عُمان الاقتصادي

لماذا لا ينجح استنساخ السياسات الاقتصادية؟ حدود نقل النماذج الاقتصادية بين الدول

 

أحمد القرملاوي -

في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وبعد تفكيك الاتحاد السوفيتي إثر سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية، زار وفد اقتصادي مكوَّن من عدد من الدول الغربية العاصمة الروسية موسكو، حاملًا خطة طموحة لتحويل الاقتصاد السوفيتي السابق خلال سنوات قليلة إلى اقتصاد يعمل وفق آليات السوق الحديثة. بدت الفكرة واضحة تمامًا، تتمحور حول إصلاحات محددة ومتفق عليها: تحرير الأسعار، خصخصة الشركات الحكومية، فتح الأسواق أمام التجارة العالمية، وهي نفس السياسات التي نجحت بدرجات متفاوتة في الدول التي تحوَّلت من أنظمة مركزية لأخرى أكثر حداثة وانفتاحًا.

وخلال فترة وجيزة، طُبِّقَت الإصلاحات بوتيرة غير مسبوقة، وُصِفَت فيما بعدُ بسياسة «العلاج بالصدمة». لكن ما نتج عن هذه السياسة لم يكن انتقالًا يسيرًا إلى اقتصاد مزدهر كما كان يُتوقَّع، بل انكماش اقتصادي مفاجئ وتراجع في مستويات المعيشة، ومن ثَم ظهور طبقة من الشركات الاحتكارية بدلًا من السوق التنافسية التي كانت تستهدفها الإصلاحات. وبمرور الوقت، فهم الخبراء الاقتصاديون أن المشكلة لم تكمُن في المنطق الاقتصادي المتَّبَع بقدر ما كانت في غياب المؤسسات التي سيُناط بها تفعيل هذا المنطق، أي النظام القضائي المستقر، والثقافة التعاقدية الراسخة، والثقة المجتمعية التي تقف خلف هذا التحول السريع.

صارت التجربة الروسية مثالًا كلاسيكيًا يُستخدم في الأدبيات الاقتصادية للحديث عن حدود نقل النماذج الاقتصادية بين الدول، فالإصلاحات التي تبدو صحيحة نظريًا قد تؤدي إلى نتائج مغايرة تمامًا عند نقلها إلى سياق اجتماعي ومؤسسي مختلف.

لطالما مال الاقتصاديون إلى استنباط النماذج الاقتصادية الناجحة والعمل على تعميمها بدرجة أو بأخرى. فمع كل طفرة اقتصادية تشهدها إحدى الدول النامية، يتحوَّل الاهتمام داخل غرف صناعة القرار حول العالم إلى محاولة الإجابة عن سؤال: ماذا فعلت هذه الدولة بالتحديد؟ وسرعان ما تتحول الإجابة إلى «نموذج اقتصادي» تستفيد منه بيوت الخبرة في صياغة حزمة سياسات وإصلاحات تساهم في تكرار التجربة الناجحة، فطالما نجحت هذه السياسات والإصلاحات في إحدى الدول، فلماذا لا تنجح في غيرها؟ الأمر يبدو بديهيًا للبعض، إلا أن التاريخ يدحض هذا المنطق ويُقدِّم سردية مختلفة تمامًا؛ حيث يُشير إلى حقيقة أن عدد الدول التي حاولت استنساخ التجارب الاقتصادية الناجحة يفوق بكثير عدد الدول التي نجحت بالفعل في تحقيق طفرة اقتصادية، كما أن حزم السياسات والإصلاحات التي لطالما وُصِفَت بأنها «أفضل الممارسات العالمية» أدَّت في حالات كثيرة إلى نتائج متواضعة للغاية، وفي حالات أخرى لأزمات لم تكن قط في الحسبان إثر تطبيقها في سياقات شديدة الاختلاف بالقياس إلى السياق النموذجي الذي استُنبِطَت منه.

