وهم التعددية القطبية وواقع الهيمنة الأمريكية
ترجمة: نهى مصطفى
الأربعاء / 21 / رمضان / 1447 هـ - 21:33 - الأربعاء 11 مارس 2026 21:33
من واشنطن إلى بكين، ومن موسكو إلى نيودلهي، يتشكل إجماع متزايد على أن العالم دخل عصر التعددية القطبية. ويؤكد القادة السياسيون والدبلوماسيون والمحللون باستمرار أن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد انتهى، وأن القوة العالمية باتت موزعة على مراكز عدة. وقد شاع هذا الطرح لدرجة أنه يعامل غالبا كحقيقة بديهية بدلا من كونه فرضية قابلة للدراسة.
حتى في الولايات المتحدة، المستفيد الأكبر من النظام الأحادي بعد الحرب الباردة، تبنى مسؤولون هذا الخطاب؛ فقد أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن تفرد واشنطن كقوة عظمى كان «وضعا غير طبيعي»، وأن النظام الدولي يتجه حتما نحو التعددية القطبية، وهو رأي يتردد أيضا في الصين وروسيا وكثير من دول الجنوب العالمي.
غير أن هذا التقارب الظاهري يخفي اختلافا في الطريقة التي تُعرِف بها الأطراف المختلفة مفهوم «التعددية القطبية». إذ ترى إدارة ترامب في التعددية القطبية مبررا للتخلي عن القيادة العالمية التقليدية واتباع سياسة خارجية أكثر نفعية تركز على المكاسب المباشرة. أما الصين وروسيا وكثير من الدول النامية فتنظر إليها كمشروع سياسي يهدف إلى تقييد الهيمنة الأمريكية وبناء بدائل للمؤسسات والنماذج التي يقودها الغرب.
ازداد رواج فكرة التعددية القطبية مع تفرد الولايات المتحدة بالهيمنة بعد الحرب الباردة. وبعد حرب الخليج، حذرت فرنسا من مخاطر التفوق الأمريكي، بينما حولت الصين وروسيا هذا الموقف إلى استراتيجية لمقاومة الهيمنة، عبر شراكة بينهما في أواخر التسعينيات وتأسيس تحالف «بريكس» مع قوى غير غربية لتسريع الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.
مع عودة ترامب إلى السلطة، بدا الانتقال إلى التعددية القطبية وشيكا. فالولايات المتحدة بدت منقسمة ومتعبة من التزاماتها العالمية، بينما اقترب اقتصاد الصين من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي وأصبحت قوة تكنولوجية كبرى.
كما أظهرت الحرب في أوكرانيا استعداد روسيا لاستخدام القوة، وتوسعت مجموعة «بريكس» بانضمام دول جديدة، ما عزز الانطباع بظهور نظام بديل وأن الأحادية القطبية الأمريكية تقترب من نهايتها.
بعد مرور عام، يبدو هذا الاعتقاد في غير محله. سعت إدارة ترامب إلى إعادة تأكيد القوة الأمريكية عبر فرض تعريفات جمركية مرتفعة، والتدخل في شؤون دول أخرى، والتوسط في مفاوضات السلام والصفقات التجارية عالميا.
ورغم مقاومة الصين وروسيا في بعض القضايا، لم تتمكنا من تحدي جهود واشنطن لإعادة تشكيل القواعد الدولية، بينما أظهر الحلفاء الأوروبيون قدرة أضعف على المواجهة وتراجعوا أمام ضغوط ترامب.
الحقيقة أن العالم لا يزال أحادي القطب. لم تسفر تصورات التعددية القطبية إلى نظام دولي أكثر توازنا؛ بل أتاحت للولايات المتحدة التحرر من القيود السابقة وتوسيع نفوذها بصورة أكثر اندفاعا. فلم تتمكن أي قوة أو تكتل آخر من تقديم تحد موثوق أو العمل جماعيا لمواجهة النفوذ الأمريكي. غير أن واشنطن، خلافا لمرحلة الأحادية القطبية بعد الحرب الباردة، تمارس اليوم سلطة أحادية منزوعة من المسؤوليات.
