روضة الصائم

«التوغل داخل المغرب المظلم».. المشهد بنصف عين مفتوحة

بين دفتين

 

خلفان الزيدي كاتب عماني

لا يمكن بدءا «التوغل» في صفحات هذا الكتاب، بمعزل عن دوافع الرحالة الغربيين، في زيارتهم إلى المشرق العربي، وتسجيل انطباعاتهم ومشاهداتهم، ذلك أن قراءة أولية لكتاب «التوغل داخل المغرب المظلم» للفنان السويسري فرانك بوكسر والصادر عن مؤسسة بيت الزبير بالتعاون مع الآن ناشرون وموزعون، يحعلنا نتساءل، عن حجم الزيف والتضليل الذي يعتري الوصف، ولماذا كان بوكسر، الفنان المرهف الحس، القادم من بلد «محايد» بهذا السخط في وصفه للمغرب، وتقديم مغالطات شملت الدين والثقافة والشخصية المغربية؟.
قبل الإجابة على ذلك، نستذكر مدونات بعض المستشرقين والرحالة الغربيين، عن بلاد العرب، ونظرتهم حيالها، هذه المدونات وان كانت تشكل أهمية بالغة، وتقدم صورة توثيقية للإنسان والمكان العربي، إلا أنها في المقابل «تفصح» عن النية «المبطنة» والتي في مجملها تكرس صورة «الغرب» المتفوق حضاريا وثقافيا ودينيا، على «الشرق» المتخلف في كل شيء.. نجد ذلك مثلا في كتب بعض الرحالة الفرنسيين الذين زاروا المغرب، كما هو الحال مع الضابط البحري الفرنسي إميل كولي في كتابه «رجال الحرب في المغرب»، الصادر في عام 1912م، ومواطنه المراسل الحربي شارل إيريات في كتاب «حرب تطوان» (1860).

والرحالة أوجين أوبان في كتاب «المغرب اليوم» (1904)، والرحالة لادريت دو لاشاريير في كتاب «على امتداد الطرقات المغربية» (1912)، وكل هذه المدونات إلى المغرب، وغيرها «مدججة» بروح المستعمر، الذي ظاهره جاء لنهضة المجتمع وتقدمه، وباطنه فرض وصايته، ونهب ثروات البلاد وخيراتها.. ولذلك نجد - كما يستعرضها المؤرخ الفرنسي رولان لوبيل في كتابه «الرّحالة الفرنسيون في بلاد المغرب: من القرن السادس عشر إلى ثلاثينات القرن العشرين»، ترجمة الأكاديمي المغربي حسن بحراوي، (دار الأمان، 2017) - حضور 'روح استعمارية لا غبار عليها، قوامها تمجيد طافح لما يُعتقد أنّه فضائل الاستعمار الفرنسي، الذي جاء لينتقل بأمّة متخلّفة من مباءة الجهل والغفلة إلى أفق التطور والنهوض'.


وبالعودة إلى الكتاب الذي بين أيدينا، «التوغل داخل المغرب المظلم»، نجد أن المؤلف هنا، فرانك بوكسر ليس فرنسيا استعماريا، أو انجليزيا توسعيا، وإنما فنانا سويسريا، من البلاد التي تعرف بانتهاجها سياسة الحياد، لكنه خالف هذا المبدأ، وأيد الاستعمار، بل ودعا فرنسا إلى أن 'ترفع علمها عاليا فوق سماء المغرب'.
ترجم الكتاب الدكتور رضوان ضاوي، وهو باحث ومترجم مغربي، صدّر ترجمته بالإشارة، إلى أهمية التجربة الاستشراقية السويسرية، وكيف تميز بوكسر في مؤلفه عن المغرب بالجمع بين التوثيق النصي، والتوثيق البصري للثقافة المغربية في منتصف القرن التاسع عشر.


سافر بوكسر في رحلته الأولى إلى طنجة انطلاقا من الأندلس في يوليو 1858م، ورغم أنه حظي بمعاملة طيبة، واستقبال حسن في هذه الرحلة، إلا أنه عاد في رحلته الثانية في عام 1860م مشاركا بصفته رساما في حرب الريف إلى جانب الإسبان ضد المغرب، ووثق انتصارات الجيش الأسباني على المغاربة في لوحاته الفنية، ثم عاد في العام 1880م رفقة الحملة الإسبانية على شمال المغرب.


يوثق بوكسر في هذا الكتاب رحلته إلى فاس انطلاقا من طنجة، والتي جرت العام 1858م مصورا ملامح من المشهد الثقافي المغربي، بأسلوب سردي جميل، ومشاهد مرسومة بريشة فنان ماهر، غير أنها – كما ذكرت سلفا – لا تخلو من المغالطات، والصور السلبية، التي تحتاج من القاريء إلى التيقن من صحتها، والانتباه إلى ما يساق من صور سلبية، «تندس» بين جميل السرد، وعذوبة المعنى.


أرسل بوكسر مخطوطة كتابه إلى الناشر أبراهام روت بعنوان «كوسموبوليتانا»، أو «المواطن العالمي»، والذي قام بدوره بتعديل الكثير من الفقرات في هذا المخطوط، وإعادة تحريرها، ونشرها تحت عنوان «صور مغربية من خلال يوميات رحلة الرسام بوكسر»، دون أن ينشر معها أي لوحة من لوحات الفنان عن المغرب.. ثم اشتغل ناشر آخر وهو المؤرخ السويسري غوتفريد فيلشلي على المخطوط الأصلي، ونشرها بعنوان «التوغل في المغرب المظلم: يوميات رحلة الفنان فرانك بوكسر الأولى إلى المغرب 1858، مع تسع عشرة لوحة للفنان»
وتتميز هذه النسخة، بالمقدمة الطويلة التي كتبها فيلشلي في حوالي عشرين صفحة، تناولت تفاصيل كثيرة متعلقة برحلة بوكسر إلى المغرب، وهذه النسخة هي التي جرى اعتمادها في ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية.