من هنا يبرز السؤال الأهم في مسألة التنمية الاقتصادية: لماذا لا ينجح استنساخ السياسات الاقتصادية في أغلب الأحيان؟ هل تكمُن المشكلة في السياسات نفسها، أم في افتراض نجاحها في تحقيق الإصلاح المطلوب بصرف النظر عن السياق المؤسسي والاجتماعي؟

هل يُمكن التعامل مع «النموذج الاقتصادي» باعتباره آلة نستطيع نقلها من مكان لآخر وتشغيلها بنفس الكفاءة، أم أن الاقتصاد أشبه بكائن حي يكتسب صفاته من البيئة الاجتماعية والثقافية والمؤسسية المحيطة به، فيتأثر بها ويؤثِّر فيها ويتفاعل معها على نحو لا يُمكن استنساخه ببساطة.

في نهايات الحرب الباردة وقُربَ تفكيك الاتحاد السوفييتي، أطلق الاقتصادي البريطاني-الأمريكي جون ويليامسون روشِتَّة اقتصادية بعنوان «إجماع واشنطن»، وجَّهها ضمنيًّا إلى الدول التي تُعاني من صعوبات مالية واقتصادية ودعا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى تبني بنودها الداعية إلى تحرير التجارة، وخصخصة مؤسسات الدولة، وتحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية، وإلغاء القوانين التي تعوق دخول الأسواق أو تقيِّد المنافسة. وقد تبنت دول كثيرة هذه السياسات ضمن برامج الإصلاح الاقتصادي، مدعومةً باعتقاد ساد لدى المؤسسات الغربية والبنك الدولي في وجود نموذج اقتصادي شبه عالمي للتنمية الاقتصادية. غير أن النتائج التي تم رصدها خلال عقد التسعينيات جاءت متفاوتة بشدة، فقد حققت بعض الدول التي تبنَّت هذا النموذج الاقتصادي نموًّا لافتًا واستقرارًا ماليًّا استمر لسنوات، بينما واجهت دول أخرى تراجعًا اقتصاديًّا وارتفاعًا في معدلات البطالة نتج عنه اضطرابات اجتماعية. وبمرور الوقت، بدأت الدراسات الاقتصادية والأبحاث المنشورة تُشير إلى أن المشكلة لا تكمُن في المبادئ والبرامج الاقتصادية نفسها، بل في افتراض قابليتها للتطبيق بنفس الوتيرة والآليات في مجتمعات مختلفة لها هياكل اجتماعية ومؤسسية متفاوتة.

الإصلاح بين النص والتطبيق

تُشير الدراسات والمراجعات البحثية إلى حقيقة أن الإصلاحات الاقتصادية تحقق النتائج المرجوة حين تتكامل مع مؤسسات محلية قوية واتجاهات اجتماعية داعمة. أي أن السياسة لا تعمل بمفردها، بل ضمن منظومة مؤسسية واجتماعية متكاملة. يظهر هذا بوضوح بالنظر إلى العديد من الدول العربية التي تبنَّت برامج إصلاح اقتصادي خلال التسعينيات وفي بدايات الألفية الجديدة، حيث تشابهت هذه البرامج في منهجها وآلياتها وأيضًا في تركيزها على تحرير الاقتصاد، ومع ذلك اختلفت نتائجها الاجتماعية والاقتصادية بدرجة كبيرة. فقد أحرزت نتائج إيجابية في بعض الحالات، وفي حالات أخرى أدى تحرير الأسواق اقتصاديًّا بوتيرة سريعة ومن دون تأهيل كافٍ لمؤسسات الدولة وتطويرٍ لشبكات الحماية الاجتماعية إلى شعور عام لدى قطاعات واسعة بأن النمو الاقتصادي لا ينعكس على حياتها اليومية، ما أظهر الفجوة بين المؤشرات الكُلية الإيجابية (Macro) والحالة المعيشية للمواطنين (Micro)، وهي الفجوة التي صارت بعد ذلك موضوعًا رئيسيًّا في الدراسات الاقتصادية التنموية.

