الرحَّالة كارستن نيبور في مسقط
عندما تتكلم الوثائق
الجمعة / 23 / رمضان / 1447 هـ - 19:50 - الجمعة 13 مارس 2026 19:50
كيف وصل الرحَّالة كارستن نيبور إلى مسقط؟ يحسن بنا العودة قليلًا إلى عام 1733م، حيث وُلد كارستن نيبور في قرية بشمال غرب ألمانيا لعائلة فقيرة. عمل فلاحًا في مزرعته في مقتبل حياته، ثم أظهر ميلاً لدراسة الرياضيات.
وفي المرحلة التي بدأت تدبّ فيها النزاعات بين الأهالي على الأراضي، كانوا يلجأون إلى هامبورج ليتم إرسال مسَّاح أراضٍ يساعدهم في حل نزاعاتهم، هنا قرر نيبور امتهان تلك المهنة (مسَّاح أراضٍ). وعندما بلغ نيبور الثانية والعشرين التحق بمدرسة في هامبورج وتلقى بعض الدروس في علم المساحة والخرائط.
في عام 1757م تم مناقشة فكرة إرسال بعثة دنماركية وجهتها بلاد العرب، واقترح أحد أساتذة نيبور له المشاركة في البعثة، وبعد موافقته تلقى دروسا مكثفة بجامعة جوتنجن لمدة عام ونصف تقريبًا في علم الرياضيات والمساحة والخرائط واللغة العربية، ليتأهل لموقعه في البعثة كماسح وراسم خرائط. إذن كارستن نيبور هو عالم خرائط ألماني عمل في خدمة الدولة الدنماركية.
وبطبيعة الحال وكما هو معروف أن البعثات تنطلق لتحقيق أهداف محددة، وأهداف البعثة الدنماركية كانت تسير في اتجاهين؛ اتجاه علمي وهو يظهر من خلال الأشخاص الذين تألفت منهم البعثة وهم ستة أفراد: بيتر فورسكول وهو عالم نبات، وفون هافن وهو عالم لغويات، والرسام جورج فلهلم باورنفايند، والطبيب كرامر، وماسح وراسم الخرائط كارستن نيبور. وكان برفقتهم خادم يقوم على شؤونهم.
أما الهدف الثاني للبعثة فكان سياسيا استعماريا؛ إذ أن ملك الدنمارك فريدريك الخامس أولى اهتماما كبيرا بالبعثة على الرغم من مشاغله الكثيرة بسب الحروب الكثيرة التي خاضها في ذلك الوقت، فضلاً عن أوضاع الدنمارك المالية المنهارة جراء المصروفات للجيوش، لذلك رأى في تلك البعثة فرصة لتحقيق انتصارات علمية عظيمة تكسبه شعبية كبيرة وتخلد اسمه بعد وفاته.
انطلقت رحلة البعثة الدنماركية من كوبنهاجن في يناير 1761م مرورًا بالكثير من المدن؛ القسطنطينية، والإسكندرية، والقاهرة، والسويس، وجدة، ثم اليمن (بيت الفقيه، والحديدة، والمخا، وتعز، وصنعاء) ثم الهند (بومباي وسورات) ومن الهند إلى مسقط، ومنها إلى بوشهر وشيراز والخرج والبصرة وبغداد والموصل وماردين وحلب وديار بكر ثم جبل لبنان، ثم قبرص ومنها رحلة العودة إلى كوبنهاجن.
هنا سنتوقف في مسقط ونرصد مشاهدات الرحَّالة كارستن نيبور فيها، حيث انطلق نيبور من بومباي في 8 ديسمبر من عام 1764م، وبعد رحلة طويلة بسبب ظروف المناخ وصل إلى مسقط في 3 يناير من عام 1765م- ومكث فيها حتى 18 يناير- في عهد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد (1744-1783م) واصفًا إياه: 'إن صاحب مسقط هو أمير عربي يعيش في قصر ويدعى إمام عُمان'. ورصد نيبور بعين المسَّاح السفن الكثيرة التي كانت تتقاطر إلى مرفأ مسقط النشط تجاريًا، فيقول: 'في اليوم الرابع –يقصد 4 يناير 1765م- وصلت إلى المرفأ عدة سفن هندية وكانت تعبر عن فرحها بالوصول على طريقة بلادها فتقرع الطبول وتنفخ في الأبواق'.
