استراحة قرية الوادي بالجبل الأخضر.. نموذج وقفي مستدام في إدارة الأصول
الأربعاء / 21 / رمضان / 1447 هـ - 00:45 - الأربعاء 11 مارس 2026 00:45
سيف البوسعيدي:
-المشروع يوفر تجربة إقامة متكاملة تجمع بين الخصوصية وفرص التفاعل الاجتماعي
- مساهمة مرنة للأفراد في وقف قرية الوادي بعائد سنوي متوقع 9%.
- الاستثمار في المشاريع التجارية والسياحية لا يتعارض مع مفهوم الوقف وأحكامه
يشهد القطاع الوقفي اليوم نقاشًا متناميًا حول طبيعة دوره في المرحلة المقبلة: هل يظل مقتصرًا على إدارة الأصول الثابتة وتوزيع ريعها؟، أم يتجه نحو تبني استثمارات منتجة تضمن استدامة الأصل وتعظيم أثره الاقتصادي والاجتماعي؟
ويقود هذا النقاش إلى مفهوم «الوقف المنتج» الذي يقوم على إدارة احترافية، وحوكمة واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، بما يحقق التوازن بين الانضباط الشرعي والكفاءة الاستثمارية.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يأتي مشروع «استراحة قرية الوادي» في ولاية الجبل الأخضر باعتباره نموذجا تطبيقيا يسعى إلى الاستثمار في القطاع السياحي، مع توجيه عوائده لخدمة أهداف وقفية مستدامة.
فهل آن الأوان لانتقال الأوقاف في سلطنة عُمان من الريع التقليدي إلى الاستثمار السياحي المستدام؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين حفظ الأصل وتعظيم العائد؟ هذه الأسئلة وغيرها نناقشها في هذا الحوار مع سيف بن سالم البوسعيدي الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية.
- عندما نتحدث عن 'الوقف المنتج'، ما التحول الحقيقي الذي تسعون إلى ترسيخه في مفهوم المجتمع؟
تسعى مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية إلى إحداث تحول حقيقي في وعي المجتمع من مفهوم الوقف بوصفه أصلًا ثابتًا وعائدًا غلته محدودة، إلى كونه أداة تنموية مستدامة تُدار برؤية استثمارية منضبطة شرعًا ومؤسسيًا، وبالتالي الانتقال بالوقف ليصبح محركًا للتنمية وبناء الإنسان عبر أجيال متعاقبة، مع الحفاظ على أصل الوقف وتعظيم منفعته، ويمكن التحول إلى الوقف المنتج من خلال تفعيل الأصول غير المستغلة وتعظيم عوائدها عبر استثمارات مدروسة، بالإضافة إلى توجيه ريع الوقف لمشاريع تبني الإنسان وتحقق أثرًا مستدامًا، كما تُدار الأوقاف وفق حوكمة واضحة، ومؤشرات أداء دقيقة، وشفافية مالية كاملة، بما يعزز الثقة لدى الواقفين ويضمن استدامة العوائد والأصول على المدى الطويل.
- كيف يحقق مشروع استراحة قرية الوادي معادلة دقيقة بين حفظ أصل الوقف وتنمية عائده؟
من خلال إدارة استثمارية متوازنة تتوافق مع الضوابط الشرعية، فالمشروع لا يقتصر على استثمار الأرض والمرافق بشكل عشوائي، بل يقوم على دراسة جدوى شاملة تحدد أفضل السبل لاستثمار الموارد مع الحفاظ على الأصل الوقفي، ويساعد على تنويع مصادر الدخل لضمان استدامة العوائد، بحيث يقلل الاعتماد على مصدر دخل واحد ويزيد من استقرار العوائد على المدى الطويل، إضافة إلى ذلك تُطبّق إجراءات رقابية دورية لمتابعة الأداء المالي والتشغيلي، مع مراعاة المعايير الشرعية والاجتماعية، ما يضمن التوازن بين تحقيق ريع مستدام وامتثال المشروع لمقاصد الوقف، بهذا النهج لا يقتصر المشروع على توليد عوائد مالية، إنما يسهم أيضًا في تعزيز أثر الوقف المنتج في المجتمع بتوفير فرص تنموية وخدمات متميزة للمستفيدين، مع المحافظة على الأصل الوقفي وسلامة استثماره للأجيال القادمة.
