أبو قحطان ومدونة التاريخ الأولى لعُمان
ذخائر المحبرة العمانية
الجمعة / 23 / رمضان / 1447 هـ - 19:51 - الجمعة 13 مارس 2026 19:51
أبو قحطان خالد بن قحطان الخروصي، لم تذكر كتب السير كثيرًا عن نسبه، إلا أن الدلائل تشير إلى أنه ولد في نزوى، وتوفي بها، وقد يكون أصله من بلدة الهجار من قرى وادي بني خروص بولاية العوابي، اشتهر بكنيته أبي قحطان، فحيثما ذكر في كتب الفقه والتاريخ ينصرف الذهن إليه.
كان من أكابر عُمان في القرنين الثالث الهجري والرابع الهجري، قال عنه العلامة محمد بن خميس السيفي: 'بلغ من العلم النهاية من العلوم العقلية والنقلية، وسارت شهرته في العلم مع الناس في جميع الآفاق'.
ذكر العلامة البطاشي في كتابه 'إتحاف الأعيان' أنه أخذ العلم عن مجموعة من العلماء منهم عبدالله بن محمد بن محبوب الرحيلي وأخوه بشير بن محمد، وحدّث عن أبي عبدالله محمد بن محبوب، وتوجه بالسؤال إليه، وقد رفع كثيرا من الروايات والأقوال لابن محبوب.
لا نعلم تاريخا محددا لوفاته، ألا أنه من المؤكد أنه عاصر الأحداث التي بعد عام 273 للهجرة، حتى وفاة الإمام الصلت بن قاسم عام 287 للهجرة، كما عاصر هجوم القرامطة الثاني على عمان عام 300 للهجرة.
ترك أبو قحطان كنوزا فقهية وتاريخية مهمة، وأجوبة متناثرة، ورسالة في تاريخ عمان، وما بقي لنا اليوم من هذه الكتب تبين لنا أهمية كتاباته، ويمكننا القول إنه تميز بأمرين: أولهما أنه كان من القلائل الذين دونوا سير البلدان وسير العلماء والتراجم وكتابة الأحداث، وهذا الاهتمام المبكّر جعل من سيرته مادة تاريخية لا يمكن إغفالها في التاريخ العماني، كما ساعدت الأحداث التي صاحبت حياة أبي قحطان في عمان على إعطاء هذه الكتابات أهمية، كونه شاهد عيان عليها.
أما الأمر الثاني فهو كثرة النقول عن العلماء والرعيل الأول وأتباعهم.
(2)
كتب أبو قحطان سيرة أهل عمان قبل أكثر من ألف عام من اليوم، دوّن فيها أهم الأحداث التي جرت في عمان منذ بعثة الرسول إلى بداية القرن الرابع الهجري، وهو العصر الذي عاش أبو قحطان، ونلاحظ هنا ربطه بين التاريخ والعقيدة، كما نلاحظ اهتمامه بالسنن التاريخية والعبر والدروس.
بدأ سيرته التاريخية بمباحث عقدية، فابتدأ بذكر شيء من توحيد الله، وذكر الأمور التي لا يسع جهلها للمسلم، ثم عرج على ذكر قصة آدم عليه السلام والأحداث التي حصلت في الجنة وهبوط آدم وزوجته إلى الأرض، وخبر محاورة إبليس ربه.
ومن هذا المنطلق استند إلى القرآن في تحديد بدايات التاريخ البشري، ثم بعد ذلك تأتي سير رسل الله، إلى أن تأتي سيرة خاتم المرسلين محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم، وكيف كان حال العرب آنذاك، وكيف كانت الجاهلية تلعب في عقولهم، فذكر قصة الرسالة المحمدية خلال ثلاثة وعشرين عاما من دعوته. ثم انتقل بعد ذلك إلى ذكر الخلفاء الراشدين وسيرهم وصفاتهم، باعتبارهم أنموذجا للحاكم المسلم.
