روضة الصائم

نصوص من التراث في المكاييل والموازين

سوانح تراثية

 

كان مما اشتغل به الفقهاء معرفة المكاييل والأوزان لاعتبارات أساسها الفقه في مسائل الزكاة التي تقتضي استعمال وحدات الكيل والوزن في إخراج زكاة المال، وكذا زكاة الفطر التي تخرَج صبيحة عيد الفطر. وحيث إن بعض الفقهاء قد اشتغلوا بالطب والصيدلة أيضًا نجد لهم اشتغالًا بمعرفة الأوزان لا سيما الوحدات الصغيرة منها لتحديد مقادير المواد والعقاقير المستعملة في العلاجات. وللعمانيين مسائل كثيرة في باب الكيل والوزن تعرض لها تفصيلًا الباحث الأزهر بن يوسف الراشدي في دراسته المنشورة بعنوان «المقاييس في الأثر الإباضي المشرقي والمسائل المتعقلة بها – معجم للأطوال والمكاييل والموازين وتقديرها بالقياسات العصرية».


فمن النصوص التي نجدها تتردد في تراثنا مثلًا نص منقول عن الفقيه عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي البهلوي (ق10هـ) جاء فيه: «معرفة وزن درهمنا اليوم، فوزنه اليوم ثلثا مثقال عماني، ومعرفة وزن القفلة فهو عُشر الوقية [كذا] والوقية عشرة مثاقيل عمانية فصح المثقال قفلة وربع قفلة، وصحت القفلة أربعة أخماس ومثقال، والمثقال وزن 36 حبة من حب القيراط الأحمر من الأوسط منه لا من الكبير جدًا ولا من الصغير جدًا. وقد نسخته ونقلته من خط الشيخ القاضي أبي محمد عبدالله بن عمر بن زياد بن أحمد بن راشد».


وفي مخطوطات عديدة وجدنا هذا النقل يتبعه نقل آخر ورد كذلك في بعض الكتب الفقهية وهو في المكاييل مقابل الأوزان ونصه: «وجدتُ في الأثر عن أولي العلم والبصر أن الصاع وزن أربعمائة وثمانين مثقالًا بحب الماش، وزن كل مثقال ستة وثلاثون حبة بحب القيراط هذا الصاع الذي عليه عمل أصحابنا، وأما صاع الموزون سبعمائة وعشرين مثقالًا. ووجدتُ أن الرطل تسعون مثقالًا، والمد ربع الصاع وهو رطلان وهو المن الصحيح، والسير أربعة وستون مثقالًا، والدرهم ثلثا مثقال وهو أربعة وعشرون حبة قيراط، هذا الذي حفظته عمّن أثق به».


وثمة مسائل عن الفقهاء المتأخرين فيها هذا الباب منها مسألة عن ناصر بن أبي نبهان الخروصي (ت:1262هـ) وأخرى عن المحقق سعيد بن خلفان الخليلي (ت:1287هـ) ونكتفي هنا بالتي عن الأول، وهي في معرفة وزن الصاع، أي تحويل الصاع -الذي هو كَيْل في الأصل- إلى وزن، ونصها: «مسألة عن الشيخ العالم الفقيه ناصر بن أبي نبهان الخروصي: ووجدتُ أن الصاع الذي يكون به إخراج زكاة الأبدان والكفارات ووجوب الزكوات وزنه أربعمائة وثمانون مثقالًا، والمثقال وزنه ستة وثلاثون حبة من حب القيراط الأحمر، فإن كان صحيحًا كيف من أراد يقطع بذلك منًّا يوزن به؟ الجواب: إن رجلًا من ذوينا عالج معرفة هذا فوجد الحب يختلف اختلافًا كثيرًا، فنظر قيراط حب السواحل يبلغ المثقال خمسين حبة، ونظر إلى حب قيراط الهند إلى المتوسط والكبير والصغير فوجد الصغير يزيد عن ستة وثلاثين، والكبيرة تنقص، والمتوسط يكون ستة وثلاثين كما قالوا، والذي لا يعرف السواحل من الهند ولا الكبير من الصغير والمتوسط كيف يعرف يزن به؟ وأربعمائة مثقال وثمانون نحن معنا هذا غلط؛ لأن أكثر ما في الكتب الصحيحة أن الصاع ثلاثة أمنان إلا ثلث بالماش مخصوص، وأن المنّ أربعة وعشرون كياسًا، والكياس ثمانية مثاقيل، هذا هو الأصح.

والقرش الفرنسي الصحيح في المتشاهر أنه سبعة مثاقيل بوزن عُمان وستة مثاقيل شيرازي. وكنا نحن نعمل بوزن مثقال عمان لأن صاحبنا الذي عالج هذا وجد حب قيراط الهند المتوسط 36 حبة بمثقال عُمان وهذا بيان أحسن مما وجدتموه والله أعلم. وليس كل ما وُجِد في الأثر نحو هذا هو صحيح؛ لأنه يمكن الغلط لتناقل النسخ في عدد المثاقيل، وأما أنه ثلاثة أمنان إلا ثلث فهذا في كل الكتب التي وجدناها وهذا مما يزول به الشك أنه كذلك بتوافق الكتب، وحَسَبْنا هذا بمثاقيل عمان لم يوافق 48، وحَسَبْنا بالشيرازي لم يوافق، فعلمنا أنه غلط، ولا يكون العيار على هذا الاعتبار، والله أعلم. كتبه ناصر بن جاعد بيده».


وحيث إن العلّامة ابن أبي نبهان كان قد هاجر إلى جزيرة زنجبار حتى توفي بها فإننا نجد أثر ذلك في كثير من كتاباته وجواباته، فهو مثلًا هنا يقارن بين ما سمّاه «حب قيراط السواحل» و«حب قيراط الهند»، وبين مثقال عمان والمثقال الشيرازي، وهو في جوابه يستعرض تجربة أجراها أحد ذويه في قياس الوزن الذي يقابل الصاع وكيف أنه وجد اختلافًا بين حب السواحل، وحب الهند ذي الثلاثة أحجام، ثم قابل ذلك بما في كتب الأثر من أوزان للصاع بالمَنّ وما يساويه من عدد وحدة أصغر هي الكياس. وبتتبّع مثل هذه المسائل يتسع أفق البحث إلى دراسة جوانب أخرى من التاريخ الاجتماعي فيما استعمله الناس من معاملاتهم على مر العصور.