ثقافة

زيارة أندلسية برفقة "العطار"

 

(1)
الدراسات الأندلسية في الثقافة العربية حقل معرفي حديث النشأة نسبيًّا، إذا ما توقفنا عند المحاولات الأولى للبحث في تاريخ الأندلس ثقافيا وتاريخيا وحضاريا انطلاقا من اللحظة الراهنة التي تأسس فيها هذا الدرس (الثلث الأوسط من القرن العشرين).
كانت البدايات مع طه حسين في الجامعة المصرية؛ وتحديدا في قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب، ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، ثم ازدهرت وتعمقت على يد الرعيلين الأول والثاني من الطلاب الذين ابتعثوا للحصول على درجاتهم العالية (الماجستير والدكتوراه) في جامعات إسبانيا ذاتها، ثم أصبحت الدراسات الأندلسية، والأدب الأندلسي، تخصصا رئيسيا معترفا به في أقسام الأدب واللغات العربية والإسبانية بالجامعات العربية من المشرق إلى المغرب.


ينتمي سليمان العطار (1945-2020) الذي حلت ذكرى رحيله السادسة قبل أيام قليلة (رحل عن عالمنا في النصف الأول من مارس 2020) إلى الجيل الثالث من أبناء الجامعة المصرية الأم من الذين تخصصوا في حقل الدراسات الأندلسية، والأدب الأندلسي والأدب المقارن، سافر إلى إسبانيا في مطالع السبعينيات للحصول على الدكتوراه وحازها باقتدار عن أطروحة بالغة القيمة والندرة عن الخيال عند محيي الدين بن عربي، فضلا على دراسته الفريدة عن شعر الطبيعة في الأندلس وقد فتحت هذه الدراسة الباب واسعا لجيل كامل من الباحثين الذين أنجزوا أطروحاتهم في الماجستير والدكتوراه في موضوعات شبيهة تأسيسا على منهجية العطار وتحليلاته المدهشة للنصوص الأندلسية (شعرا ونثرا).
وبذلك أصبح العطار أحد معابرنا الثقافية وجسورنا الحضارية والإنسانية من خلال هذه التجربة الفريدة في تاريخ الحضارات، ذلك اللقاء الصادم الدامي الذي تحول إلى واحدة من أخصب تجارب التلاقح الثقافي والحضاري في تاريخ الإنسانية..
(2)
بالإضافة إلى ممارسته التدريس الذي لم ينقطع عنه إلا اضطرارا أثناء سفره في مهام رسمية كمستشار ثقافي في شيلي، تَوفَّر سليمان العطار على ترجمة أعمال منتقاة ومختارة من الإسبانية إلى العربية؛ ترجم لماركيز، وكاميلو خوسيه ثيلا، وغيرهما، كما ترجم عددًا من الكتب المهمة في التاريخ والحضارة والأدب، من أهمها كتاب أميريكو كاسترو «حضارة الإسلام في إسبانيا»، وكتاب ماجي آن بورز عن «الواقعية السحرية»..
لكن ربما كان أهم ما توفر عليه سليمان العطار، وقدمه لقراء العربية إكمال ترجمة أستاذه الجليل الدكتور عبد العزيز الأهواني لأول نص روائي حديث في تاريخ الرواية؛ أقصد رواية ثربانتس «دون كيخوته دى لامانشا» أو «دون كيشوت» كما شهرت وذاعت بين الناطقين بالعربية.
كان سليمان العطار من الأساتذة والباحثين والمؤلفين المبدعين الذين يبحثون دائما عن 'التجديد' و'الابتكار' وارتياد طريق جديدة لم يسبقه إليه أحد، لم يقلد العطار أحدا في يوم من الأيام، ولم يسع إلى أن يكون كذلك، عاش عمره يبحث عن 'الفريد' و'الخاص' و'المتميز'، غير المسبوق، يتجه بحدسه وتأمله إلى الأرض البكر التي لم يطأها قبله أحد في البحث والدرس، ومن يقارب أعماله العلمية ودراساته 'الفريدة' سيجد مصداق ما أقول..
يبدع العطار دائما في كتابة بحوثه ومقالاته ودراساته الرصينة، دائما ما يجد مدخلا جديدا، غير مطروق، وزاوية بحث لم يلتفت إليها أحد لمقاربة موضوعه والنظر في مادته، يعزف على أوتار الخيال لفهم الواقع فيكشف له عن أسرار وكنوز لم تتيسر إلا له وحده!
راجع قراءاته 'الفريدة' في التراث العربي والإسلامي، راجع دراسته عن «نشأة الموشحات الأندلسية» التي لم أقرأ مثلها في بابها، استمتع بكتابه الفذ «نظرية الخيال عند محيي الدين بن عربي» أو كتابه الأعم والأشمل «الخيال والشعر في تصوف الأندلس».. اقرأ دراسته عن «الموتيف في الأدب الشعبي»، وكذلك مقدماته 'العميقة' الرصينة لكتب مرجعية في التراث الأندلسي والمشرقي على السواء..
(3)