وسرد سيرة أهل عمان في ذلك الوقت، عندما دخلوا إلى الإسلام، وكيف كانت أحوالهم في عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية. ثم ألقى الضوء على سير الأئمة الذين حكموا عمان، بدءا من الإمام الجلندى بن مسعود والوارث بن كعب وعبد الملك بن حميد والمهنا بن جيفر إلى أن وصل إلى العصر الذي عاش فيه وهو عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وما بعده من الفتن والأحداث التي عاصرها أبو قحطان. يقول: 'ثم ولي المسلمون الصلت بن مالك، ...فسار الصلت بالحق في عمان ما شاء الله ... وعمّر الصلت في إمامته ما لم يعمّر إمام من أئمة المسلمين في ما علمنا، حتى كبر، وإنما كان الله من قبل الرجلين لا السمع ولا العقل ولا اللسان، فيما نعلم أنه ضاع منه شيء ولا نقص منه شيء'، ثم ذكر الأحداث والمواقف والفتن إلى حين تولى الإمام عزان بن تميم، وما بعد ذلك من إرسال الدولة العباسية الوالي محمد بن بور -كما يسميه العمانيون- وما فعل هذا الأخير من تخريب لكل ما بنته الحضارة في عمان، كل ذلك سرده سردا موفقا.
يدعو أبو قحطان في ختام هذه السيرة إلى الاتعاظ بالتاريخ وسننه، ووجّه المسلمين إلى أن يتخذوا موقفا صارما تجاه هذه الأحداث؛ لأنهم يوالون فيها الله سبحانه، بل بيّن أن غرضه من كتابة هذا النص التاريخي النصح، فقد ختم هذه السيرة بهذا الدعاء: 'جعلنا الله وإياكم ممن قبل النصيحة، وأعاذنا وإياكم ممن لم يقبل النصيحة والحمد لله رب العالمين'.
وهكذا يتجلّى لنا أبو قحطان من أعلام المدرسة الرستاقية، التي اتخذت موقفا متشددا من كل من ساهم في عزل الإمام الصلت، فشدد النكير على موسى بن موسى وراشد بن النضر ومن معهما، وخاطب أهل عمان بالدعوة إلى الرجوع للحق والوقوف في صف من ينادي بكلمة الحق.
(3)
الأثر الثاني المهم الذي تركه لنا أبو قحطان هو كتابه 'الجامع في العقيدة والفقه'، وجامع أبي قحطان هو أحد الكتب الجوامع التسعة المعروفة عند أهل عمان، المنصوص عليها في الرسالة العلمية في معرفة كتب أهل عمان، وقد بقي بعضها وفقد البعض الآخر، ومما فقد 'جامع أبي علي' موسى بن علي، وكلها ألفّت إبان القرنين الثالث والرابع الهجريين. ومن الأسف كما يقول الباحث المقتدر محمد بن عامر العيسري أن تضيع مخطوطات الكتاب حتى لم يبقَ منها إلا القليل النادر، بعضها في وزارة التراث والسياحة وبعضها في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي.
ويظهر أن الجامع الموجود في ثلاث قطع، القطعة الأولى في الأديان، علما بأن أولها مفقود، وليس فيها فهرس بأبوابها كما في القطعتين الأخريين، وبذا تكون قطعة الأديان الأولى في الترتيب جريا على ما كان عليه المؤلفون من تقديم أبواب الأديان في مصنفاتهم كما هو الحال في 'جامع ابن جعفر'.
فبدأ أبو قحطان كتابه الجامع بالحديث عن مكانة العلم ومسائل في التوحيد، ثم مسائل شتى في العلم الشرعي.