والسبب الجوهري وراء هذا التباين في النتائج هو أن الاقتصاد يعمل عبر المؤسسات، والمؤسسات ليست هياكل قانونية وإجرائية فحسب، بل هي نِتاجٌ لتطور طويل الأمد في العلاقات الاجتماعية والأنماط الإدارية. فسياسة الخصخصة على سبيل المثال، وبرغم بداهتها من الناحية النظرية، تتطلَّب سوقًا تنافسية وأجهزة رقابية ذات كفاءة عالية حتى تؤدي إلى النتائج الاقتصادية التي تَعِدُ بها النظرية. لكن حال تطبيقها في بيئة مؤسسية غير ناضجة بالدرجة الكافية لحماية المنافسة، فقد تؤدي إلى «التركُّز الاقتصادي»، وهو مفهوم يُشير إلى أي تحوُّل في هيكل السوق يتسبب في زيادة سيطرة منشأة أو مجموعة منشآت على نشاط اقتصادي بعينه. وبالمثل، فقد يؤدي تحرير سوق العمل إلى زيادة الإنتاجية في اقتصادٍ صناعي متقدم، في حين يتسبب في تراجع الاستقرار في اقتصادٍ اعتمَد لزمن طويل على قطاع عام كبير نسبيًّا. وقد أثبتت دراسات الاقتصاد المؤسسي أن نجاح التنمية لا يعتمد على «الوصفة الصحيحة» بقدر ما يعتمد على قدرة كل دولة على إيجاد حلول مؤسسية تناسب ظروفها وطبيعتها الخاصة.

من الاستنساخ إلى التوطين

تقدِّم دول الخليج العربي مِثالًا هامًّا للفارق بين استنساخ السياسات الاقتصادية وتوطينها على النحو الصحيح. فعندما بدأت هذه الدول مع مطلع الألفية برامجها التي تهدف إلى التنويع الاقتصادي، فإنها لم تعتمد على نموذج واحد على الرغم من تشابه التحديات المرتبطة بالاعتماد على الموارد الطبيعية. بل اتخذت كل دولة مسارًا مختلفًا يُلائم بِنيتها الاقتصادية والاجتماعية. فمثلًا، ركزت دولة الإمارات العربية المتحدة على بناء «اقتصاد خدمات» بمعايير عالمية، قائمٍ على الانفتاح التجاري واللوجستي، مستفيدةً من موقعها الجغرافي وطبيعة سوق العمل متعددة الجنسيات التي تملكها. أما المملكة العربية السعودية، فقد ركَّزت في مراحل لاحقة على تطوير القطاع الصناعي والسياحي في إطار رؤية اقتصادية شاملة، مع دور أكبر لمؤسسات الدولة في توجيه هذا التحول الاقتصادي. في المقابل، تبنَّت سلطنة عُمان نهجًا تدريجيًّا في التنويع الاقتصادي يوازن بين الإصلاح المالي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يعكس خصوصية الهيكل الاقتصادي وحجم السوق المحلية وتركيبة القوى العاملة التي تُعَدُّ أحد أهم موارد السلطنة. يُشير هذا التدرج المنهجي إلى إدراك أن سرعة تنفيذ الإصلاحات ليست المعيار الأهم للنجاح بقدر ملاءمتها للواقع المحلي.

