افتتاحية.. حين يهتز اليقين في النظام العالمي
الأربعاء / 21 / رمضان / 1447 هـ - 10:03 - الأربعاء 11 مارس 2026 10:03
كان المخطط أن يصدر هذا العدد ونحن نناقش الأفق المستقبلية والخطط الاقتصادية في سياق يبدو فيه العالم مستقرا نسبيا، نضع فيه الحروب والتوترات الجيوسياسية في خانة الاحتمالات البعيدة أو المخاطر التي تؤخذ في الحسبان دون أن تتصدر المشهد، لكن الواقع سبق هذه التوقعات وعادت الأزمات والصراعات لتفرض نفسها في صدارة الأحداث اليوم، مهددة شرايين الطاقة العالمية ومربكة مسارات التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.
وفي مثل هذا المناخ المضطرب يصبح من الصعب الحديث بهدوء عن النمو والإبداع والابتكار، فهذه المفاهيم تزدهر عادة في بيئات مستقرة تسمح بالتخطيط طويل المدى وبناء الشراكات الاقتصادية، ومع ذلك فإن ما نشهده اليوم يعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاقتصاد الذي نريد بناءه وحول مدى قدرتنا على التكيف مع عالم عصي عن التنبؤ.
لذا قُرر لهذا العدد أن يكون مساحة للتفكير في أهمية بناء اقتصاد وطني يعكس احتياجات المجتمع وتطلعاته وأفكاره، اقتصاد يستمد قوته من خصوصيته المحلية ومن فهمه العميق لموارده البشرية والطبيعية لا مجرد نسخة مكررة من نماذج اقتصادية صيغت في سياقات مختلفة، فالتجربة العالمية خلال السنوات الأخيرة وما رافقها من أزمات صحية وسياسية واقتصادية أظهرت أن الاعتماد المفرط على نماذج مستوردة قد لا يوفر دائما الحماية أو المرونة المطلوبة في أوقات الأزمات.
كما كشفت هذه التطورات أن العولمة لم تعد كما كانت تصور لنا في السابق، بل أصبحت في كثير من الأحيان سيفا ذا حدين، فعندما تستقر الأوضاع تبدو كجسر للتبادل والتكامل، وما إن تتصاعد التوترات حتى تتحول إلى نقطة ضعف.
إن هذا العدد يأتي في لحظة يفرض فيها الواقع إعادة النظر في كثير من المسلمات الاقتصادية، ليلقي الضوء من خلال ملفاته ومقالاته المتنوعة على أهمية التفكير في نماذج اقتصادية أكثر توازنا تجمع بين الانفتاح على العالم وتعزيز القدرات الداخلية، وتمنح الاقتصادات الوطنية القدرة على الصمود أمام الصدمات العالمية مع مواءمة النمو لمتطلبات المجتمع وتطلعاته وغيرها من القضايا ذات الصلة.
رحمة الكلباني محررة الملحق