تستند الادعاءات بأن العالم يتجه نحو التعددية القطبية إلى مؤشرات ملموسة على تنامي قوة القوى الصاعدة، مثل تغير الحصص النسبية للناتج المحلي الإجمالي العالمي وظهور مؤسسات تنموية وحوكمة جديدة خارج الولايات المتحدة وأوروبا. وتظهر هذه التحولات أن توزيع القوة بات أوسع مما كان عليه في نهاية الحرب الباردة، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث تحول في بنية النظام الدولي.
بالمعنى الدقيق، يشير «القطب» إلى دولة أو كتلة تمتلك قدرات شاملة لتشكيل النظام الدولي، تشمل النفوذ العسكري العالمي، والتفوق التكنولوجي والصناعي، وبناء التحالفات، وصياغة المعايير، واحتواء الصدمات الكبرى. ووفق هذا المعيار الصارم، يبقى عدد الأقطاب الحقيقية في العالم اليوم كما كان طوال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية: قطبا واحدا.
تمتلك الولايات المتحدة وحدها هذا النفوذ العالمي وهذه القوة. باقتصاد يبلغ حجمه حاليا 30 تريليون دولار أمريكي، وينمو بنسبة تتراوح بين اثنين وثلاثة بالمائة سنويا، تبقى الولايات المتحدة المحرك الاقتصادي الأول في العالم. وتتجاوز نفقاتها الدفاعية، التي بلغت حوالي تريليون دولار أمريكي في عام 2025، نفقات العديد من القوى الكبرى التالية مجتمعة.
وتحتفظ واشنطن بقدرة فريدة على بسط نفوذها؛ فهي تمتلك شبكة لا مثيل لها من التحالفات والقواعد العسكرية والبنية التحتية اللوجستية في جميع أنحاء العالم. كما تهيمن الشركات الأمريكية على قطاعات رائدة ومتنوعة كالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا الحيوية.
ويرى بعض المحللين أن صعود الصين يدفع العالم نحو ثنائية قطبية؛ إذ أصبحت قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى وعززت قدراتها العسكرية. غير أنها لا تزال بعيدة عن أن تكون قطبا كاملا؛ بسبب تباطؤ نموها، وتحدياتها الديموغرافية، ومحدودية انتشار عملتها عالميا نتيجة القيود المالية.
وقد عزز الجيش الصيني موقعه في شرق آسيا، لكنه يفتقر إلى شبكات الدعم اللوجستي، والوصول إلى القواعد العسكرية، والتحالفات اللازمة لبسط نفوذه على مستوى العالم. وأسهمت برامج الصين التنموية التي حظيت بإشادة واسعة، ولا سيما مبادرة الحزام والطريق والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، في دعم مؤسسات الحوكمة العالمية التي ترتكز على الولايات المتحدة، مثل البنك الدولي، بدلا من استبدالها.
أما روسيا، التي تصور أحيانا كركيزة للتعددية القطبية، فتفتقر إلى مقومات تشكيل النظام الدولي؛ إذ يعتمد اقتصادها على الموارد الطبيعية وتواجه تراجعا تكنولوجيا وديموغرافيا. أما الاتحاد الأوروبي، فرغم قوته الاقتصادية، يظل منقسما سياسيا ومعتمدا على الولايات المتحدة أمنيا، حتى مع مساعيه لزيادة إنفاقه الدفاعي.
فيما تتزايد القوى المتوسطة - البرازيل والهند وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية وتركيا - في ثقلها الاقتصادي ونفوذها السياسي الإقليمي، ويتزايد تمثيلها في المحافل العالمية مثل مجموعة العشرين.
مع ذلك، لا يضمن النفوذ بالضرورة مكانة رائدة؛ فالهند، التي تمتلك الحجم والإمكانات لتصبح قوة عظمى على المدى البعيد، لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها 3000 دولار أمريكي (مقارنة بنحو 85000 دولار أمريكي في الولايات المتحدة). وتواجه الهند انقسامات سياسية متفاقمة، وتعاني من ضعف المؤسسات، ونقص الموارد البشرية، ومقاومة بيروقراطية متجذرة، وكلها عوامل أعاقت الإصلاحات الرامية إلى تسريع النمو الاقتصادي وتحسين الحوكمة.
