استمرار الصدمة الأمريكية
الثلاثاء / 20 / رمضان / 1447 هـ - 20:46 - الثلاثاء 10 مارس 2026 20:46
ضمن موجة من المراجعات النقدية التي ظهرت في أمريكا بعد سنوات من غزو العراق عام 2003، أعاد عدد من الأعمال الصحفية والسينمائية النظر في الكيفية التي صيغ بها قرار الحرب، وفي الدور الذي لعبته وسائل الإعلام في تبني رواية أسلحة الدمار الشامل التي روجت لها إدارة جورج واشنطن بوش. ومن الأمثلة على هذه الأعمال فيلم Shock and Awe الذي أُنتج سنة 2017، متتبعًا عمل صحفيين في وكالة Knight Ridder، والذين كانوا من القلة داخل الإعلام الأمريكي ممن شككوا مبكرًا في الرواية الرسمية للحرب، في وقت كانت فيه معظم المؤسسات الإعلامية تعيد إنتاج خطاب إدارة بوش دون تمحيص.
وقبل فيلم Shock and Awe تناول فيلم المخرج ستانلي كوبريك Full Metal Jacket، الذي أُنتج سنة 1987، الحرب الفيتنامية التي خاضتها أمريكا بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، وانتهت بانسحابها عام 1975 بعد واحدة من أكثر الحروب كلفة وإثارة للجدل في تاريخها الحديث. تكبدت فيها نحو 58 ألف قتيل من الجنود الأمريكيين، إضافة إلى مئات آلاف الجرحى، بينما قُتل في فيتنام ملايين المدنيين والعسكريين، ما جعل الحرب تتحول داخل المجتمع الأمريكي نفسه إلى موضوع جدل واسع واحتجاجات سياسية وثقافية.
قدم الفيلم نقدًا واضحًا للحرب عبر تصويره مرحلتين مركزيتين في تجربة الجنود: معسكر التدريب والواقع القتالي في فيتنام. ففي معسكر التدريب يظهر العنف المؤسسي وتنويعاته في مرحلة تشكيل المجندين، وممر تطبيع القتال بطاعة دون تردد، ثم ينتقل الفيلم إلى فيتنام ليكشف الفجوة بين الخطاب العسكري والواقع على الأرض.
كلا الفيلمين حققا نجاحًا لافتًا. صحيح أن فيلم كوبريك يتفوق من حيث المكانة والتأثير، فهو فيلم يُعد كلاسيكيًا ضمن مكتبة أهم أفلام الحرب في تاريخ السينما، مع ذلك يشترك الفيلمان في نقد الحرب وكشف تناقضاتها. حين حضرت مشاهدة Shock and Awe بدا الأمر كما لو أنني في صالة العرض في مجمع تجاري في بوشر، أعاين لحظة قد أصفها بجرأة بأنها «روحانية»، لحظة تأمل جماعي في خطأ تاريخي.
لكن هل يعني هذان العملان شيئًا فعلًا لأمريكا؟ وهما، كما أسلفت، مثالان فقط بين مئات الأعمال الناقدة للحرب. هل تسعف مثل هذه الأعمال في إعادة النظر إلى مسألة الحرب بطريقة مختلفة، أم أنها تبقى مجرد مراجعات متأخرة لا تغير شيئًا في مسارها؟ ولا في الذهنية الجماهيرية للتعامل مع الحرب في أمريكا. أنا مُصرة على استدعاء هذين الفيلمين بالتحديد لأنهما فيلمان جماهيريان، ليست أفلامًا نخبوية مثلاً، وهذا يعني سهولة الوصول إليهما. فهل حققا أي نوع من التردد والشك بسرديات السلطة في أمريكا عن حروبها، على الأقل عند الطبقة المتوسطة والصحافيين وما إلى ذلك؟
إذا كنت تظن، أيها القارئ العزيز، أن رواج هذه الأفلام غريب في ظل عجز السياسة الأمريكية والرأي العام الأمريكي عن التوصل إلى موقف واضح من بدء حرب جديدة في الشرق الأوسط — لأسباب واهية كتلك التي دفعت سابقًا إلى حروب العراق وفيتنام وأفغانستان — فأنت لم تقرأ بعد وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الصادرة في نوفمبر 2025 عن البيت الأبيض، والموقعة باسم دونالد ترامب نفسه. وهي وثيقة تقدم نفسها بوصفها خارطة طريق لعمل الولايات المتحدة في السنوات المقبلة، وتسعى — كما تقول — إلى استدراك أربع سنوات سابقة من الفشل والانخراط في صراعات مكلفة للأمريكيين.
تكشف الوثيقة عن مفارقة واضحة مع ما يجري اليوم. فالوثيقة نفسها تصف سياسات العقود الماضية في الشرق الأوسط بأنها “Misguided experiment” — أي تجربة أو سياسة تم اتباعها لكنها كانت مبنية على تقدير خاطئ أو فكرة غير صحيحة منذ البداية، إذ انطلقت من افتراضات مبسطة عن إمكانية إعادة تشكيل المجتمعات والدول من الخارج، وتتحدث عن عقود من الحروب التي تدخلت فيها الولايات المتحدة لإسقاط أنظمة سياسية ثم محاولة إعادة بناء دول جديدة من الصفر — بدساتير وجيوش ومؤسسات جديدة — كما حدث في العراق وأفغانستان، لكنها انتهت بكلفة بشرية ومالية هائلة دون تحقيق الاستقرار الذي وُعد به.
بل وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك حين تقول إن «الأيام التي كان فيها الشرق الأوسط يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية [...] قد انتهت — ولحسن الحظ». ومن هنا تؤكد أن هدف السياسة الأمريكية هو تجنب الانجرار إلى حروب مكلفة خارج المصالح الحيوية المباشرة، وأن على الولايات المتحدة إعادة ترتيب أولوياتها بعد عقود من الحروب الطويلة في المنطقة. كما تشدد الوثيقة على مبدأ «تقاسم الأعباء»، أي أن على الحلفاء تحمل مسؤولية أمن مناطقهم، وألا تتحمل الولايات المتحدة كلفة النزاعات الإقليمية وحدها أو تُجرّ إلى صراعات تخص أطرافًا أخرى.
وفقًا للوثيقة، يمكن إذن أن نعتبر أن التصعيد العسكري الواسع مع إيران، خاصة إذا جاء دفاعًا عن حليف إقليمي (إسرائيل) في حرب مفتوحة، يعيد الولايات المتحدة إلى النمط نفسه الذي تقول الوثيقة إنها جاءت لتجاوزه: الانخراط المباشر في حرب جديدة في الشرق الأوسط بعد أن أعلنت، نظريًا على الأقل، أن زمن هذا النوع من الحروب قد انتهى.
هذه دعوة لقراءة وثيقة عن خطة هزلية توثق نجاحات حققها ترامب وسيستمر في تحقيقها، إلا أنها لم تُكمل عامًا واحدًا قبل أن تصبح شهادة أخرى على الإخفاق الأمريكي وهشاشة النظام وتفاهته. ببساطة، لا تعد الوثيقة الصادرة عن سلطة الدولة التي تدير العالم مختلفة كثيرًا عن فيلم درامي يُعرض في السينما، يجتر خيبة اتخاذ القرار الخاطئ «لأسباب موضوعية وعقلانية معينة»، وكليهما لا يفعلان شيئًا يذكر لردع الحرب أو الرغبة بها.