تفردت تجربة العطار الثقافية والمعرفية و'الصوفية' فيما أتصور عن نظرائه وأقرانه ممن تخصصوا في هذا المجال المعرفي؛ كان مدخل سليمان العطار هو المعايشة والتأمل والاستبطان الداخلي؛ قرر أن يتقن الإسبانية بأسرع طريق وأصعبه في الآن ذاته؛ فتصدى لقراءة وترجمة النص المؤسس في تاريخ الرواية العالمية «دون كيشوت»؛ وقد رسخت هذه التجربة في وجدانه أن مفتاح التعرف على أي ثقافة هو إتقان لغتها لا بما هي عليه من قواعد ومفردات وألفاظ وآجرومية.. إلخ، بل بما هي تكتنزه وتنطوي عليه من حياة أصحابها وروح أسلافهم؛ تاريخهم وتراثهم وتصوراتهم للعالم والآخر.. إلخ.
وهكذا، وعبر رحلة حياته ومشواره الإنساني والمعرفي، كان العطار يتوقف على بضع سنوات عند نص تأسيسي من نصوص الآداب الإسبانية؛ شعرا ونثرا، رواية وقصة ومسرحا، وتجاوز الإنتاج المعرفي والأدبي الإسباني الخالص في شبه جزيرة إيبيريا متجها ببصره إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلنطي ليقرأ روائع ما أنتجته الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية، ويكتشف دررها ولآلئها وينتقي منها ما يقدمه إلى أبناء الضاد.
بل يزيد رحلته عمقا ورسوخا بسفره إلى شيلي وهناك وسط مزارع الفلاحين يهتدي إلى نظريته الإرشادية في فهم وتحليل الموشحات الأندلسية متخذا من الأغاني الريفية المحلية الشعبية مفتاحا وأداة لفك بنية الموشحة وإدراك أسرار تركيبها وتوليفها الفني والشعري والغنائي الذي استعصى على الكثيرين ولقرون طويلة!
تبهرك موسوعيته، وقدرته على النفاذ والتشعب لأعماق مجالات نوعية متعددة ومتنوعة، الأدب العربي، الأدب الأندلسي، الأدب الشعبي، الفنون والآداب الغربية، الأدب الحديث والمعاصر، مذاهب النقد الأدبي وعلم الأسلوب.. إلخ.
(4)
سجل العطار خلاصة تأملاته ومعايشته الخالصة لروح الثقافة الأندلسية من خلال النصوص والزيارات والرحلات، بل والتجربة الروحية أيضا، في أكثر من كتاب لعل أهمها وإن لم يحظ بالشهرة التي يستحقها كتاب «الخيال والشعر في تصوف الأندلس»، وكتاب «الخيال عند محيي الدين بن عربي ـ النظرية والمجالات».
كان يرى بأن تجربة «إسبانيا» الحضارية والثقافية كانت تذكره دائمًا بأن الانفتاح على الغرب، كما انفتح الغرب على الشرق هو الطريق الوحيد للتقدم، لأن 'الأندلس' مثلت أول لقاء بين ما هو 'لاتيني' غربي، وما هو شرقي وليس عربيا فحسب؛ لأن العرب حملوا حضارة الشرق إلى الأندلس فوجدوا هناك، حضارات لاتينية شفوية، بالإضافة إلى الحضارة القوطية والسيلز، كما أن اللبنانيين قاموا بالكثير من الرحلات التجارية إلى هناك حين كان يطلق عليهم اسم 'الفينيقيين'، واستقر بعضهم في إسبانيا. وتحوّلت الأندلس بسرعة شديدة إلى منارة حضارية، في أوروبا والعالم العربي والشرقي عمومًا، كان يقول عن الفترة التي قضاها هناك 'إنها تمثل فترات جميلة من حياتي عشتها هناك أو في العالم المتكلم بالإسبانية'..
من ناحية أخرى، كان العطار يرنو ببصره وروحه وعقله إلى التراث المشرقي الخالص في جزيرة العرب وما فاض عنها في الأقاليم والأقطار الأخرى التي تعربت وصارت جزءا خالصا ومنتجا أيضا للثقافة العربية (العراق ومصر والشام وشمال إفريقية إلخ..)، وتوقف مليا أمام حركة الحداثة العباسية في الشعر العربي، وربط بينها وبين حداثة قرطبة وقدم في ذلك تفاصيل مدهشة وتحليلات مبهرة بين الشعر العباسي والشعر الأندلسي مستندا على ذائقة رهيفة وأساس لغوي مكين فضلا على إفادته الواعية من مكتسبات علم الأسلوب الحديث ومدارسه وتياراته وقد أسهم في ذلك إسهاما محمودا بالترجمة والدراسة والتطبيق..
ولم يغفل الدكتور الثقافة الشعبية (وبخاصة الأندلسية) بما هي ثمرة حلوة من ثمرات الشعوب والأمم من زوايا عدة، وأهمها الحروب والتجارة والتواصل الحضاري، وألف ليلة وليلة، ولغة الثياب في ألف ليلة وليلة، والفانتازيا وتكنولوجيا السحر، كما تناول الأدب الشعبي والأمثال الشعبية وعلاقتها بالتكنولوجيا، ثم تناول العلاقة بين الفن والدين في مجموعة مقالاتٍ عن الفن الإسلامي، وعالمية التلقي، وبين عالمية الشعر وعالمية الفن في الإسلام. بالتأكيد، كان الدكتور سليمان العطار صاحب ذائقة فريدة في تناولاته النقدية والجمالية للنصوص الأدبية، والسرديات قديماً وحديثاً، على السواء.