كما تعثرت الجهود المبذولة لبناء تحالفات مضادة للولايات المتحدة. على الرغم من ادعاءات الصين وروسيا بوجود شراكة «بلا حدود»، فإن علاقتهما تقوم على أسس هشة، وتتأثر بانعدام الثقة التاريخي. في بدايات الحرب الباردة كان الاتحاد السوفيتي «الأخ الأكبر» الذي اعتمدت عليه الصين الشيوعية سياسيا؛ أما اليوم فقد أصبحت روسيا الشريك الأصغر، وتعتمد بدرجة كبيرة على الصين في استيراد السلع الصناعية والسلع ذات الاستخدام المزدوج، وكذلك كسوق لصادراتها من الطاقة. توسعت مجموعة البريكس أيضا، وقائمة الدول الساعية للانضمام إليها طويلة.
لكن البريكس ليست تحالفا متماسكا، ومن غير المرجح أن تتخذ موقفا معارضا للولايات المتحدة، بل إن معظم أعضائها حريصون على إبرام اتفاقيات للتعاون مع واشنطن. كما أن وجود العديد من الثنائيات المتنافسة إقليميا - كالهند والصين، وإيران والسعودية، ومصر وإثيوبيا - يحد من فعالية البريكس كأداة جيوسياسية لتحقيق أي هدف استراتيجي محدد.
ودحض العام الأول من ولاية ترامب الثانية سردية التراجع الأمريكي وصعود التعددية القطبية؛ إذ أبرز استخدامه الحازم للقوة الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية حرية الحركة الواسعة التي تتمتع بها واشنطن.
كما كشف ضعف ردود الفعل الدولية على سياساتها العدوانية عن صعوبة تشكيل تحالف قادر على مواجهتها، رغم اتساع توزيع القوة في النظام الدولي.
عندما فرض ترامب تعريفات جمركية شاملة عام 2025، لم تواجه الولايات المتحدة اعتراضا يذكر من القوى التجارية الكبرى؛ إذ فضل الاتحاد الأوروبي التوافق على المواجهة، مبررا ذلك بالحاجة إلى الدعم الأمريكي في الحرب الأوكرانية، في موقف شبهه يانيس فاروفاكيس بخضوع الصين لمعاهدات بريطانية مجحفة عام 1842. في غضون ذلك، وافقت اليابان وكوريا الجنوبية على استثمار 550 مليار دولار و300 مليار دولار على التوالي في الولايات المتحدة، مع منح واشنطن حرية التصرف في كيفية إنفاق الأموال وإدارة العوائد. أما الهند، التي فرضت عليها تعريفة جمركية متبادلة بنسبة 25% وغرامة إضافية بنسبة 25% لشرائها النفط الروسي، فقد رفضت الاستجابة للعديد من المطالب الأمريكية، لكنها حرصت على تجنب أي جدال علني مع واشنطن.
لم ترد على الإجراءات الأمريكية سوى الصين؛ إذ دفعت قيودها على صادرات العناصر الأرضية النادرة واشنطن إلى التفاوض وتهدئة الحرب التجارية. ومع ذلك، لم تتمكن بكين من إجبار الولايات المتحدة على رفع العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية، بما فيها القيود على وصول الشركات الصينية إلى الرقائق الأمريكية.
أظهرت تحركات ترامب العسكرية قدرة الولايات المتحدة على تجاهل الاعتراضات الدولية دون كلفة تذكر.
ففي يونيو 2025 ضربت واشنطن مواقع نووية إيرانية بقنابل لا تمتلكها إلا هي، ثم أقنع ترامب دولا عربية بدعم خطته لإنهاء حرب غزة بما يراعي أولويات إسرائيل الأمنية، ودفع مجلس الأمن إلى تبني قرار يربط قيام الدولة الفلسطينية بإصلاحات في السلطة الفلسطينية. ورغم انتقاد الصين وروسيا للقرار، امتنعتا عن استخدام الفيتو خشية تعريض وقف إطلاق النار للخطر.
وفي فنزويلا، عندما نفذ ترامب عملية عسكرية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله للمحاكمة في نيويورك، قوبل ذلك باستنكار محدود ودون معارضة دولية، حتى من أوروبا. ورغم إدانة الصين وروسيا للعملية، لم تتمكنا من الرد بفاعلية، فيما سارعت واشنطن إلى إعادة توجيه فنزويلا بعيدا عنهما.