وبعد أسبوعين تقريبًا من إقامته في مسقط، استطاع أن يقدم معلومات متفرقة، فوصف سكان عُمان: 'أما سكانها فهم جميعًا من المسلمين. إن القرآن هو كتاب شريعتهم ودينهم وهم ينتمون إلى المذهب الإباضي... لم أعرف مسلمين يعيشون بتقشفٍ شديد مثل الإباضيين فهم لا يدخنون التبغ ولا يشربون لا القهوة ولا الكحول'. وانبهر نيبور بحالة الأمن في مسقط في عهد الإمام أحمد، قائلًا: 'للشرطة سلطة واسعة في هذه البلاد فنحن لا نسمع عن حوادث سرقة بالرغم من أننا نرى البضائع معروضة دائمًا في الشارع لأسابيع متتالية. لا يتجرأ أحد على النزول إلى الشارع ليلًا من دون نور ولا يسمح لأي مركب بالرسو بعد مغيب الشمس أو بالانتقال من سفينة إلى أخرى وذلك حفاظًا على رسوم الجمارك'. وتحدث نيبور كذلك عن التنظيمات الإدارية في عهد الإمام أحمد قائلًا: 'يخضع للإمام كل من الوالي، والوكيل، وهو المسؤول عن الضرائب وعن التجار والغرباء، والقاضي'. لافتًا أنه لم يزر الوكيل إلا نادرًا حتى لا يكون مجبرًا على الإفصاح له عن سبب تجواله في داخل المدينة وخارجها.
وسجَّل نيبور انبهاره كذلك بالحصانة الجغرافية لمدينة مسقط، قائلًا: 'لقد خصت الطبيعة مسقط بأسوار طبيعية، فعلى الصخور الموجودة من جهتي المرفأ حيث تحتمي أكبر السفن من الرياح'. ووصف كذلك الجاهزية العسكرية التي تمتعت بها مسقط كعاصمة اقتصادية في عهد الإمام المؤسس أحمد بن سعيد، فيقول: 'هناك سرايا عديدة مدججة بالأسلحة ومزودة بالمدافع. من بين القلاع اثنتان تستحقان أن تذكرا هما قلعة الميراني وقلعة الجلالي؛ لأنهما الأكبر حجما وبسبب موقعهما على الصخور الشديد الانحدار والمجاورة للمدينة. أما البروج فهي صغيرة. ويحيط بالمدينة سور ليس شديد الحصانة مزود بثمانية بروج مسلحة بالمدافع'.
ومن أهم الإشارات المهمة التي ذكرها نيبور (مراكب البُن العُمانية) وقال إنه ركب أحد المراكب العُمانية الموجودة في جدة في ديسمبر 1764م لمغادرة جدة والذهاب للمخا واصفًا مهارة الربان العُمانيين قائلًا: 'الربابنة من مسقط ومرافئ عُمان الأخرى يستخدمون أشرعة كأشرعة الأوروبيين والأتراك والهنود، وهم بحارة ماهرون'. وقد استوقفتني كثيرًا عبارة ذكرها نيبور: 'إن أحدًا من الأوروبيين لم يترك مسقط ليتجول داخل البلاد... إن عُمان تستحق أن يتوغل فيها الجغرافيون والفيزيائيون، كما أن السفر فيها أكثر أمناً حتى من اليمن'. موضحاً بأنه كان يرغب التوغل في رحلته إلى داخل عُمان لكن حالته الصحية لم تسمح له بذلك. وأضاف: 'تركت رحلة التوغل داخل عُمان إلى من سيأتي بعدي لعل الظروف والطقس تسمح لهم بذلك'. وقد تحققت أمنية نيبور بعد 70 عامًا تحديدًا في نوفمبر من عام 1835م عندما قام الرحَّالة الإنجليزي ويلستد برحلة شملت أجزاء واسعة من عُمان (مسقط ومطرح وقلهات وصور وجعلان بني بوعلي وجعلان بني بوحسن والكامل وبدية وإبراء وسمد الشأن ومنح ونزوى والجبل الأخضر والسيب وبركاء والمصنعة والسويق وعبري والبريمي وصحار وشناص ودبا وإمارات ساحل عُمان).
في نهاية الرحلة عاد نيبور وحيدًا إلى كوبنهاجن في 20 نوفمبر 1767م، بعد وفاة رفاقه الخمسة بسبب المرض والإرهاق، ووجد الملك الدنماركي فريدريك الخامس قد توفي (14 يناير 1766م) والبعثة نُسي أمرها!