ثمة دروس يُمكن استنباطها من التجربة المصرية حول أهمية السياق المحلي. فقد شهد الاقتصاد المصري برامج إصلاح متعددة منذ بداية التسعينيات، ثم موجة إصلاح واسعة بعد عام 2016 شملت تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم الذي يُمثِّل عبئًا جسيمًا على ميزانية الدولة. وقد حققت هذه الإجراءات استقرارًا ماليًّا وتحسنًا في بعض المؤشرات الكلية (Macro)، مثل احتياطي النقد الأجنبي ومعدلات النمو، فيما تُشير بعض الدراسات إلى أن الأثر الاجتماعي للإصلاحات ارتبط بقُدرة شبكات الحماية الاجتماعية على مواكبة التحول الاقتصادي. وبعيدًا عن تقييم السياسات، فإن نجاحها في تحقيق النتائج المرجوة يعتمد على تصميمها أخذًا في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والمؤسسية، لا الاقتصادية فقط.

يُمكن تلخيص الأسباب التي تؤدي لاختلاف نتائج السياسات الاقتصادية من دولة لأخرى في أربعة عناصر رئيسية. العنصر الأول هو قوة المؤسسات، فقد تؤدي نفس الحزمة الاقتصادية إلى نتائج مختلفة نتيجةَ التفاوت في قدرة المؤسسات على تنفيذها. فيما يتمثل العنصر الثاني في الثقافة العامة القادرة على تبنِّي السياسات، والتي تظهر في مستوى ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وقدرتهم على الادخار والتخطيط المالي، وتوقعاتهم تجاه الدولة. أما العنصر الثالث، فيتمثل في بِنية سوق العمل، فقد لا تتناسب السياسات المصممة لخدمة اقتصاد عالي الإنتاجية مع اقتصاد يعتمد على العمالة الكثيفة أو يرتبط تاريخيًا بقطاع عام واسع التأثير. العنصر الرابع، هو الإدارة السياسية لعملية الإصلاح الاقتصادي؛ حيث إنها ليست عملية تقنية بقدر ما هي عملية تفاوض اجتماعي بين مصالح مختلفة داخل المجتمع، تستلزم إدارة ذات كفاءة وقدرة على مراعاة المصالح المختلفة والوصول بها لأفضل تركيبة تحقق أكبر قدر من النتائج الإيجابية.

ونتيجة تراكُم الخبرات الدولية وتطوُّر المفاهيم الاقتصادية، بدأ التنظير الاقتصادي يتحول من فكرة البحث عن نموذج عالمي مثالي إلى فهم التنمية كعملية تحوُّل وتكيُّف مستمرين . فالدول الأكثر نجاحًا ليست تلك التي رفضت الخبرات العالمية ولا تلك التي تبنَّتها عن طريق الاستنساخ الحرفي، بل هي الدول التي أعادت صياغتها بطريقة تلائم طبيعتها المحلية، فتبنَّت المعايير والأهداف العالمية من كفاءة واستدامة وانفتاح اقتصادي، ثم اجتهدت في تصميم الأدوات المناسبة لتحقيق هذه الأهداف، وهذا ما يُطلَق عليه «توطين المعايير العالمية»، أي التعامل مع الخبرات العالمية كمرجع لا كقالب جاهز للاستيراد والتطبيق.

لكن يبقى السؤال الأهم في مرحلة التحول الاقتصادي التي تشهدها المنطقة العربية اليوم، هو كيف نبني نموذجًا اقتصاديًا يلائم طبيعة مجتمعاتنا ويحقق التنمية الاقتصادية المستدامة؟ وهل ينسحب السؤال على المنطقة العربية عمومًا أم أن لكل دولة طبيعتها المتفردة؟ فالاقتصادات العربية تواجه تحديات مشتركة، مثل تنويع مصادر الدخل وخلق فرص العمل والتحول نحو اقتصاد المعرفة، لكنها في الوقت نفسه تختلف في التعداد السكاني وهياكل الدولة ومستويات الانفتاح الاقتصادي. لذا فإن نجاح السياسات الاقتصادية على المدى البعيد يعتمد بدرجة كبيرة على ملاءمة هذه السياسات للواقع المحلي وقدرتها على الانطلاق من خصوصية المجتمع المؤسسية والاجتماعية.

أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.