أفكار وآراء

الأكاذيب الصهيوأمريكية: هل انتهى عصر السماوات المفتوحة؟

عندما بدأت إسرائيل عدوانها على مصر في الخامس من يونيو 1967 لم يكن عمري قد تجاوز خمس سنوات. ورغم أن مدركاتي عن الحرب لم تكن مكتملة آنذاك، فإنني ما زلت أتذكر كيف كان الناس في قريتي يتحلقون حول أجهزة الراديو القليلة ليستمعوا إلى البيانات العسكرية التي كان يلقيها المذيع المصري الأشهر في ذلك الوقت أحمد سعيد عبر إذاعة «صوت العرب»، معلنًا انتصارات كبيرة يحققها الجيش المصري الذي كان، وفق تلك البيانات، يقف على أبواب تل أبيب.

بعد الأيام الستة التي استغرقتها الحرب استيقظ المصريون على حقيقة صادمة. فقد تبين أن تلك البيانات لم تكن سوى أكاذيب. وانتهت الحرب بأكبر نكسة في تاريخ العرب المعاصر، نتج عنها احتلال كامل شبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان والقدس. كان الدرس قاسيًا للجميع وهو أنَّ الأكاذيب قد ترافق الحروب، لكنها لا تستطيع حجب الحقيقة طويلا، أو أن تصنع انتصارًا زائفًا.

في ذلك الوقت كانت وسائل الإعلام محدودة للغاية، وتتمثل في الصحف، والراديو، وإلى حد ما التلفزيون الذي كان في سنواته الأولى.

في العقود الأخيرة شاع اعتقاد بأن الثورة الرقمية وما رافقها من انتشار الأقمار الصناعية والإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي قد أنهت إلى الأبد زمن التلاعب بالحقائق. كان التصور السائد أن العالم دخل عصر «السماوات المفتوحة»، حيث يصعب إخفاء الوقائع أو احتكار رواية الأحداث.

ولذلك فإن ما نتابعه على مدار الساعة من أكاذيب مرتبطة بالعدوان الصهيوأمريكي الجاري على إيران تطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا، وهو هل ما زال هذا التصور صحيحًا فعلًا؟ أم أن العالم بدأ يعود، على نحو مقلق، إلى زمن قديم تُدار فيه الحروب بالأكاذيب ويُحجب فيه الكثير من الحقائق، حتى في عصر يفترض أنه عصر التعددية والشفافية الرقمية؟

المفارقة اللافتة في هذه الحرب أن التكنولوجيا لم تعد الضامن الطبيعي لظهور الحقيقة كما كنا نظن، وأصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من معركة إدارة الرواية أو السردية المرتبطة بالحروب والأزمات. فبين خطاب سياسي أمريكي متقلب، وتعتيم إعلامي واسع تمارسه إسرائيل على ما يجري داخلها، يبدو أن المعركة لا تجري في الميدان العسكري وحده، بل في ميادين أخرى متعددة على رأسها ميدان الإعلام والمعلومات.

منذ الأيام الأولى للحرب برز خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه أحد المصادر الأساسية للرواية الرسمية حول أهداف العمليات العسكرية ضد إيران ونتائجها. غير أن هذا الخطاب اتسم بدرجة ملحوظة من التناقضات والتبدلات حتى خلال اليوم الواحد. ففي المرحلة الأولى جرى تقديم الحرب باعتبارها ضرورة عاجلة لمنع تهديد إيراني وشيك، ثم تحولت الرواية لاحقًا إلى التركيز على تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية، قبل أن تتسع دائرة الأهداف لتشمل إضعاف النظام الإيراني وإسقاطه، وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.

هذا التغير المستمر في تبرير العدوان على إيران وأهدافه يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يرافق الحرب. فحين تتغير المبررات بهذه السرعة، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام استراتيجية واضحة بالفعل، أم أمام خطاب سياسي يتكيف مع تطورات الأوضاع في ميادين القتال ويحاول أن يسبق الحقائق بدل أن يشرحها؟

وفي السياق نفسه، برزت خلال الأيام الماضية سلسلة من التصريحات التي تحدثت عن نجاح الضربات العسكرية في - تحييد - البرنامج النووي الإيراني أو إلحاق أضرار حاسمة به. غير أن التقديرات التي ظهرت لاحقًا في تقارير مختلفة أشارت إلى صورة أكثر تعقيدًا، حيث تحدثت عن تأخير محتمل لبعض الأنشطة أو إلحاق أضرار ببعض المنشآت، دون وجود دلائل قاطعة على القضاء الكامل على القدرات التقنية المرتبطة بالبرنامج.