أما القطعة الثانية من الجامع فهي قطعة الدماء، وهي ما يوحي بما يمر به العصر من اضطراب سياسي وعدم استقرار وحروب أهلية، كما هو الحال في جامع الدماء في 'جامع ابن جعفر'. أما الجزء الثالث أو القطعة الثالثة فهي في الأحكام، ومنها الشهادة والحقوق والقضاء والصداق والشفع، والأحكام في المضار والإقرار والضمان، والبيوع والقسم وغيرها. وبذا يكون الترتيب جزء الأديان فجزء الدماء ثم جزء الأحكام.
لهذا 'الجامع' قيمة علمية وتاريخية كبيرة، فمن الناحية العلمية يتميز هذا 'الجامع' بقرب السلسلة التي يروي عنها من السلف وخاصة من التابعين والصحابة، كما أنّ فيه نُقولا من مصادر مفقودة مثل كتاب أبي صفرة لعبد الملك ابن صفرة، وكتاب أبي سفيان محبوب بن الرحيل، وكتاب سعيد بن الحكم وكتاب عمرو بن سعيد وكتاب موسى بن علي، وكتب أخرى ككتاب الفضل بن الحواري، وكتاب أبي مالك، كما نقل أبو قحطان عن أبي عبدالله محمد بن محبوب، وعن أبي المؤثر الصلت بن مالك، وعن بشير بن محمد، وعن عزان بن الصقر، وعن عدد ليس يسير من العلماء المتقدمين، ولذا أصبح هذا الكتاب مصدرا للكتب من بعده، فنقلت عنه وخاصة كتب المطولات الموسوعية مثل كتاب 'الضياء' للعوتبي، وكتاب 'بيان الشرع' لأبي عبدالله الكندي. وكتاب 'المصنف' لأبي بكر الكندي. وكتاب 'الإيضاح'.
أما القيمة التاريخية فهو إضافة إلى كونه من بواكير المصنفات العمانية الباقية، فهو يحمل في طياته مادة تاريخية مهمة، موزّعة بين أحداث جليلة وأعلام وأسماء ومصطلحات واصطلاحات وإشارات إلى تواريخ وقعت في تلك المرحلة، فمثلا من أخبار العلماء الأوائل نقل أبو قحطان قصة محمد بن محبوب حين كان يدخل على يديه بعض الهنود في الإسلام، وكيف كان يلقنهم الشهادة، وهو خبر نقله عن أبي المؤثر. ومن الأخبار السياسية قيل أن موسى بن أبي جابر أراد أن يولي محمد بن المعلا الإمامة، فكره ابن المعلّا أن يقطع الشراةـ
وتواجه هذا الكتاب إشكاليتان، الأولى أنه -مثل أكثر المصنفات العمانية الأولى- لحقه الكثير من الزيادات، حتى أصبح من العسير تمييز نص المؤلف عن النقول التي وضعها النسّاخ لاحقا، ولعل ندرة النسخ في ذلك الوقت، وتكلفته، وقلة الورق عوامل ساهمت في جعل هؤلاء النسّاخ يضيفون ما يخطر ببالهم أو ما يعرفون من مسائل حول تلك المسألة. فالكتاب فيه نقول عن علماء متأخرين مثلا من كتاب الضياء وكتاب ابن بركة وكتب أخرى، وأحيانا يرد فصل كامل من هذه الكتب، والجيد هنا أن النسّاخ يشيرون إلى أنه تم النقل هنا من هذا الكتاب، ثم يعودون إلى نص الكتاب الأصلي. أما الإشكالية الثانية فتتجلى في ندرة النسخ الموجودة، بحيث يصعب سدّ النقص في مقدمة الجزء الأول من الكتاب. وهذا الكتاب لم يخرج مطبوعا حتى اليوم إلى الناس، ولكن تظل هذه المخطوطات الأثر كما أسلفنا الكثير من النقول عنه، وقد قال محمد بن خلفان اليعقوبي:
كتاب أبي قحطان في القلب شائقُ//كشهد مصفّى وهو في النظم رائق
حوى كل معنى في الشريعة إنه// من الشرف السامي بذا الحق ناطق