ترشيد..
الجمعة / 23 / رمضان / 1447 هـ - 21:24 - الجمعة 13 مارس 2026 21:24
ينظر إلى مصطلح الـ«ترشيد» على أنه مصطلح حديث في التعريف، ولكنه - في الواقع - يأخذ بعدا تطبيقيا دون أن يخضع للتعريف العلمي الدقيق، وبالتالي فعند الحديث عنه لن نستنزف الذاكرة كثيرا عن ماهيته، وإنما نستجلبه سريعا؛ فيحظى بالقبول، وربط الإنفاق دائما بمفهوم بالترشيد يؤكد أن كلا الأمرين على درجة كبيرة من الأهمية، وهذه الأهمية؛ وإن لم تحضر كمفهوم في الذاكرة الجمعية عند التطبيق، إلا أنها حاضرة بقوة التطبيق، وإذا كان الترشيد غير واضح بصورة دقيقة، يظل الإسراف حاضرا وبقوة، ويجابه في كثير من المواقف، ويسمى باسمه المباشر دون مواربة.
لذلك تكون المسافة الفاصلة بين (التبذير/ الإسراف) والترشيد؛ مسافة مرتبكة غير هادئة، لأنها على طرفي نقيض، وفي ظل الممارسات اليومية لكل منا، قد لا ندرك كثيرا هذا التناقض المؤدي - بالضرورة - إلى الانتصار لأحدهما على الآخر، وذلك لاختلاف تقييم المستوى الذي يمكن الحكم من خلاله على أن هذا السلوك تبذير، وأن هذا السلوك ترشيد، وهذه الصورة تخضع لكثير من الاعتبارات الشخصية؛ على وجه الخصوص؛ لأن ما أراه تبذيرا؛ قد لا يراه آخر كذلك، وكذلك بالنسبة للترشيد، وهل المسألة لها علاقة بالإمكانيات المادية بكل منا؟ قد تكون الإجابة؛ أيضا؛ على طرفي نقيض، ويظل الحكم معلقا على كثير من القناعات التي يؤمن بها الأفراد، ومستوى الضرورات أيضا، و«الضرورات تبيح المحظورات» كما هو معروف، والإشكالية الأكبر أن كلا المفهومين يمكن أن يندس فيهما الكثير من المفاهيم الأخرى، كالمغالاة، والتطرف، والتقتير، والفحش في الكلام والفعل، وحتى على مستوى العلاقات بين الأفراد يمكن أن تنضم إلى ذات الإشكالية، ومع ذلك كله يمكن النظر أن التمعن في قيمة إنسانية سامية ومهمة، من شأنها أن توجد نوعا من التوازن بين هذين الطرفين المتناقضين، هذه القيمة هي الفضيلة، التي تجسدها الجملة الرائعة: «الفضيلة بين طرفين كلاهما رذيلة» وعلى سبيل المثال؛ فالترشيد الذي يؤدي إلى البخل يمكن أن يُقيّم على أنه رذيلة، والإنفاق الذي يؤدي إلى التبذير؛ هو رذيلة، والجملة الأخرى المتداولة: «خير الأمور يا فتى أوسطها» تكون من أجمل وأصدق ما عبر عنه الإنسان للحيلولة دون الوقوع في مأزق التناقض.
ربما، قد يجد البعض شيئا من المبررات في انحيازه إلى مسألة الترشيد، أو التبذير، وهذا الانحياز، أو الاختيار قد تكون له مبررات في ظرف الآني، وقد يعذر من يسلك هذا المسلك في ذات الظرف، فالمبالغة في الغضب؛ على سبيل المثال؛ في ظرف ما، قد يوجد لها مبرر انعكاسا لوقع الألم على صاحبه؛ وكما يقال: «المرء في المحنة عي» - والإعياء هنا ضعف - وبالتالي عندما يسرف في غضبه فتلك ردة فعل طبيعية لمستوى الاحتقان الذي تلبسه في تلك اللحظة، وبالتالي قد يلتمس له عذر، ولكن بعد هدوء النفس، والاستطاعة على احتوائها بعد لحظة الهدوء تلك، يطالب هذا الفرد الذي وقع عليه الألم أن يعود إلى مربعه الأول، وعليه - قدر الإمكان- أن يعتذر عمّا تسبب فيه من إيذاء على من حوله، وما ينطبق على الغضب؛ ينطبق كذلك على الرضا، فاتساع رقعة الرضا مع تعدد حالات الإساءة، قد لا يتصور ذلك على أن فيه كثيرا من الحكمة؛ لأن ذلك يشجع الطرف المعتدي على التمادي في إساءاته، وبالتالي: فعند حد معين من مستوى هذا الرضى، يجب أن يقال: إلى هنا وكفاية، حتى لا تتحول الصورة إلى نوع من البلاهة، ومثل هذه الصور غالبا ما تكون في العلاقات الاجتماعية القريبة، فـ«ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس؛ من وقع الحسام المهند» - كما ينسب إلى طرفة بن العبد- ومعنى هذا أن «حرصك على إرضاء الجميع قد يكلفك نفسك» - حسب قول إبراهيم الفقي – وإرضاء الجميع في العلاقات هو إسراف بعينه يستنزف منك كامل الرصيد العاطفي، وهذا ليس من الحكمة في شيء، وبالتالي فالترشيد هو الحل.