- العائد المتوقع يبلغ 9% سنويًا، كيف تقيمونه ضمن المؤشرات المتعارف عليها في إدارة الأصول الوقفية؟
أود الإيضاح أن النسبة المتوقعة للعائد حُدّدت بناء على عدة معايير مدروسة في دراسة الجدوى، منها الإحصاءات السياحية لولاية الجبل الأخضر، وشدة المنافسة مع المشاريع المماثلة، والميزة التنافسية للمشروع وقيمته المضافة، أما تقييم العوائد الوقفية فيكون وفق عدة مؤشرات رئيسية، منها: الاستدامة على المدى الطويل؛ حيث يجب أن يكون العائد كافيًا للحفاظ على الأصل وتغطية النفقات التشغيلية للمشروع، والمقارنة مع معدلات السوق، فيُقاس العائد المتوقع بمتوسط عوائد مشاريع مماثلة لضمان التنافسية دون تعريض الأصل للمخاطر. وتنويع مصادر الدخل؛ إذ لا يعتمد العائد على مصدر واحد بل على تنويع استثمارات المشروع، ما يقلل المخاطر ويعزز الاستقرار المالي. وأخيرًا الأثر الاقتصادي والمجتمعي، فيُؤخذ في الاعتبار انعكاس القيمة الاقتصادية للمشروع على الموقوف لهم، والقيمة الاجتماعية على المستفيدين. وبناء على هذه المعايير، يُصنّف العائد المتوقع بنسبة 9% سنويًا ضمن مستوى عالٍ من الكفاءة في إدارة الوقف المنتج، ويؤكد جدوى المشروع في تحقيق تنمية مستدامة للأصول الوقفية مع الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية.
- كيف يلبّي المشروع التحولات في سلوك العائلات والمجموعات الباحثة عن تجربة إقامة تجمع بين الخصوصية والتفاعل في آنٍ واحد؟
نعتقد بأن المشروع سيوفر تجربة إقامة متكاملة تجمع بين الخصوصية وفرص التفاعل الاجتماعي في الوقت ذاته، بما يتناسب مع تفضيلات الباحثين عن تجارب سياحية مرنة، فتصميم المشروع ومرافقه يخدم هذا التوازن بعناية، من خلال وحدات إقامة مستقلة ومساحات مشتركة، ما يعكس فهمًا عميقًا لاحتياجات السوق السياحي الحديث، ويعزز جاذبية المشروع للعائلات والمجموعات الباحثة عن هذه التجربة المتميزة.
- ماذا عن الأثر الاقتصادي المباشر الذي يمكن أن يتركه هذا المشروع على الجبل الأخضر والمجتمع؟
يمكن أن يكون للمشروع دور في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي من خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وزيادة الطلب على الخدمات والمنتجات المحلية، وبلا شك فإن المشروع أيًا كان حجمه سيعزز عوائد الاستثمار السياحي في المنطقة، ويسهم في تنمية الخدمات المرتبطة بالسياحة ولو بنسبة قليلة، ونأمل أن يحقق تأثيرًا إيجابيًا على المجتمع المحلي، وأن يعزز الإمكانات السياحية لولاية الجبل الأخضر بشكل عام.
- إلى أي مدى ينسجم هذا النموذج مع توجهات 'رؤية عُمان 2040' ؟
يتوافق المشروع بشكل مباشر مع أهداف الرؤية من خلال تنمية القطاع السياحي باعتباره محركًا اقتصاديًا مستدامًا، وتوفير مصادر دخل متعددة للمجتمع المحلي، إلى جانب تعزيز جاذبية ولاية الجبل الأخضر كونها وجهة سياحية متميزة، كما نعتقد بأن المشروع سيسهم في تقليل الاعتماد على مصادر دخل تقليدية، بما يدعم استراتيجية سلطنة عمان لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة وتعزيز الاستفادة من الموارد المحلية.