وإذا كان أبراهام روت أجرى إعادة صياغة بعض الجمل في مذكرات بوكسر عن المغرب، وحذف فقرات وفصول، إلا أن غوتفريد فيلشلي حافظ على روح النص وبنيانه، 'دون الانحراف عن الأصل في أي معلومات فعلية، مهما كانت صغيرة' وكانت صياغته متوافقة مع النص الأصلي، هذا بجانب ما ضمنه في الكتاب من لوحات بوكسر، بلغ عددها تسع عشرة لوحة، بحيث جاء توثيقا نصيا وبصريا لرحلة الفنان السويسري، بعكس نسخة روت التي اقتصرت على التوثيق النصي.


وبعيدا عن التوغل، في تفاصيل نشر الكتاب، وصعوبات ترجمته من الألمانية إلى اللغة العربية، مع أسلوب بوكسر المعقد – كما يذكر المترجم – واستعماله لغات الشخصيات الحقيقة التي يلتقي بها، حيث كتب عبارات باللهجة المغربية واللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والأسبانية والألمانية والسويسرية، نجد أن ما حاول روت تحريره، والتخفيف من حدته، حافظ فيلشلي على جوهره ومعناه، بما فيها العبارات التي تحمل ما ذهبنا إليه في أول المقال، من نبرة استعلائية، واحتقار للشخصية والثقافة المغربية، ومن ذلك مثلا، استخدام صفة (البرابرة) على كل ما هو مغربي وعربي، رغم أن (البرابرة) أو (الأماريغ) هم جزء من نسيج المغرب وشمال إفريقيا، يتميزون بثقافة عريقة ولغة وتقاليد حرفية وفنية غنية، إلا أن المعنى الذي ساقه بوكسر قصد به، الهمجية أو قلة التحضر، يذكر ذلك في مواضع عدة، 'أنتم البرابرة، أبناء إسماعيل' (ص63)، 'إعادة هؤلاء البرابرة إلى النظام بسوطه' (ص64)، 'وقف البربري خاصيتي بسرعة' (ص84)، 'الخنازير البرية هؤلاء البدو وأبناء القبائل والبربر يشتهون النظر إلى ملابسك الجميلة' (ص123)، 'هؤلاء البرابرة لديهم هنا مكتبة ممتازة' (ص219).


وغير ذلك، يجري بوكسر مقارنات مهينة بحق المغاربة والعرب عموما، في شخصيتهم وثقافتهم ودينهم مع شعوب وطوائف دينية أخرى، ويسبغ عليهم أوصاف «دونية»، برغم ما أبداه المغاربة له من حسن تعامل، وكرم ضيافة، حد «تقديسه» بعد تنكره في بلباس ولي من أولياء الله، حتى يأمن قطاع الطرق، في رحلته إلى فاس.


ومنذ أن وطئت قدماه أرض المغرب، عبر الباخرة القادمة من غرناطة إلى المغرب، نجد «احتقار» بوكسر للفتية الذين يحملون المسافرين من البواخر في الميناء إلى اليابسة، حد أن وصفهم بحيوانات النقل البشرية (ص63)، 'هؤلاء الناس قبيحو المنظر، بعضهم كما لو كان خرج لتوه من قبره' (ص64)، إلى باقي التوصيفات، حيث يوصف مثلا الطريق إلى فاس، وما يحمله من مخاطر بالقول: 'سيكون من المستحيل الذهاب إلى فأس، الله أعلم كم عدد الأعذار التي ساقها لي: التعرض للقتل، وللاختطاف في الطريق، وللسبي والبيع في الأسواق عبدا، والخيانة والحرق' (ص74)، 'الكثير من العرب الأشرار يتدافعون حولنا بعماء' (ص84)، 'يبدو لي أن المغاربة البؤساء بلباسهم الأبيض يلوثون الهواء كله' (ص92)، 'لكن المسلمين هناك متشددون، سيقتلونك إذا اكتشفوا أمرك' (ص169).


غير أن كل ذلك، ومهما بدأ سيئا ومهنيا، إلا أننا لا يمكن تجاهل أهمية هذا الكتاب، والقيمة المعرفية والثقافية التي يحملها، والإضافة التي يمثلها، وفي المجمل، يتيح معرفة واسعة عن المغرب.. ثقافته، وأوضاعه، وعلاقاته، ويمكن اعتباره واحدا من أهم الأعمال الرحلية في القرن التاسع عشر. وإن كان من ملاحظة تساق على الترجمة العربية، فهي خلوها من لوحات فرانك بوكسر، هذه التي ضمنها الناشر غوتفريد فيلشلي، لم نر منها إلا لوحة الغلاف، دون أي بيانات عنها، هذه الصور كانت ستضيف الشيء الكثير، وهو ما أمله في الطباعات القادمة، كما جرى في نهاية الكتاب من نشر رسالة بوكسر إلى إبرهام روت بعد الوصف الفعلي للرحلة، وقد خاطبه بشكل ودي باسم «فريدريش» و«فريتس»، نقتبس منها قوله: 'علينا الإبقاء على عين واحدة فقط، نصف مفتوحة ليرى المرء كيف يمكن أن تصبح الحياة سعيدة ومبهجة متى أراد الإنسان ذلك فحسب'. (ص 300).