وعلى خلاف تدخلاتها السابقة، لم تسعَ الولايات المتحدة لتغيير النظام أو تبرير تحركها بالديمقراطية، بل تحالفت مع بقايا النظام لضمان نفوذها ومصالحها النفطية.
يقوم النظام العالمي الجديد على تخلي الولايات المتحدة عن مسؤوليات القيادة الأحادية مع بقائها القوة الوحيدة القادرة على تشكيل النظام الدولي. فبينما استخدمت الصين وروسيا تفوقهما العسكري لتغيير الوقائع الإقليمية، باتت واشنطن هي الأخرى توظف القوة علنا لخدمة مصالحها. غير أن تدخلاتها لم تعد تبرر بخطاب ليبرالي كما في السابق، بل تعرض بصراحة من منظور القوة، كما عبر مستشار ترامب ستيفن ميلر بقوله: إن العالم «تحكمه القوة منذ فجر التاريخ».
ويعد إصرار ترامب، الذي يبدو غير قابل للتفاوض، على ملكية جرينلاند، أوضح مثال على هذا النموذج الجديد. حيث أشار إلى أن السيطرة الكاملة على هذه الجزيرة قليلة السكان باتت، في نظره، أهم من الحفاظ على حلف الناتو الذي شكل حجر الزاوية للتحالف الأمريكي الأوروبي طوال ثمانية عقود. وتجد أوروبا، المعتادة على المظلة الأمنية الأمريكية، صعوبة في التكيف مع تراجع علاقتها بواشنطن وتلاشي دورها في كبح سلوكها.
لا تعني تهديدات واشنطن لجرينلاند أو تدخلها في فنزويلا قبول مناطق نفوذ للصين أو روسيا؛ فالقوة العسكرية الأمريكية ما تزال حاسمة في أوروبا وآسيا. وفي الوقت نفسه تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز نفوذها على حساب المؤسسات الجماعية، كما يظهر في إنشاء «مجلس السلام» للإشراف على غزة مع مساعٍ لتوسيع دوره عالميا، بما قد يضعف مجلس الأمن ويزيد تأثير واشنطن.
ويدفع العداء الأمريكي للمؤسسات متعددة الأطراف دولا أخرى إلى البحث عن توازن متعدد الأقطاب، لكن تحقيقه لا يزال بعيدا. فمع أن بعض الدول توسع اتفاقياتها التجارية تحسبا للضغوط الأمريكية، فإنها تظل معتمدة على السوق الأمريكية الأكبر عالميا، فيما يبقى دور روسيا محدودا ولا تستطيع الصين، بنموذجها التصديري، أن تحل محل الولايات المتحدة كمحرك رئيسي للاستهلاك العالمي. كما تدفع الشكوك في موثوقية الولايات المتحدة الأمنية حلفاءها في أوروبا وآسيا إلى تعزيز دفاعاتهم؛ فقد تعهدت دول الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، وبلغت اليابان هدف 2%. كما يتزايد تأييد تطوير الأسلحة النووية في دول مثل كوريا الجنوبية.
ومع ذلك، سيستغرق بناء ردع موثوق وقتا، وستبقى هذه الدول معتمدة على الدعم الأمريكي.
وعلى الرغم من الادعاءات الواسعة النطاق بقرب تحقق التعددية القطبية، إلا أنها لا تزال بعيدة المنال. أسهمت تطلعات التعددية القطبية في ترسيخ نظام يمنح الولايات المتحدة نفوذا واسعا.
فبينما صنفت إدارتا ترامب وبايدن الصين وروسيا تهديدا للهيمنة الأمريكية، رحب ترامب في ولايته الثانية بخطاب التعددية القطبية بوصفه مبررا لتخفيف مسؤوليات واشنطن الدولية.
ووفق رؤيته، تستطيع الدول ممارسة نفوذها كما تشاء، لكن الفجوة في القوة تجعل الولايات المتحدة وحدها القادرة على ذلك دون قيود؛ فهي تقر ظاهريا بالتعددية، بينما تواصل جني ثمار الأحادية.