- في المشاريع الوقفية الاستثمارية، كيف تضمنون أعلى درجات الحوكمة والشفافية في إدارة العوائد وصرفها بما يعزز ثقة المجتمع؟
الإطار المؤسسي لمؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية متكامل، يشمل مجلس الإدارة وهو المسؤول عن رسم السياسات واعتماد الخطط الاستراتيجية ومراقبة التنفيذ، مباشرة ومن خلال ثلاث لجان مستقلة: اللجنة الشرعية، ولجنة الاستثمار، ولجنة التدقيق وإدارة المخاطر، وتشمل آليات الرقابة كلًا من الرقابة الشرعية والرقابة المحاسبية لضمان مطابقة جميع العمليات مع الضوابط الشرعية والسياسات المعتمدة، إلى جانب الالتزام التام بالامتثال الشرعي والقانوني لأحكام قانون الأوقاف وميثاق حوكمة المؤسسات الوقفية، وتتولى الإدارة التنفيذية المتخصصة المهام التشغيلية اليومية، بما يشمل إدارة الأصول الوقفية، والعمليات المحاسبية، وإعداد تقارير الأداء الدورية، مع ضمان الشفافية والكفاءة في إدارة الوقف، وتعتمد المؤسسة على آليات إفصاح واضحة وشفافة تجاه المجتمع والواقفين، تشمل نشر تقارير مالية مفصلة ومؤشرات أداء دقيقة، مما يعزز الثقة في الإدارة الاحترافية للأوقاف، ويضمن أن العوائد تُصرف وفق الأولويات الشرعية والتنموية للمشاريع، إضافة إلى الحفاظ على استدامة الأصول وتحقيق أثر اجتماعي ملموس.
- ما الآليات المتاحة أمام الأفراد الراغبين في المساهمة ؟ وهل يمكن أن يكون الوقف مفتوحًا بمبالغ مرنة؟
المنصة الإلكترونية والحسابات المصرفية والدفع المباشر في مكتب المؤسسة جميعها أدوات تتيح الإسهام في هذا المشروع الوقفي وبمبالغ مرنة، بحيث يستطيع كل متبرع الإسهام بالمال الوقفي المناسب دون حد أدنى، وتضمن المؤسسة أن تُدار الأموال الوقفية للمشروع وفق ضوابط شرعية، وشفافية مالية كاملة، وفي جميع الأحوال نسعى لتعزيز الثقة وضمان صرف العوائد بما يحقق أهداف الوقف ومصالح الموقوف لهم على المدى الطويل.
- برأيكم، ما الذي يحتاجه القطاع الوقفي في عُمان اليوم: تشريعات أكثر مرونة؟ هل يحتاج أدوات تمويل مبتكرة؟ أم تغييرًا في الثقافة المجتمعية؟
التشريعات في عُمان مرنة وتتمتع بمستوى عالٍ من الحوكمة، ما يتيح للمؤسسات الوقفية العمل وفق أسس مؤسسية بكفاءة عالية. ومع ذلك؛ هناك حاجة إلى التوجه نحو أدوات استثمارية وتمويلية مبتكرة تتجاوز الموارد التقليدية، مثل الصناديق الوقفية الاستثمارية، والشراكات مع القطاع الخاص، وبالأخص المؤسسات المالية الإسلامية، بما يعزز قدرة الأوقاف على الاستثمار في مشاريع ذات عوائد مستدامة، كما أن تعزيز الوعي المجتمعي مهم بشأن مفهوم الوقف، وأهمية استدامة الأصول، وأدوات قياس الأثر، وبناء ثقة الواقفين في الإدارة الاحترافية للأوقاف. هذه العوامل تشكّل قاعدة صلبة لنهضة الوقف المنتج في عُمان؛ حيث تتكامل لتحقيق استدامة للأوقاف وأثر تنموي ملموس.
- ما التحديات التي تواجه تحويل الوقف من أصل تقليدي محدود العائد إلى أصل استثماري يعمل وفق منطق السوق دون أن يفقد هويته الشرعية؟
أبرز التحديات تكمن في تحقيق التوازن الدقيق بين الربحية والتوافق الشرعي؛ فالوقف المنتج يجب أن يدر عوائد مستدامة دون المساس بأصل الوقف من خلال تعريضه لمخاطر عالية أو غير مدروسة، وكذلك دون الإخلال بمقاصده الشرعية. والهدف النهائي هو تحويل الوقف إلى أصل منتج مستدام يحقق أثرًا تنمويًا ملموسًا، مع الالتزام الكامل بالضوابط الشرعية التي تحمي جوهر الوقف وأصله.
