة أكسفورد، وتعود علاقته بعُمان إلى أواخر السبعينيات حين عمل مستشارًا للعديد من المشاريع الحكومية والتنموية المختلفة. أما نيكولاس ريداوت فيعمل أستاذًا للمسرح بجامعة كوين ماري في لندن، وعمل برفقة جيرمي جونز على إجراء العديد من البحوث حول عُمان منذ عام 1989م.
وبالعودة إلى الكتاب فهو مكون من 13 فصلًا موزعة على 3 أجزاء. مع مقدمة مهمة وثرية للمؤلفين. احتوى الجزء الأول على فصلين بعنوان: شعب كوزموبوليتاني، وآخر بعنوان: ثقافة الدبلوماسية. أما الجزء الثاني فاستهله الكاتبان بمقدمة ثم لحقته خمسة فصول كالتالي: مسقط وميسور: بين الإمبراطورية والجمهورية، والدبلوماسية والقرصنة: 1797-1819م، وإنجليزيٌّ في عُمان، والانتقال إلى زنجبار، وزنجبار وبريطانيا والولايات المتحدة وتجارة الرقيق. أما الجزء الثالث والأخير فاشتمل على مقدمة وستة فصول جاءت كالتالي: التعامل مع إيران: توازنٌ دقيق، وإدارة الأوضاع خلال الحرب الباردة، وجيرانٌ في شبه الجزيرة العربية، والحليف الاستراتيجيّ الرئيس: عُمان والولايات المتحدة، والعمل من أجل السلام: عُمان وعملية السلام في الشرق الأوسط، والفصل الأخير جاء بعنوان: عُمان والكوزموبوليتانية والعولمة.
وبعد اطلاعي على الكتاب وجدته يشكل جسرًا لفهم الحاضر في ضوء أحداث الماضي، فالمؤلفان قدما تحليلًا تاريخيًا عميقًا من خلال الأفكار والمواضيع التي تم مناقشتها في فصول الكتاب الثلاثة، فناقشا أهمية الموقع الجغرافي لعُمان وانفتاحه على المحيط الهندي ودور هذا الانفتاح في تشكيل ثقافة الدبلوماسية العُمانية. وقدما تحليلًا لعلاقات عُمان بمحيطها الخارجي (المحيط الهندي والخليج العربي) خلال فترة الدولة البوسعيدية وعلى مستوى علاقاتها مع القوى العالمية (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية). كما تم مناقشة توازن العلاقات بين عُمان وإيران من جهة وبين عُمان والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى ودور عُمان عمومًا في عملية السلام في الشرق الأوسط. مع الإشارة إلى مبادرات عُمان التي أسهمت في تعزيز دبلوماسيتها الخارجية كالكراسي العلمية والرحلات البحرية التي أحيت أمجاد العُمانيين.
وبالاقتراب قليلًا من المقدمة الثرية للكاتبين جيرمي جونز ونيكولاس ريداوت، أوضح الكاتبان الكلمات الثلاث اللاتي تضمنهما العنوان: عُمان/ الثقافة/ الدبلوماسية. كما أوضحا أن الكتاب يحمل طابع التاريخ والسياسة. وأشارا في المقدمة إلى جملة من المصادر والمراجع التي تناولت تاريخ عُمان القديم والوسيط والحديث والمعاصر والتي استعان بهما المؤلفان في التأليف، وأشارا كذلك إلى استعانتهما بآراء الدبلوماسيين العُمانيين والباحثين والمثقفين والمسؤولين والمواطنين والمقيمين. أوضح المؤلفان أيضًا أن الكتاب يهدف إلى: 'تقديم رؤية جديدة للثقافة والمجتمع العُماني وأثرهما على الدبلوماسية العُمانية'.
وكمختصر عام لكل فصل، فجاء الجزء الأول موضحًا وشارحًا: 'ثقافة الدبلوماسية' من أين أتت؟ وهو أشبه بقاعدة تأسيسية للكتاب حتى يفهم القارئ إلى أين سيذهب به هذا الكتاب.
في حين ركز الجزء الثاني على السمات الرئيسية للدبلوماسية العُمانية خلال خمسين عامًا تقريبًا وحددها المؤلفان بتولي السيد سلطان بن أحمد مقاليد الحكم في عام 1792م، وانتهاءً بالرحلة التاريخية للسفينة سلطانة إلى نيويورك في عام 1840م. مركزًا على علاقات عُمان الخارجية في تلك الفترة التاريخية مع بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها من الدول. أما الجزء الثالث فهو الجزء الأكبر حجمًا والذي تضمن نصف الكتاب تقريبًا بفصوله الستة، وتناول دبلوماسية عُمان المعاصرة، وناقش مليًا الروابط بين السياسة الخارجية لسلطنة عمان والثقافة الكوزموبوليتانية للدبلوماسية والتي اتضحت جليًا في تفاعلات القرن التاسع عشر الميلادي، مع الأخذ في الاعتبار-كما يشير الكاتبان- أن فهم الأسس الاجتماعية والأبعاد الثقافية لممارسة الدبلوماسية يثري الدراسات والتحليلات في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
نجح المؤلفان في تقديم محتوى سياسي وثقافي بأساس تاريخي متين، فالتاريخ عنصر ومكون مهم لثقافة الدبلوماسية. كما نجح الكتاب في تقديم رؤية عميقة في بعض جوانب التاريخ العُماني وكيف أصبحت أحداثه وقيمه صورة لثقافة ودبلوماسية عُمان على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي. هذا الكتاب باختصار يقول لنا: 'إن التشكيل المستمر للدبلوماسية العُمانية مرتبط بشعور قوي وراسخ بأن التفاعل الخارجي أمر حيوي لاستمرارية البلاد'.
ختامًا، يمكن القول بأن عُمان الحديثة: 'تاريخ مستمر' لأنها امتداد تاريخي ككيان سياسي وجغرافي واجتماعي واحد؛ صبغ العُمانيين بسمات الانفتاح والتسامح والتعاون كشعب احترف كيف يتواصل مع العالم بحب واحترام. وسيظل الحل دائمًا في مسقط كما يحلو للكثيرين القول.