روضة الصائم

سير أبي المؤثر

ذخائر المحبرة العمانية

 

أبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي البهلوي، كان مولده في بهلا، وهو من علماء القرن الثالث الهجري، أخذ العلم من مجموعة من عدة علماء، في طليعتهم أبو عبدالله محمد بن محبوب، وهو أشهر العلماء وأجلهم قدرا في عصره. ومعلمه الثاني هو الوضاح بن عقبة، وهو من أهل المشورة، ومن ضمن العلماء الذين أشاروا إلى بيعة الإمام الصلت بن مالك الخروصي، وأبو المؤثر ينقل عنه كثيرا.


عاصر أبو المؤثر عدة أئمة وهم: الإمام المهنا بن جيفر (226-237ه‍) وكان له دور في إقناع العلماء بالتخلي عن قرار إعلان البراءة من الإمام. كما عاصر الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237-272هـ) وكان أحد العلماء المبايعين له، إلا أنه لم يحضر البيعة بسبب ذهابه لغسل ثوبه من دم أصابه بعد موت الإمام المهنا بن جيفر. وعاصر أبو المؤثر الأحداث في عصر الإمام الصلت بن مالك من توليته إلى عزله، وعاصر الأحداث التي لحقت بعمان من جراء تولية راشد بن النظر للإمامة. ثم عاصر الإمام عزان بن تميم (277-280ه‍) وقد اشترك في انتخابه، فشهد الأحداث الدموية التي وقعت بين الإمام عزان وبين أنصار موسى بن موسى بعد مقتل موسى، ثم بعد ذلك موقعة القاع 278ه‍، ثم قدوم ابن بور إلى عمان وتخريب الأفلاج والقرى. وعاصر هجوم القرامطة على عمان وخاصة الهجوم الأول 287ه‍، والثاني حوالي 305ه‍.


تخرج من مدرسة أبي المؤثر علماء أجلاء منهم: العلامة أبو الحواري محمد بن الحواري، وهو من أخص تلاميذ أبي المؤثر، اتصف بالزهد والورع والتقوى وغزارة العلم، وصحب أبا المؤثر ستين سنة.
وله تلاميذ آخرون من أشهرهم محمد بن أبي غسان، من سكان العقر بنزوى، وله بها مسجد ينسب إليه، وكانت وفاته بها.
ويبدو أن وفاة أبي المؤثر كانت قبل سنة 318ه‍ أي قبل الهجوم القرمطي الثالث على عمان.