ومن وجهة نظر مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، يمكن تلخيص أبرز التحديات في ثقافة إدارة الأصول الوقفية؛ حيث تبرز الحاجة إلى تعزيز الكفاءات المؤسسية، وفهم أدوات الاستثمار الحديثة بما يتوافق مع الشريعة، بالإضافة إلى محدودية الأدوات الاستثمارية؛ حيث تفتقر بعض الأوقاف التقليدية إلى خيارات استثمارية مبتكرة أو شراكات استراتيجية تتيح لها النمو في السوق، وأخيرًا إدارة المخاطر السوقية؛ حيث تقلبات السوق قد تؤثر على الأصول الوقفية وعوائد الغلة، ما يستلزم تطبيق ضوابط شرعية ومحاسبية دقيقة، وإجراءات حوكمة صارمة لضمان الحفاظ على الأصل الوقفي.
وقد طُبّق النهج المبتكر عمليًا في صندوق غراس الوقفي الاستثماري بالتعاون مع شركاء استراتيجيين، وبالأخص هيئة الخدمات المالية وبورصة مسقط والشركة المديرة أوبار كابيتال؛ حيث أُسّست حوكمة متكاملة تتيح التحكم في إدارة المخاطر بنسبة عالية، بما يضمن استدامة العوائد والحفاظ على المقاصد الشرعية للوقف.
- من الناحية الشرعية، كيف تنظرون إلى الاستثمار الوقفي في مشاريع تجارية وسياحية مقارنة بالأنماط التقليدية للوقف؟
الاستثمار الوقفي في المشاريع التجارية والسياحية لا يتعارض مع مفهوم الوقف وأحكامه، شرط أن يتم وفق الضوابط الشرعية التي تحافظ على أصل الوقف وتحقق مقاصده، فالوقف التقليدي غالبًا يقتصر على أعيان جامدة وصرف الريع مباشرة، بينما الوقف المنتج يتيح تنمية الأصول واستثمارها في مشاريع مدرّة للدخل بما يعود بالنفع على الموقوف لهم على المدى الطويل. ويمكن تحقيق الاستثمار التجاري أو السياحي شرعًا مع مراعاة تجنب المحظورات والأنشطة المحرمة، وضمان حفظ الأصل واستدامة العوائد. هذه المقاربة تجعل الوقف أداة للتنمية المستدامة تربط بين المحافظة على الأصل وإحداث أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، كما تعزز ثقافة الوقف المنتج في المجتمع. باختصار؛ الوقف المنتج التجاري أو السياحي ليس خروجًا عن الانضباط الشرعي للوقف، بل وسيلة لتوسيع أثره وتنمية موارده بطريقة مستدامة ومسؤولة.
- لماذا اخترتم القطاع السياحي تحديدًا ليكون وعاء استثماريًا لهذا الوقف، وما الذي يمنحه قدرة على الاستدامة؟
لأنه يجمع بين إمكانات نمو عالية وعوائد مستدامة، ويتوافق مع أهداف الوقف المنتج في تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي ملموس، ويتميز القطاع السياحي في عُمان بعدة عوامل تعزز استدامته، منها الطلب المتنامي على السياحة الداخلية والخارجية، مما يضمن استمرار تدفق العوائد، بالإضافة إلى تنوع المشاريع السياحية، ما يقلل المخاطر الاستثمارية عبر تنويع مصادر الدخل، كما يمكن دمج المعايير الشرعية والاستدامة، بما يضمن استمرار العوائد مع المحافظة على الأصل، وبهذه الطريقة يحقق الوقف المنتج هدفه في تنمية الأصول وتحقيق عوائد مستدامة للمستفيدين، مع الحفاظ على المقاصد الشرعية للوقف وإيجاد أثر مجتمعي طويل المدى، وقد بدأت المؤسسة الاستثمار من خلال أدوات مالية متوافقة مع الشريعة كما في نموذج صندوق غراس الوقفي الاستثماري، وتعمل المؤسسة من خلال هذا المشروع على تجربة أخرى في القطاع السياحي؛ حيث اعتمد المشروع وفق دراسة جدوى أعدها مكتب متخصص، وأظهرت الدراسة عاملًا إيجابيًا لهذا الاستثمار على المدى المتوسط.