ولا يقتصر الأمر على التباين في تقييم النتائج العسكرية، بل يمتد إلى طبيعة التهديد ذاته. فقد جرى في بعض الخطابات السياسية تصوير التهديد الإيراني باعتباره خطرًا فوريًا يتطلب تحركًا عسكريًا عاجلًا، في حين أن التقارير الاستخباراتية والفنية حول القدرات النووية والصاروخية الإيرانية ظلت أكثر حذرًا وتعقيدًا في توصيفها.

هذه التناقضات لا تعني بالضرورة وجود “حقيقة واحدة” بسيطة يمكن الوصول إليها بسهولة، لكنها تكشف أن خطاب الحرب غالبًا ما يتجاوز حدود المعلومات المتاحة ليصبح أداة تعبئة سياسية للداخل والخارج على حد سواء. ففي أوقات الأزمات الكبرى تميل الحكومات إلى تقديم روايات حاسمة وسريعة، حتى لو كانت الوقائع الفعلية أكثر تعقيدًا أو أقل وضوحًا.

الجانب الأكثر إثارة للانتباه في هذه الحرب هو التعتيم الإعلامي الذي تمارسه دولة الكيان الصهيوني على ما يجري داخلها. فإسرائيل، التي تُقدَّم عادة بوصفها واحة الديمقراطية الوحيدة وسط صحراء الديكتاتوريات، وجزءًا من العالم الإعلامي المفتوح، تمارس نظام رقابة عسكرية صارم يفرض قيودًا على نشر معلومات معينة تتعلق بالعمليات العسكرية أو نتائج الضربات أو المواقع الحساسة.

ومع تصاعد الضربات الصاروخية الإيرانية الأخيرة ازدادت القيود المفروضة على التغطية الصحفية، سواء داخل إسرائيل أو في مناطق العمليات. في مثل هذه الظروف تصبح المعلومات المتاحة للجمهور محدودة، وتخضع في كثير من الأحيان لمراجعة مسبقة قبل النشر، الأمر الذي يترك فراغًا واسعًا تملؤه الروايات الرسمية أو التسريبات غير المؤكدة.

هذه الظاهرة تعيد إلى الأذهان ممارسات إعلامية كانت سائدة في فترات الحروب التقليدية خلال القرن العشرين، عندما كانت الحكومات تتحكم بدرجة كبيرة في تدفق المعلومات وتوقيت نشرها. الفارق الوحيد اليوم هو أن هذا التحكم يجري في بيئة إعلامية أكثر تعقيدًا، حيث تنتشر الأخبار والصور بسرعة غير مسبوقة عبر المنصات الرقمية. والمؤكد أن وفرة الصور والمعلومات قد تتحول أحيانًا إلى ما يشبه الضباب الإعلامي، حيث تختلط الوقائع بالتفسيرات والدعاية والشائعات. وفي ظل هذا التدفق الهائل يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين ما هو موثق وما هو مجرد رواية دعائية سياسية.

في ضوء ما سبق تبدو الحرب الصهيوأمريكية الهمجية الحالية ضد إيران مثالًا واضحًا على التحول الذي يشهده الإعلام العالمي. نعم لم يعد العالم يعيش زمن احتكار المعلومات الكلاسيكي، لكنه في الوقت نفسه لم يصل أيضًا إلى مرحلة الشفافية الكاملة التي بشرت بها الثورة الرقمية. ما نشهده اليوم هو شكل جديد من الصراع على الرواية، حيث تتداخل فيها القوة العسكرية مع إدارة المعلومات، وفقا لمصلحة كل طرف من أطرافها. ولعل هذا ما يعيدني إلى طرح السؤال الملح: هل عدنا فعلًا إلى ما قبل عصر السماوات المفتوحة؟

في الحروب، كما علمتنا تجربة عام 1967، لا يقتصر الخطر في السلاح وحده الذي يحصد أرواح المدنيين الأبرياء، ويمتد إلى الأكاذيب التي ترافقه. فالسلاح قد يدمّر مدنًا وجيوشًا، بينما تؤثر الأكاذيب في وعي الناس وإدراكهم لما يجري حولهم. وربما كان هذا هو الدرس المهم الذي تكشفه الحرب الصهيو-أمريكية الجارية على إيران.

فالعالم لم يعد يعيش زمن احتكار المعلومات كما كان في الماضي، لكنه في الوقت نفسه لم يصل إلى عصر الشفافية الكاملة التي بشرت بها الثورة الرقمية.

لقد أصبحت الحروب اليوم تُخاض بالصواريخ والقاذفات في الميدان، وبالسرديات في الفضاء الإعلامي. وبين التدفق الكبير للمعلومات وندرة الحقائق يبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل عاد العالم إلى ما قبل عصر السماوات المفتوحة والثورة الرقمية، ودخل مرحلة جديدة تُسخر فيها التكنولوجيا لإخفاء الحقائق؟