(2)
ترك أبو المؤثر مؤلفات منها:
أولا: كتاب الأحداث والصفات، وفيه يتجلى أبو المؤثر من المبلورين لفكر المدرسة الرستاقية. وهذه السيرة في الرد على آراء المعارضة الذين كانوا ضد الإمام الصلت بن مالك من خلال عرض آرائهم والتّهم التي ذُكرت حول الإمام. وهذه السيرة من أوائل السير التي دونت آراء المدرستين، وتعد بداية في النوعية الأسلوبية في تدوين السير، غير أن أعظم جوانبها تكمن في بحثها وتطرقها لمناقشة الإمامة كنظام وفكر سياسي. وتطرق أبو المؤثر فيها إلى تضييق الاختلاف في مسائل الدين، وسعته في مسائل الرأي، وذكر فتنة الإمام الصلت بن مالك الخروصي وأشار إلى البراهين التي تؤكد خطأ موسى بن موسى ومن سار على نهجه، وأبو المؤثر يسرد العديد من الحجج والآراء المضادة لموسى وراشد وذلك من أجل الدفاع عن الإمام الصلت بن مالك، ومناقشة هذه الحجج ومحاولة إفحامها، معتمدا على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وسيرة الصحابة والسلف من أيام الفتنة إلى عهده. وتعرض إلى بعض أحكام الولاية والبراءة كما تعرض إلى ذكر بعض الفتن في عهد الصحابة وذكر بعضا من سير السلف الصالح. فالسيرة وثيقة تاريخية في ذكر أحداث تاريخية كبيعة الصلت وبداية ظهور معارضة موسى للإمام وولاة الصلت وسيرهم، وكيفية عزله، وبيعة راشد بن النظر، ومعركة الروضة ومعركة الرستاق، والأحداث الدامية في عمان بسبب ذلك. كما أن السيرة وثيقة فكرية في المحاججة والنقاش، هذا فضلا عن قيمتها باعتبارها وثيقة تأسيسية للمدرسة الرستاقية. وهناك القيمة السياسية باعتبارها وثيقة في الفكر السياسي. والكتاب مطبوع يقع في تسع وسبعين صفحة.
***
الأثر الثاني لأبي المؤثر كتاب البيان والبرهان رد على من قال بالشاهدين، وهذه السيرة كتبها المؤلف بعد كتابته لسيرة الأحداث والصفات، حيث يشير ويقتبس من السيرة السابقة. وهو يناقش أخطاء المعارضة التي ارتكبوها خلال عقدهم لإمامة راشد بن النظر، ومن المهم الإشارة إلى ربط الجانب العقائدي بالفكر السياسي، فالسيرة ناقشت طبيعة الإمامة من ناحية عقائدية في ذاتها قبل أن تكون أمرا سياسيا. كما تناقش حكم الأخذ بشهادة شاهدين عادلين على أن الإمام الصلت أحدث حدثا واستتيب فلم يرجع -وكل ذلك قبل قيام موسى بن موسى وراشد بن النظر- هل تؤخذ هذه الشهادة أم لا. وتتناول الولاية والبراءة بعد حادثة عزل الصلت بن مالك الخروصي عندما عجز في المشي دون إخلال في السمع والبصر أو العقل، فهي تسوق الآيات القرآنية عن العقيدة ومسألة الإمام ووجوب اتباعه، وطبعت هذه السيرة ضمن كتاب السير والجوابات في ثلاثين ورقة منه تقريبا.
***
أما السيرة الثالثة فهي رسالة إلى أبي جابر محمد بن جعفر الأزكوي، وهي رسالة وجهها إلى العلامة محمد بن جعفر وهو أحد علماء عصره، من باب النصيحة، تعرض فيها إلى التذكير بنعم الله والتعرض لتوحيد الله ودلائل الإيمان به تعالى، وبعدما ذكر في مقدمة الرسالة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، يدخل في موضوع تخطئته لأبي جابر في أمور، ومن ضمن ما قاله فيها: 'أما بعد، فإن الأخبار فيك تطول، والأحاديث فيك تقول، والقول فيك يتسع، والأمر فيك يرتفع، إلا أنّا نضرب على الأكثر، ونكتفي بالأيسر لعلنا نرى منك توبة أو إنابة أو رجعة إلى الحق، واعلم بأن الله سائل عما أنت قائله وموقفك مما أنت فاعله...'، وأبو المؤثر يسوق الآيات القرآنية والروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن الصحابة بعد كل أمر يخطئه فيه. طبعت هذه السيرة أيضا ضمن كتاب السير والجوابات وتقع في واحد وعشرين ورقة.
***
السيرة الرابعة سيرة في العقيدة وأصول الدين، وهي من الرسائل المختصرة في أصول الدين، يتضح أنها دونت في بداية منتصف القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، تضمنت الآراء العقائدية عند مدرسة الإباضية المشارقة، والاختلافات العقائدية بين المذاهب الإسلامية. بدأها أبو المؤثر بالحمد والثناء على الله، ثم تناول شيئا من أحكام الجملة، وما ينقض التوحيد، ثم ذكر ثواب الله تعالى وعقابه، وذكر أركان الإسلام العملية في قتال أهل البغي والبغاة، وذكر الاختلاف في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر فرق الناس، وذكر أئمة المسلمين من أصحاب النبي ومن بعدهم. وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الولاية والبراءة. وقد طبعت هذه الرسالة ضمن كتاب 'السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان'.
***
والأثر الخامس منظومة في العقيدة، وهي أبيات متفرقة، ولعلها أول منظومة في تاريخ عمان، وكان موضوعها التوحيد وأسماء الله الحسنى وصفاته، وخلق الله لأفعال العباد، والبراءة من أفعال الخوارج الذين قاموا بتشريك أهل القبلة واستباحوا دماءهم، وجواز الصلاة خلف الجبابرة، وحكم عطايا السلطان، والرد على المخالفين، وبيان سيرة الإباضية الأوائل. تتميز هذه المنظومة بلغة جزلة وغريبة بعض الأحيان. ومنها هذه الأبيات:
وتوراة موسى والزبور كلامه//وإنجيل عيسى والقران المحقق
كلام له رب ولا لافظ به//وما صفة الجبار بالقول ينطق


(3)
ومما سبق يتبين لنا أهم الموضوعات التي ناقشتها هذه الآثار قضايا الولاية والبراءة وقضية الإمامة والخلافة وقضايا تاريخية متفرقة، مازجة بين البعد العقدي والعقد السياسي والبعد التاريخي. والمنهج الذي اعتمده أبو المؤثر منهج حجاجي، يعتمد على القرن الكريم، ثم الاستشهاد بالسنة النبوية الفعلية والقولية والتقريرية، وحوادث التاريخ والمنطق. ونجده كثيرا ما يطرح الأسئلة لإيجاد أجوبة لها، لإبراز الأدلة والبراهين لإثبات وجهة نظره، حيث يطرح التساؤلات مثل قوله: 'فإن قال قائل منهم فإنا نجد في بعض رأي المسلمين أنه لو أن رجلين من المسلمين قدما إماما كان حقا على المسلمين أن يجيزوا إمامته. قلنا لهم، ليس كل ذي رأي شاذ معمول به، ويترك ما اجتمع عليه فقهاء المسلمين وعلماؤهم: إن الإمامة لا تكون إلا عن مشورة من علماء المسلمين'، وهو لا يهتم كثيرا باللفظ، بل النظر للمعنى. وإن وجد السجع في كتاباته.